• ×

10:40 صباحًا , الجمعة 22 سبتمبر 2017

قائمة

بَيْت العنكَّبُوت يَحِلُّ جِهازَ الأمن الشعبَي .. بقلم: فتحي الضَّو

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بَيْت العنكَّبُوت يَحِلُّ جِهازَ الأمن الشعبَي .. بقلم: فتحي الضَّو



حققت الصحافية اليقِظة شمائل النور كشفاً صحفياً متميزاً، على الرغم من أجواء التجهيل والتعتيم والتدجين، القابضة على خِناق الصحافة السودانية في نسختها السلطوية، والرازحة تحت حِرَاب العُصبة ذوي البأس لما يناهز الثلاثة عقود زمنية، تحكَّمت خلالها على مصائر البلاد والعباد. إذ كتبت الصحافية النابهة في صحيفة التيار الغراء، العدد 1842 بتاريخ 29 مارس 2017 خبراً منسوباً لمصادرها عن حل جهاز الأمن الشعبي. ونسبة لأهميته لم تدخر الصحيفة جهداً لوضعه في صدارة صفحتها الأولى كعنوان رئيس، وبصياغة تكاد تستنطق الصخر العصي، طمعاً في جذب انتباه القراء في خضم ركام من الغث الذي تطفح به صحف تشاركها الضراء، أو لربما بحثاً عن رواء تبتل به عروق الظميئ الذي يكاد يقتله حب الاستطلاع في معرفة خبايا وخفايا جهاز استخباراتي ماثل بيت العنكبوت في الدناءة والاهتراء والانحطاط الأخلاقي. ولربما هناك قلَّة من المتابعين والراصدين ممن يعلمون أن الجهاز الذي اعتمدت عليه الحركة الإسلاموية ردحاً من الزمن لتقوية شوكتها، منذ تأسيسه منتصف السبعينات تحت مسميات متعددة، وحتى بسط نفوذه وفرض هيمنته بعد الانقلاب الكارثي في العام 1989 من خلال القيام بأدوار قذرة لتثبيت أركان الدولة الغاصبة... سنامها زهق أرواح معارضين وموالين معاً، وقوامها ممارسة التعذيب الذي قطف من كل مُستبدٍ منهجاً وفكرة.!

(2)
إن ما قامت به الصحافية المثابرة شمائل النور، هو بالضبط ما خلصنا إليه في مقدمة كتابنا الأخير والموسوم بعنوان (بيت العنكبوت/ أسرار الجهاز السرِّي للحركة الإسلاموية السودانية) والذي صدر قبل عام ونيف، وتحديداً في يناير 2016 وهو الكتاب الذي كشف الكثير من أسرار الجهاز العنكبوتي الذي حكم الدولة الفاسدة من وراء ستار، بنفوذ يعلو على السلطات الثلاث فيها، ويشمل القوات النظامية بمختلف أفرعها، ويناط به وضع الخطط الاستراتيجية الكبرى بما في ذلك العلاقة بين الدول وإدارة رحى الحروب الداخلية، كما تتنزل توجيهاته مقرونة بالتنفيذ دون تلكؤ أو استدراك حتى من قِبل الرئيس "الضرورة". وذلك كله هو ما حدا بنا لسبر غوره، والغوص في كواليسه، وإزالة غموضه. فكشفنا عن هيكله الإداري التنظيمي ممثلاً في ثلاث عشر دائرة، كل منها مختصة بأنشطة معينة، وبعضها تتفرع منه إدارات عديدة. وبنفس القدر كشفنا أيضاً عن مدراء تلك الدوائر، والذين يعملون في وظائف تمويهية، وكذلك تعرفنا على المناطق الجغرافية التي تتواجد فيه مقار تلك الدوائر في العاصمة السودانية، ومضينا إلى أبعد من ذلك في إزاحة النقاب عن جرائم قتل تمت بدم بارد، وذكرنا أسماء الضحايا وأسماء الجلادين كذلك، من أمثال عبد الغفار الشريف وعمار باشري ومجدي حمد وهمام عبد الكريم وسيف الدين خالد فضل المولي والماحي سعد الماحي وعمار إبراهيم أحمد عمر وآخرين.

(3)
ولتأكيد المصداقية والشفافية لم نصمت عن جرائم قتل قام بها هذا الجهاز في أوساط منسوبي العصبة الحاكمة أنفسهم، من منطلق حرمة الدم بغض النظر عن هوية الضحية، وهو ما يستوي فيه المعارض مع أزلام السلطة بدرجة سواء. ثمَّ أوردنا أمثلة شملت تفاصيل دقيقة لضحايا من كوادر النظام، وبخاصة تصفية بعض الضالعين في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا صيف العام 1995 وكذلك مقتل المهندس علي البشير وعبد الكريم حسين التوم وآخرين كثر. كذلك حصرنا بعض أسماء الذين اختفوا قسراً وذهبوا خلف الشمس دون أن يتركوا أثراً. ومن هؤلاء محمد الخاتم موسى يعقوب والبروفسير عمر هارون محجوب. هذا إلى جانب جرائم أخرى، تعددت طرائقها وتنوعت وسائلها، ولن تجد لها مثيلاً سوى لدى العنكبوت وسيرته.

(4)
بيد أننا خلصنا في ختام مقدمة الكتاب إلى نتيجة الحل التي كشفت عنها النقاب الصحافية المتميزة شمائل النور، إذ جاء في صفحة 22 ما نصه (زبدة القول لن أجد أفضل من التعبير عن سعادتي بهذا الاختراق، فأنا فخور بما توفر لي وعجز عنه أصحاب الحول والطول.. اختراقان لأعتى الأجهزة الأمنية في دول العالم الثالث، اتَّضح – رغم الإمكانيات المهولة – أنهما مجرد نمرين من ورق. ولعله بعد أن انكشف المستور وظهرت الهيبة المصطنعة – كما وصفها غوستاف لوبون في كتابه سايكلوجية الجماهير – لن يكون أمام القائمين على أمر "جهاز الأمن الشعبي" سوى عض أصابع الندم على الأموال الطائلة التي أهدروها في تشييد بنائه فوق جماجم أهل السودان. ولكن بعد أن يضحك أهل السودان أنفسهم على الفرعون وهو يسير عارياً، ستبدي الأيام للعصبة ما يجهلونه في ضآلة الخيارات، فإما الإقدام ساعتئذ على حلِّ الجهاز بعد أن فككناه طوبة طوبة، وإما الإبقاء عليه بتلك العورة المكشوفة إلى حين حدوث الطامة الكبرى!)

(5)
هل قلت اختراقين؟ نعم، فبما أن الشيء بالشيء يذكر لم تكن تلك هي زيارتنا الأولى لدهاليز هذه الأجهزة القميئة، إذ سبقتها زيارة أخرى، وثقنا لها في الكتاب الذي صدر قبل العنكبوت بعنوان (الخندق/ أسرار دولة الفساد والاستبداد في السودان) مطلع العام 2012 ومن جملة الأسرار التي أمطنا عنها اللثام آنذاك، كانت وقائع تداعيات محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا. فكشفنا عن الاجتماع الخطير الذي عقده أرباب العصبة الحاكمة، وأوردنا أسماءهم، يتصدرهم الرئيس المشير عمر البشير ويتزعمهم كبيرهم الذي علمهم المكر السئ علي عثمان محمد طه، بالإضافة إلى الزبير محمد صالح وعلي الحاج وبكري حسن صالح وإبراهيم السنوسي وعوض الجاز وعبد الرحيم محمد حسين وإبراهيم شمس الدين والطيب إبراهيم محمد خير وغازي صلاح الدين. وهو الاجتماع الذي شرح فيه علي عثمان خفايا اشتراكهم في العملية، وختمها بقوله إنه يملك كل المبررات الشرعية لإزهاق أرواح المصريين الثلاثة الذين هَربوا أو هُرِّبوا لإخفاء الأثر. وهو الاقتراح الذي وجد تأييداً فورياً من البشير واعتراضاً بلغ حد الزجر من الترابي لشيء في نفسه. والغريب في الأمر أن الأخير هذا ذكر الرواية ضمن الحلقات المسجلة التي بُثت بعد مماته في قناة الجزيرة الفضائية، بصورة أقل توثيقاً مما ذكرنا، وبعد أربع سنوات مما نشرنا، ومع ذلك تلجلجت الألسنة واضطربت الأوصال كأنه قال شيئاً جديداً!

(6)
ثمة أسئلة تطرح نفسها في أعقاب حل جهاز الأمن الشعبي، وفي مقدمتها ترى ما هي دواعي الإقدام على هذه الخطوة؟ وهل هناك ما يفسر توقيت هذا الحل في الوقت الراهن؟ إلى أي جهة سيؤول إرث الجهاز بقضه وقضيضه؟ هل هي خطوة استباقية لأمر قادم؟ هل ثمة أصابع خارجية فرضت حل هذا الجهاز؟ بما أن للجهاز أصولاً واستثمارات وأموالاً ضخمة، هل ستدمج مع جهاز الأمن والاستخبارات الرسمي كما يقال عنه؟ هل هذا الإرث سيشمل الموبقات التي ارتكبها جلاوزة الجهاز؟ وعلى هذا المنوال تتداعى الأسئلة المماثلة والكثيرة، ولكننا نكتفي بالإجابة على بعضها تلميحاً وتصريحاً، وفق ما نضح من مصادرنا العليمة التي أكدت أن حل الجهاز كان شرطاً في أجندة الحكومة الأمريكية ممثلة في جهاز الاستخبارات (السي أي أيه) للتأكد من دخول النظام بيت الطاعة، في إطار مهلة الستة أشهر التي حُددت في أعقاب رفع العقوبات الاقتصادية. ولم يكن ثمة مناص من أن يثقل بها الفريق محمد عطا أحماله في زيارته الأسبوع الماضي للولايات المتحدة ولقاء مايك بومبيو مدير جهاز الاستخبارات. غير أنه على الضفة الأخرى من النهر، فالخطوة لم تكن سوى إشارة في إطار ما تقوم به العصبة في الإيحاء بتغيير جلد الثعبان!

(7)
وتمضي المصادر ناثرة معلوماتها من إناء لا ينضب معينه. وتؤكد بأن الأدارة الأمريكية ممثلة في جهاز استخباراتها ذائع الصيت قد تسلم إرث جهاز الأمن الشعبي المعلوماتي، والخاص بمعلومات عن كل ما يتصل بحركات الإسلام السياسي، صغيرها وكبيرها، تفاصيلها وخباياها، في جميع أركان الكرة الأرضية، وخصوصاً غرب وشرق القارة الأفريقية، وليبيا، وحماس في غزة، وبعض دول جنوب شرق آسيا وهلمجرا. ويُذكر أن جهاز الأمن الشعبي يملك أضخم معلومات في أجهزة الحركات العقائدية في المنطقة. وهي معلومات تراكمت عبر السنين منذ تأسيس الجهاز. بتأكيد أن الملفات التي سلمت لجهاز الاستخبارات الأمريكية تعد أكبر صفقة في التاريخ بين جهازين أمنيين. ولم لا يا صاح، فقد صرح أحد سدنة جهاز الأمن والاستخبارات الوطني (الفريق حنفي عبد الله / السوداني 1/2/2017) وقال متباهياً حد الزهو أن مكتب وكالة الاستخبارات الأمريكية في السودان يعد من أكبر مكاتبها في الشرق الأوسط، ويعد واحداً من أهم مكاتبها. وبالطبع لمثل هذا تفرد بعض الدول عضلاتها وآذانها الطويلة!

(8)
في واقع الأمر ذلك طريق سبق أن عبره نظام الخرطوم نفسه من قبل. لعل البعض يذكر رحلة تاريخية حمل فيها براق وكالة الاستخبارات الأمريكية الفريق صلاح قوش عندما كان مديراً لجهاز الأمن والاستخبارات الوطني، ونزل ضيفاً على الوكالة في مقرها الكائن بضاحية لانغلي بولاية فرجينيا، وهناك أفرغ كل ما في جوفه وصدره ورأسه وحقائبه بصورة رسم فيها أحد عملاء الوكالة مشهداً درامياً وقال لصحيفة نيويورك تايمز وقال (يا إلهي لقد منحونا أكثر مما كنا نحلم به) كان ذلك في العام 1996 بعد أن رفعت الإدارة الأمريكية العصا بدون جزرة، والمفارقة أنه رغم الكرم الحاتمي لنظام الخرطوم فإنها لم تنزلها إلا بعد عقدين من الزمن. والآن ما أشبه الليلة بالبارحة، فمن قبل أن تفصح الإدارة الأمريكية عن مكنون رغباتها وتطرح معيناتها، كان المشير البشير يمارس هواية (الاستبرتيز السياسي) بالانبطاح الابتدائي لدولة الأمارات، حيث تحدث لإحدى صحفها (الاتحاد 24/2/2017) وانتقد التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وقال إنه يهدد استقرار الدول العربية، وزاد بما يمكن أن يسقط الأجنة في الأرحام، من قبل أن يرتد طرف ناقل الرسالة إلى "لانغلي" والسلام!.

(9)
يشكك بعض المراقبين في أن خطوة حل جهاز الأمن الشعبي، تبدو أشبه بلعبة (الاستغماية) تلك التي يمارسها نظام الخرطوم دوماً، فكلما حُوصر نهض وآوى إلى جبل يعصمه من الكذب. أى أن الخطوة التي قام بها وذاع سرها ما هي إلا خدعة الخروج من الباب والعودة بالشباك. واقع الأمر تقول المصادر إن ذلك أمر محتمل ولكن بصورة أخرى. فأمريكا لا تستبعد أن تلجأ سلطة العصبة لسلاح الكذب للمرور في امتحان الستة أشهر المضروب شروطها الخمسة سلفاً، ومن ثمَّ تعود لممارستها التي جُبلت عليها من قبل. باعتبار أن مثل هذه الحماقات كثيراً ما بدرت في مواقف معينة. لكن من جهة ثانية فإن المصادر ترجح أن يقوم نظام الخرطوم بتكوين جهاز آخر يستخرجه من أحشاء جهاز الأمن الشعبي المنحل، وتلك فرضية تستند على أن كوادر جهاز الأمن الشعبي هي الكوادر العقدية الملتزمة، وأن منظومة الحركة الإسلامية التي تمثل المرجعية للنظام لا يمكن أن تعيش دون وجود جهاز أمني يحرسها كما (كلاب الصيد) مع راعيها. كما تستند الفرضية أيضاً إلى أنه ثمة خطورة على النظام من قبل كوادر جهاز الأمن الشعبي إذا لم تستوعب في كيان يكبح شهوتها في الانتقام والثأر في حال تُركت دون مهام تشغلها.

(10)
لأن النار بالعودين تذكي، غير أن الأهم الذي نود أن نخلص إليه في سياق هذا التحليل الذي يحاول أن يتقصى مالآت الجهاز بعد حله، فإنني أستعين أيضاً بما أشرنا إليه في الكتاب وما تزال فرضياته قائمة في إمكانية احتدام صراع محتمل (إن انهيار الأجهزة الأمنية، ومن ثمَّ انهيار النظام، وكذا انهيار الحركة الإسلاموية، ليس أمراً يمكن أن يمر مرور الكرام، أي بسلاسة تجرع الظمآن ماء. يقول العالمون بحركة تاريخ الشعوب، إن تلك جراحات لن تتم إلا في سياق ما ذكرناه كثيراً في كتاباتنا وسميناه بـ "ليلة السكاكين الطويلة" من باب إعادة وقائع تاريخ إنساني مضى في غياهب الذاكرة. فإعادة تكرار السيناريو بين "أصدقاء الأمس أعداء اليوم" تقترب علاماته رويداً رويداً.. الخطوة الأولى في النفق المظلم تمت بـ "المفاصلة" التي أورثت البعض ضغائن دفينة، وقد يلاحظ البعض حجم ما صار يمور في نفوس هؤلاء كالحمم البركانية، ويخرج بين الفينة والأخرى شواظاً ترمي بشرر).
يا أيها الشعب الصابر على جمر اللظى لن يطول انتظاركم.
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر.

faldaw@hotmail.com

بواسطة : admin
 0  0  351