• ×

08:51 صباحًا , الأحد 20 أغسطس 2017

قائمة

العلاقات بين امريكا والانقاذ (الشعب يمتنع)!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله الرحمن الرحيم
العلاقات بين امريكا والانقاذ (الشعب يمتنع)!!
بعد فترة حذر وترقب عاشتها حكومة الانقاذ علي اعصابها، اي ما يقارب النصف عام وهي تمني النفس بالنجاح في مادة لا تملك لها مقومات النجاح! اتت الرياح من واشنطن بما لا تشتهي رغبات وطموحات سفينة الانقاذ (التي لا تبالي بالرياح؟). ورغم ان احباطات منظومة الانقاذ عديدة، وهي تتلقي الضربة تلو الاخري، لمخططاتها الرامية لاستدامة وجودها علي سدة السلطة، إلا ان مكمن العطب الحقيقي في ماكينة الانقاذ، تجسده حالة الابتذال للقضايا والتهافت علي نيل المطالب بالتمني. وإذا كان هذا الاسلوب العقيم في ادارة الدولة، وجد صدي في الداخل، خاصة وهو يستند علي آلة امنية وعسكرية ودعائية ومالية جهنمية، فان لعبة الخارج اكثر تعقيدا وخطورة، لا لشئ إلا لانها تعلب فيها دور العامل التابع وليس العامل المستقل بحال من الاحوال، في تلك المعادلات الخارجية. وليس ادل علي ذلك، من فتح الانقاذ للدولة السودانية، كبازار لتسوق اقوياء الخارج لنيل ما يبتغون بابخس الاسعار. والحال، ان الانقاذ اعتقدت ان تلبية مطلوبات الادارة الامريكية، يتبعه الرضا وتطبيع العلاقات مباشرة! وهي لا تعي ان شدة (الانبطاح)، لا تعني إلا رفع سقف المطالب والتوسع في سياسة الابتزاز، والحرص علي تعظيم المكاسب، بل والامتناع عن التواصل والاحترام، وليس العكس كما يحلم اغرار الدبلوماسوية الانقاذوية، الفاقدة للرشد والغارقة حتي اذنيها في احلام الصحيان، واوهام المراهقة السياسية للانظمة الشمولية! والمؤسف ان يتم ذلك، دون مراعاة لمصالح البلاد العليا وسمعتها ومكانتها علي المدي الطويل. ولو كانت الانقاذ تستمع للنصح قبل ضحي الغد، لتمعَّنت جيدا في مقال مميز للسفير المعتق جمال محمد ابراهيم، وفيه يبدد حقيقة الاوهام منذ وقت مبكر، لخفض سقف التوقعات والتعامل بواقعية اكثر مع الواقع والظروف المحيطة. ولكن الانقاذ في سعيها المحموم لنيل تبريكات (القس السياسي) ترامب، وهي تطوف بخيالها حول البيت الابيض في صحوها ومنامها، نسيت ان تتجرد من مخيط الجرائم ورد المظالم الي اهلها، كمقدمة مبدئية لاي حج مبرور، وذلك ليس علي مستوي الخارج، ولكن علي مستوي الداخل كذلك، وهو الاهم.
علي العموم، هنالك موقفان من تمديد فترة الاختبار، بل ورفع العقوبات ذاتها، تتقاسمهما القوي المعارضة، ولو انهما لحسن الحظ يتفقان علي الموقف الرافض لمنظموم الانقاذ. اولهما، يري اصحابه ان رفع العقوبات مطلوب بشدة ومنذ وقت مبكر، علي اعتبار ان العقوبات ليس فعل خاطئ فقط، ولكنها تستدهف الشريحة الخطأ حصريا، وتاليا هي الابعد من مس رموز الانقاذ بشر، او نقص في الثمرات والامتيازات (اي عقوبات ليست ذات طابع انتقائي/ذكي!)، وهذا غير انها تلحق الضرر الاكبر بمواطنين كثر، وقطاعات اعمال وصحة وطلاب دراسة وهجرة ..الخ، اضافة الي مجمل تاثيراتها السلبية علي الاقتصادية، وما يترتب علي ذلك من زيادة معاناة وعذابات المواطنين، وذلك سواء بانتعاش اسواق العملة السوداء (رعاتها اسلامويون بالضرورة!) او بالوقوع في احضان الصين وايران واحتمالات روسيا، وتاليا رفع تكاليف الاستثمارات وتردي نوعية التكنولوجيا المستخدمة وزيادة فرص الفساد، او من خلال ازدهار نشاطات عصابات الاستثمار المشبوهة الدولية منها والاقليمية، وكذلك رفع نسبة عمولات الوسطاء بين الدولة والخارج، وهذا ناهيك عن الاساليب الملتوية والمكلفة، التي تلجأ لها حكومة الانقاذ، للالتفاف علي نتائج العقوبات وآثار المقاطعات؟ وعموما، يمكن ادراج هذا الموقف بصفة عامة تحت بند النظرة التعاطفية، وهي بطبعها اقرب للرؤية الثقافية/القيمية منها للواقعية السياسية، وذلك ليس لشئ إلا لانها تتعارض مع الموقف الثاني، وهو موقف قطاع عريض من المعارضة الناشطة في المجال العام، والتي تنظر للموقف نظرة شاملة، اي ترد تردي الاوضاع العامة، لوجود سلطة فاشية فاشلة، تتحكم في مفاصل الدولة السودانية وشروط المعيشة فيها، ومن ثمَّ تحتكر كل فضاءات الحركة والنشاط والفاعلية. وبكلمة محددة، ليس هنالك مخرج او امل، لحفظ كيان الوطن وتحسين احوال المواطنين، في ظل وجود هكذا منظومة عدمية! وتاليا مد اواصر التلاقي معها دوليا باي شكل كان، يعني فيما يعني الاعتراف بشرعيتها واعادة تاهيلها دوليا. والحال، ان هكذا وضع اخير، ينذر بتجذُّر التعقيدات الداخلية وزيادة معدلات الفساد والدمار الممنهج للدولة والتحطيم المتعمد للمجتمع! اي يمنح فساد وفشل وممارسات منظومة الانقاذ الاجرامية، التي لا تملك غيرها، صبغة شرعية؟! وعليه، يصبح ثمن الانفراجات الاقتصادية والترضيات الدبلوماسية الشكلية، هو في حقيقته ليس صب المزيد من ملح المسكنات علي جرح المعاناة والضياع لشعوب السودان الصابرة، والدولة المتدهورة، ولكن الاسوأ انه يكافئ المجرم علي جرمه والفاسد علي فساده، قبل ان يُغيِّب مفهوم العدالة ويزدري حق الانصاف، ويُرحل فرص التنمية البشرية والديمقراطية والاقتصادية او التنمية الشاملة بصفة عامة، الي المجهول. وما يجعل هذا الموقف الثاني اقرب للصحة، انه لا يتعامل مع منظومة الانقاذ كعدو بشكل جذري فقط، ولكنه يعي ايضا خطورة مثل هذا التواصل، في غياب الرغبة والرقابة الشعبية والمصلحة المستقبلية الاستراتيجية. بمعني هو موقف يضع اعتبارات المكاسب والخسائر علي المدي الطويل، في ميزان الواقعية والموضوعية. اي يضع الحصان امام العربة، علي اعتبار ان تمسك الانقاذ بمشروعها وشخوصها واساليب عملها، يشكل اكبر عقبة امام اي تحول ديمقراطي حقيقي، ينصف كل هذه الخسائر والتضحيات السابقة.
وبما ان الانقاذ لا تتطلع للتواصل مع الدولة الامريكية والمجتمعات الغربية، إلا لاصرارها علي احتكار السلطة واستباحة موارد الدولة، فتاليا ليس هنالك مبرر اصلا لمشاركتها هذا التوجه، او تصديق ادعاءاتها الفارغة ومبرراتها الكاذبة بخصوص التلاقي الخارجي. وبكلام اكثر وضوح، ليس هنالك ما يغري بتصديق الانقاذ وهي كذوبة، او الركون لشعاراتها وقد استبان زيفها، او الاصطفاف خلف مشاريعها وقد ثبت خطلها وخطرها علي بقاء الدولة ومصالح المجتمع، مهما تلاعبت بالعواطف واستجْدت مشاعر الوطنية في النفوس! والسبب ان منظومة الانقاذ في محصلتها النهائية، هي مرض سياسي او عاهة سلطوية مستديمة، وتاليا هي مشروع لا ينظر للسلطة كغاية فقط، ولكنه يحول السلطة ذاتها الي غول كبير، يلتهم الوطن ويصادر حقوق وآمال ومستقبل المواطنين! أي هي نموذج من السلطة الاجتياحية او الاعصارية اذا جاز التعبير، والتي تقتلع في طريقها كل ما يمت للدولة والمجتمع والسياسة والاقتصاد والانسان بصلة! وتاليا عقلنة هكذا منظومة فاقدة للعقل قبل الضمير، يدخل في بند المستحيلات. والحال كذلك، ليس مصادفة ان تعصف الانقاذ بالديمقراطية وتزدري العملية السياسية، وتطرد الاحزاب من المجال العام وتطارد السياسيين، وبالطبع تؤسس لتحريم المعارضة وتجريم العمل المعارض! الشئ الذي لم يضعف احوال المعارضة، والحياة السياسية بصفة عامة، ولكنه قطع الطريق علي الانقاذ نفسها، او حرمها نعمة المنافسة الصحية والاستفادة من الاخطاء او جدلية الحوار التوافقات وتراكم التجربة! اي بكلمة واحدة، جُردت الانقاذ من آليات وفرص الاصلاح الذاتي، وتاليا وبدلا من الانفتاح علي قضايا وطنية حقيقية، وبما فيها مراجعة وسيلة الانقلاب التي وصلت عبرها الي السلطة، ومن ثم الاقتراب من الافق الديمقراطي كمخرج وحيد للازمة الوطنية! نجدها انحدرت الي قاع الممارسات الاستبدادية، التي تزداد بشاعة وكارثية مع مرور الايام! والمحصلة، لم تفعل الانقاذ وما يقارب الثلاثة عقود من الحكم العضوض، سوي اغلاق كل ابواب المخارج امام الدولة السودانية، وهي تواجه ازمتها الوجودية، وتاليا رهن مستقبلها للانهيار والضياع. وذلك لان مراكمة الاخطاء وتاجيل الحلول، والالتفاف علي دفع استحقاقات الخروج من الازمة، لا يعني ان شراء الوقت هو نوع من الشطارة والفهلوة السياسية، ولكنه يعني عمليا احكام الانشوطة حول عنق البلاد، وبما فيها إن لم يكن اولها حكومة الانقاذ، الجاثمة علي صدرها عنوة وقهرا. في هذا المعني، تصبح حيلة رفع العقوبات الاقتصادية او قشة وعود المخارج العسلية، التي تتعلق بها الانقاذ، لن تعصمها من طوفان الخراب الذي تسعي اليه بجنون يحاكي انتحار الدواعش! وعليه، تصبح مجاراة الانقاذ في هكذا لعبة دبلوماسية ماكرة، هو نوع من العماء السياسي، او اقلاه بساطة لا تتناسب والتعامل مع نموذج شيطاني لا تاتي منه إلا الكوارث والمحن.
ولكن في كل الاحوال، يظل الرهان علي امريكا او الخارج، لحسم معضلة الانقاذ، هو رهان خاسر بامتياز! والسبب ببساطة لانه يحرم المعارضة او قوي التغيير، من اهم اسحلة التغيير، وهي ارادة ووسائل وبرامج التغيير الوطنية الخالصة، والتي لا يكتمل نضوجها إلا بتحرير الرؤية والقرار والفعل، من اي آثار او ضغوط ما فوق او دون وطنية.
ومن جانب آخر، هل يصح الركون لادارة ترامب او غيرها من الادارات الامريكية، فيما يخص التعاطي مع منظومة كالانقاذ، لا يجدي معها الا العداء والحسم، كابرز تعبيرات المصداقية، لاي توجه ديمقراطي مستقبلي، بما يختص بالشأن السوداني. علي المستوي الشخصي ليس لدي ادني ثقة في ذلك، ليس لان منظومة الانقاذ شريرة، وتخلو من اي مصلحة او منفعة وطنية او مجتمعية، ولكن في الاساس لان الانقاذ او الايدويولوجية الاسلاموية بصفة عامة، هي في حقيقتها الوجه الآخر للعقيدة الامريكية المستبطنة، والتي تجسدها النخبة والادارة الحاكمة بصورة اخص! والمقصود ارادة الهيمنة والسيطرة واحتكار الموارد والنفوذ، والرغبة المحمومة في استدامة هذه الاوضاع الجائرة. إذا صح ذلك، يصبح الاختلاف في وسائل التعبير فقط، اي سواء كانت ناعمة في شكل مؤسسات واجراءات كما في النموذج الثاني (امريكا)، او شعارات اسلاموية عاطفية كما في النوذج الاول (الانقاذ). علي ألا يمنع ذلك تحول الاساليب الناعمة الي خشنة، او توظيف الشعارات الدينية عكس مقاصدها ومضامينها، بل وبكل جراة وفجور، إذا دعت الضرورة لذلك. وهذا بدوره يعني ان عوامل الالتقاء، هي اكبر من عوامل التباعد، كما يبدو في الظاهر بين الطرفين! وعنما يضاف الي ذلك، ما يجري تحت الطاولة وبين الاستخبارات خلف الكواليس، تصبح الصورة اكثر قتامة. والحال ان هكذا وضع، يعيد للذاكرة الشبهات التي تحوم حول:
اولا، دور المخابرات الغربية في صنع المنظومة الاسلاموية، التي اخترقت الدول العربية، واحالت اوضاعها الاجتماعية الهشة، الي ازمات وتعقيدات يصعب حلها، وهذا عندما لا تفجرها من الداخل وتهدد وجودها بالزوال؟ في هذا الاطار لا يمكن اهمال النفق المظلم الذي دُفعت اليه نُخب تلك الدول، وهي تُقايض خاسرة، قضية التنمية الحقيقية او الملحة والعاجلة، بقضية الهوية الوهمية (وكأن مسؤولية الفرد عن اصله الذي لا حيلة له فيه، وليس عن مصيره الذي يقع علي عاتقه؟!). بمعني هي اشكالية مصطنعة، قبل ان تكون آلية هروب من دفع استحقاقات السلطة ومسؤولية النخب؟!
ثانيا، وهذا ما يثير الدهشة حقا، وخاصة لمن تلقي تعليم علي ايدي العناصر الاسلاموية، التي تلقت دراساتها فوق الجامعية في الولايات المتحدة الامريكية تحديدا! فهذه العناصر تفتقد لاي عقلية علمية او نقدية بالمعني المتعارف عليه، ومرجع ذلك يعود لفقر تكوينها او ضمور قابليتها او استعدادها للتغيير والانضباط بضوابط المنهجية العلمية في حياتها وطريقة تفكيرها، وكل ذلك انعكس عليها في شكل بؤس وعيوب وتحجر (تجهم) تحسد عليه، وهذا عندما لا تثير حيرة وتندر واحيانا احباط طلبتها! والسؤال كيف لمن لا يغير العلم تفكيره ونظرته للامور ومزاجه، ان يصبح اداة لتغيير الآخرين او يتشدق بحمل مشروع حضاري؟ والحال كذلك، ليس بمستغرب ان تتحول دور العلم والتنوير (الجامعات) الي سوح لنشر العنف والظلام والانغلاق والتزمت (اي الي كهوف طالبانية وامارات داعشية!) وهذا بدوره ما رفع الطلب علي سلع الدجل والسلفنة والدروشة، وتاليا جعل اسواقها رائجة بين المتعلمين؟! وليس ادل علي هذه (الشعوذة العلمية!) إذا جاز التعبير، من توافر قناعات بين (البروفات!) كعلاج بول الابل للامراض او دور المصحف في دعم الحقائق العلمية او العكس، وغيرها من (الخزعبلات العلمية!) لدرجة ان هنالك سمنارات او بحوث علمية، يكلف بها الطلبة داخل الكليات التطبيقية، تدور حول هذه الامثلة السالفة الذكر (واخشي ما اخشاه ان تكون هذه السياسة العبثية المتخلفة، والمضادة لروح العلم ومنهجيته، قائمة حتي الآن! ومراكز البحوث الجادة حول العالم، تجوب الفضاء وتغوص في اعماق البحار والمحيطات، لاستكشاف المجهول، بل وتعد عدتها لاطالة عمر الانسان والتخلص من الامراض..الخ).
المهم، هذه النوعية من الاساتذة والرموز الاسلاموية، الحائزة علي هكذا شهادات عليا، لا تعكس اي قدرات او مواهب او تاهيل حقيقي، تضع الكثير من علامات الاستفهام حول حقيقة تلك الشهادات؟ وطبيعة تلك الجامعات؟ وصلتها بمراكز الاستخبارات او وزارة الخارجية الامريكية ( اليس جزء من سياسة التخريب الشهيرة، وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب؟!) وفي البال بالطبع، موضة التكالب علي شهادة الدكتوراة، بالحق وبالباطل، التي اشعل اوارها الكيزان، وتاليا التدافع بالمناكب نحو حيازة مكانة اجتماعية ومادية مرموقة (غالبا مظهرية ومخادعة!) تعكسها تلك الدرجات. وكأن تلك الدرجة تعفي من الانجاز والالتزام والتنافس، بل وتمنح الامتياز مجانا، وليس العكس! ولكن هذا بالطبع لا يمنع انصاف الجديرين بها، والذين يدفعون ثمن استحقاقها، بل وتثمين جهودهم وانجازهم. علي ان يتم ذلك بكامل الحذر والاحتياطات، حتي لا يتم تحويلها الي سبيل مفاخرة واداة مباهاة، لترجعنا القهقري الي الثقافة القبيلة او القيم الرعوية، ولكن بمظاهر وادوات حديثة اكثر خطورة ومفاعل تدمير، وعندها يصبح حالنا من حال (وكانك يا ابوزيد ما غزيت).
ثالثا، عند فحص اسباب المقاطعة المعلنة او مبررات رفعها، نجد انها لا تمت بصلة، لا لتبيئة الديمقراطية داخليا، ولا للدفاع عن حقوق الانسان (رغم الانتهاكات الصارخة!) ولا لغيرها من المبادئ الكبري المعلنة؟ ولكنها تنحصر في نوع من العلاقات الزبائنية او التكاليف العملية، التي تخدم الطرف القوي (امريكا) وقد تتقاطع او لا تتقاطع مع مصالح الطرف الآخر (الانقاذ)، وهنا مكمن الترضيات والخلافات! أي حقيقة المسألة، هي المكاسب المتحصلة لكلا الطرفين من هذه العلاقات المشبوهة (من وجهة مصالح الشعوب المغيبة بالطبع!).
رابعا، اذا صح ما يقال، ان ما يحرك الحياة، المنافع والمصالح وليس الحقائق والمبادئ، فهذا عين ما يجسده كلا النظامين، سواء الامريكي بمرجعيته الراسمالية، ولبها تعظيم الربحية! او الاسلاموية بنسختها الانقاذوية، ورغبتها المسعورة للمتجارة بكل شئ، من اجل تعظيم مكاسبها الدنيوية! وبالطبع ليس هنالك اخصب من بيئة الدين، لهكذا متاجرة لا تكلف شيئا ذا بال، سواء في ميزان بذل الجهد، او من خلال اجتراح مقاربات موضوعية، لوعي حقائق الواقع وفهم تقلباته، ومن ثم الارتقاء به، او اقلاه عدم مغالطاته بشطحات الغرور، او مسلكيات المكابرة والجهل والعناد. بمعني، كل راسمالها مخاطبة العواطف ودغدغة المشاعر، وبيع الاوهام في ساحة النفوس التواقة للخلاص (من ربقة الفقر والجهل والمرض وكل آفات التخلف والاستبداد!) باسهل الطرق واقل التكاليف. اي هي ذات استعداد عالٍ للهروب من مواجهة الحقائق وعلي راسها حقيقة الذات! بتعبير آخر، ان مصدر قوة الانقاذ، هو عينه نقطة ضعف المجتمع! وتاليا معالجة معضلة الانقاذ تبدأ من هنا، حيث يقيم ضعفنا المديد ( ممانعة الوعي واستسهال الامور، وكراهة المسؤولية والانضباط والعمل، والنفور من النظام والتنظيم، والعجز عن بناء اشكال التضامن والمحافظ عليها، وقبل ذلك العداء الفطري للقانون والدولة والمؤسسات، وكذلك ادمان المظاهر والعادات السلبية كالتفاخر الاجوف والاسراف الاجتماعي، اي كرد علي وقائع (التاريخ/الخاص او العام) من جهة، وحالة فقدان الثقة، من جهة مقابلة). وباختصار ابدال الواقع والمجتمع الحقيقيين بكل عيوبهما ونواقصهما، بواقع براق مغشوش ومجتمع متخيل، اكثر ما يعبران عن حالة المجتمع المأزوم/التائه او المصاب بمتلازمة فقدان الوجهة او البوصلة؟ وهذا بدوره قد يفسر الي حد ما، ليس ضعف الحساسية العامة او الشعبية تجاه الديمقراطية (التي تعني فيما تعني كثرة الخيارات ومسؤولية الاختيارات!) فقط، وتاليا عدم الدفاع عنها عند السطو عليها! ولكن الاسوأ انها تدعم خط الانقلابات (ولو بطريقة ضمنية كالصمت عليها!) ومهما كان البون شاسعا بين انماطها واتجاهاتها وشعاراتها المعلنة؟ وذلك قد يعود كما سلف، الي انها (الانقلابات) تعفيها من حرية الاختيار والمسؤولية المترتبة عليها من جهة، وتحدد لها الوجهة (المفقودة) من جهة مقابلة. وبكلمة محددة، الانقلاب (كاب رمزي/ حتي وان كان فاشل وسادي!) إلا انه يشبع للشعب حاجته للحماية والرعاية (ومهما كان مستوي تدني هذا الاشباع، إلا انه يتناسب مع تدني مستوي الوعي ودرجة المسؤولية!) وهذا ما يظهر بوضوح في وعي الوصاية الذي يتلبس الانظمة الانقلابية، وردة فعل الاستكانة التي تظهرها الشعوب، وتاليا السماح باستباحة الدولة ومواردها والشعوب ومصيرها! ومعلوم ان هكذا وضعية قارة وكارثية، لا تكسرها إلا الثورات الجذرية واخذ الشعوب مصيرها بيدها! وفي حالات نادرة يتم حدوث تسويات سياسية، تعيد للشعب نضوجه وللسلطة الانقلابية رشدها.
الخلاصة، اذا كانت الراسمالية تعاني من ازمة (تعظيم المنفعة الخاصة/الشراهة/التغول!) مرتبطة ببنيتها واسس فلسفتها، فان الاسلاموية هي ذاك العطب المقيم فيها (وبالطبع تصبح مجردة من كل مميزات وبصورة ادق ملطفات النظام الراسمالي!) وتاليا يمكن وصف الاسلاموية، بانها جحيم الراسمالية؟! وعليه، يصبح هذا العداء المصطنع بين التيارات الاسلاموية والادارات الامريكية، هو نوع من تغبيش الوعي او تعكير المياه، ليسهل الصيد لكلا الطرفين من دون رقابة او محاسبة. واذا كان الامر كذلك، ليس هنالك من وسيلة لهزيمة مشروع الانقاذ الطفيلي (الوكيل الاستعماري الحديث!) وتصفية آثاره ومخلفاته، ومن ثم استبداله بمشروع ليس ديمقراطي ووطني فحسب، وانما، ذو ابعاد اجتماعية، تقطع مع الاستغلال والاحتكار والالتفاف علي منظومة حقوق الانسان، باي شكل او مبرر كان؟ من دون مساءلة نقاط التقاطع بين منظومة الانقاذ والجماعات الدولية النافذة؟ ولو ان هكذا مهمة شاقة ومكلفة (نسبة لسيادة قانون التبعية) فوق انها محرجة (تضارب مصالح الشركاء) إلا انه لا سبيل للخلاص سوي بركوب مركب الصعاب، والتحرر من الحرج فيما يخص الحقوق والواجبات والمبادئ. خاصة وانه ليس هنالك قانون يغير الحياة خارج اردة الانسان.
واخيرا، من الملفت للنظر، بل والمثير للسخرية، التصريحات البشيرية، بقطع العلاقات مع الادارة الامريكية، طوال فترة الثلاثة شهور القادمة (مدة تاجيل البت في قضية رفع العقوبات!) ومصدر السخرية ليس لانه لا يقف علي موقع يسمح له بذلك فقط، ولكن لان البشير لم يتعلم شيئا، بعد قضاء كل هذه السنوات في الحكم، وما جرته عليه هذه العنتريات الفارغة من تهم ومطلوبات عدلية، والتي بسببها يقبع الآن في قصره (اسير سجنه) ولا يستطيع التحرك إلا لدول بعينها، وبعد اجراءات واذونات مسبقة، واي انحراف ولو بسيط عن هذه المسارات، تدخله في محنة! تذكر بافلام العصابات والمغامرات والمطاردات البوليسية! ومن هذه الوجهة بالذات، البشير مؤهل لمزاحمة نجوم هوليود علي الشهرة والحضور الاعلامي العالمي؟! فالبشير طوال وجوده علي سدة السلطة، اعتاد القاء القرارات العشوائية وتبني المواقف الانفعالية، في الهواء الطلق، دون ان يلقي لها بالا، حتي تهوي به في اروقة المحكمة الجنائية، او تحيل حياته الي سلسلة من المطاردات والاحراجات الدولية، التي يندي لها جبين الدولة، قبل ان تمرغ سمعة اهلها في الوحل وتاريخها في الحضيض! والحال كذلك، ما اهمية الجيش الجرار من الوزراء والنواب والمستشارين والخبراء الذي يتكدسون في القصر ويحيطون به كالجراد؟! وكان ظننا (وبعض الظن اثم!) ان البشير وهو يخطو خطواته الاخيرة نحو صالة المغادرة، ان يرتدع قليلا (ويرعي بقيده) عن هذه المسلكيات الصبيانية، ويحترم ما تبقي من هيبة لهذه الدولة المختطفة! ولكن يبدو ان من شبَّ علي التصريحات المضروبة والتهديدات الهوائية، لا محالة شائب علي الهرف بهكذا قاموس طائش من الخرف والزعيق السياسي! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر الكلام
ظللنا نكرر وغيرنا، ان كل مشاكل الطلاب داخل الجامعات، تتورط فيها الادارات بشكل او آخر، وهذا في حال لم تصنعها من العدم (وفي البال مشكلة بيع مجمع الوسط). فاضافة لتردي بيئة الجامعات السودانية، وخلوها من كل مقومات التعليم الحديث، بل ومحاربة كل سبل الراحة ووسائل الترفيه، إلا ان ادارات هذه الجامعات وبحكم خلفيتها الاسلاموية، فهي من جهة، تميل لتسييس كل القضايا والمطالب، وبما فيها المرتبطة بالجوانب الاكاديمية البحتة، وتاليا تندفع لتجريم الانشطة وشيطنة الطلاب، علي اعتبارهم مناوئين لتوجهات الحكومة/الدولة! ومن جهة اخري، هي سلفا تفتقد للمهارة الادارية (تعيين سياسي) وهذا غير افتقارها للخيال والابداع الذي يشف ابعد من ارنبة انفها. بكلام آخر، كل مدراء المؤسسات والهيئات والادارات المختلفة، من ذوي المرجعية الاسلاموية، هم في الاصل من طينة الطيب مصطفي (في فقر مواهبه وفراغه وتعصبه وهوسه!) ولكن الفارق ان حظ الطيب مصطفي العاثر (احتمال شلاقته المفرطة!) رماه في خانة الاعلام وما يحيط به من متابعة مكثفة، وتاليا كشف (عطالته الخصبة وخواءه النشط). المهم، ما يؤكد ما سبق الاشارة اليه، ان معظم مشاكل الجامعات ذات طابع واحد او تكاد تكون متكررة علي ذات الوتيرة، وكأنها نفس المشكلة ولكن بنسخ متعددة في جامعات مختلفة! وهي في الغالب الاعم، مشكلة تصنعها ادارات الجامعات، وتلعب فيها دور الحكم والجلاد في ذات الوقت، ولكن بعد تفاقم المشكلة وخروجها من يدها، تتحول بقدرة قادر الي الضحية، والممثل الوحيد للمصلحة الوطنية؟ علي العموم، وبالرجوع لما ذكرناه عن نوعية (الاساتذة والعلماء الاسلامويين!) الذين يُدرِّسون ويديرون الجامعات وغيرها من المؤسسات، لا نستغرب كم الدمار والخراب الذي طاول الدولة والمجتمع والحاضر والمستقبل، من جراء هكذا نماذج دخيلة علي العلم والعلماء والقيم والادارة والسياسة والوطن.
وفي هذا الاطار تتجدد مشكلة جامعة بخت الرضا، وما يتعرض له طلاب دارفور من تمييز عنصري في التعامل، وكأن ادارة الجامعة تحولت الي سلطة انقاذية/بشيرية/جنجويدية موازية، تكمل ما تقوم به الحكومة في مناطق دارفور من حرب مفتوحة علي الابادة! اي نوع من التطهير ضد طلاب دارفور كما اشار البعض. ولكن يجب الحذر من هكذا وضعية عنصرية، بحيث لا تخلط الصورة، وتجعلها وكأن الانقاذ في مواجهة ضد دارفور واهلها حصريا! وذلك لان الحقيقة التي لا مناص من التمترس خلفها، تؤكد ان الانقاذ ضد الجميع ومع نفسها ولا تمثل إلا نفسها ومصالح اتباعها، وهم عابرون لكل الاعراق والمناطق والطبقات؟ وتاليا ما يجري لاهل دارفور، مجرد نموذج او رد علي حالة الرفض التي يبديها اهل الاقليم، لمنظومة ليس في عرفها تحمل الرفض، او التسامح مع الاعتراض والمقاومة! خاصة، وهي تنطلق من عقيدة فاسدة (قوامها توهم علاقة بالاله او كخلافة تجسد رغباته علي الارض! ولا ندري اي إله ذاك الذي يدخل في علاقات مشبوهة مع عصابات اجرامية ونظم توتاليتارية تحتقر الانسان وتقدس السلطة؟!). المهم، نفس ردة الفعل وبنفس الوسائل وذات المبررات، ستتكرر في كل منطقة وضد كل عرق ترفض/يرفض ظلم وظلام الانقاذ، وتعبر/يعبر عن هذا الرفض في صورة مقاومة ايِّا كانت سلمية او مسلحة! بدلالة ان هذا النهج كان يمارس حتي قبل اندلاع مشكلة دارفور، ابتداء بالجنوب ومرورا بما يحدث داخل جدران المعتقلات ومواجهة المظاهرات، وليس انتهاء بحالة الارهاب في حرم الجامعات! اي طاول بجحيمه الجميع دون فرز، فمن لم تقتاله آلة الانقاذ الحربية، فمؤكد قتلته افرازات سياساتها الاقتصادية، وشظايا ثقافتها الارهابية التي تخيم علي فضاء الوطن!
ومن منطلق الشئ بالشئ يذكر، وعلي ايام الجامعة اتذكر، ان الصراع الاساس والحاسم كان بين الاسلامويين من جهة، وكل المعارضة ولكن بصورة خاصة الشيوعين والجنوبيين، من جهة مقابلة، ولم يكن ضد طلاب دارفور او غيرهم بحال من الاحوال. وبالطبع كان صراعا مبررا، علي اعتبار الايديولوجية التي يستند عليها الاسىلامويون ويقوم عليها مشروع الانقاذ! بل وكما هو معلوم، ان واحد من اسباب تجذُّر وانتشار المشروع الاسلاموي في التربة النخبوية، انه كان رد فعل تجاه تمدد الدعوة الشيوعية (وتاليا هو مشروع مقطوع النسب وليس ابن شرعي لحاجات المجتمع الحقيقية!) اي كأن الاخيرة شكلت هوية لمن لا هوية له، ولو بشكل مضاد، علي اعتبار بضدها تتمايز الاشياء. وهذا ما انعكس ليس علي طرح المشروع الاسلاموي، ولكن حتي علي الشكل التنظيمي واساليب العمل السري، وعيوب العمل المركزي او القرارات الفوقية، ولكن بالطبع كل ذلك تم بصورة اكثر تخلف ورجعية تلازم الصورة الباهتة للاصل المناقض. والحال، ان هكذا نموذج سابق، يؤكد الشبهات الآنفة الذكر، من دعم الاستخبارات الغربية اللامحدود، للتيارات والجماعات الاسلاموية، في حربها المعلنة ضد الشيوعية الاممية.
ونخلص من ذلك، ان استهداف دارفور واهلها مسألة طارئة علي الانقاذ، وارتبطت اكثر ما ارتبطت، بحالة الضعف والتخبط والتشرذم التي طالت الانقاذ، خصوصا بعد تهتك ايديولوجيتها وتعرية زيف مشروعها الحضاري، وتحولها الي محض نزعة سلطوية غشيمة، تفتقد المشروع والمشروعية، وتاليا لا تتورع عن حرق البلاد واهلها في سبيل البقاء. وعليه، دون اجراء اصلاحات عاجلة وجذرية، تطال البناء الداخلي لكل التيارات والكيانات المعارضة السلمية منها والعسكرية والمنظمات المدنية! علي ان يعاد تنظيمها علي اسس الديمقراطية والشفافية وخضوعها للرقابة والمحاسبة، والالتزام بآلية تداول القيادة دوريا واجباريا (بوصفها كعب اخيل القيادة) اقلاه في الفترة الانتقالية الاولي لعملية التنظيم! فلن يكتب لها الفاعلية او القدرة علي تشكيل التيار العريض، الذي يملك الارادة والقدرة علي الاستجابة للتحدي، وانجاز مطلوبات الحد الادني من التغيير، وعلي راسها ازاحة عقبة (خازوق/كادوك) الانقاذ من الطريق، والاتفاق علي اسس ادارة الدولة السودانية علي النهج الحديث! وإلا فلا سبيل لخلاص الامة إلا باخذ خيارها بيدها لتحديد مصيرها ومستقبلها، بابتكار آليات ووسائل تغيير، تستجيب لتطلاعتها وتعصمها شرور التمزق والانقسام! ولكن المهم قبل كل ذلك، هو الايمان بان دوام هذا الحال البائس من المحال؟!
خارج النص
استمرار حالات اعتقال النشطاء في الداخل والخارج، لا لسبب جنوه إلا ايمانهم بالديمقراطية وعملهم علي نشر التوعية وثقافة حقوق الانسان وحرية الشعوب! يؤكد ليس حالة الظلم والبؤس التي تعيشها هذه المنطقة المظلمة من العالم (رغم شكليات الحداثة المستجلبة او جسدها الموزع بين التعامل مع بعض التقنيات والعمران الجامد وادمان شهوة الانغماس في ملذاتها التواصلية!) ولكن الاسوأ من ذلك هو تعفن السلطات الحاكمة وعمالتها، وبربرية اجهزتها الامنية و وضاعة عقيدتها الاستخباراتية، وتاليا استباحتها لكرامة المواطنين كفرض عين او جهاد في سبيل راحة وامان الحكام الفاسدين! ولكل ذلك تُواجه المشاعل اعلاه بالقمع وتشويه صورتها الناصعة، ولكن هيهات وهي تملك، كما عبر عود صندل الشعر السوداني حميد (ارادة القمرة البتقدر براها تضوي الظلام).
واخيرا، معا للضغط من اجل اخراجهم من المعتقلات الظالمة، حتي يعودوا لتجميل حياتنا المفقرة، ببهاء طلتهم الندية. ودمتم في رعاية الله.
عبدالله مكاوي

بواسطة : admin
 0  0  442