• ×

08:59 مساءً , الأربعاء 22 نوفمبر 2017

قائمة

باربرا براي والاستاذ العظيم .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
باربرا براي والاستاذ العظيم .



كتب الطيب صالح :



حينما أعدم الرئيس السابق جعفر محمد النميري الرجل الهرم محمود محمد طه رحمه الله، كلمتني "باربرا براي" في الدوحة من باريس آخر الليل، كان صوتها في التلفون غاضباً حاداً، أقرب إلى الصراخ، وذلك امر لم أعهده منها، فهي عادة هادئة رقيقة مهذبة،

قالت لي: ألا تنوي أن تفعل شيئاً؟
قلت : افعل شيئاً بخصوص ماذا؟

قالت : ألم تسمع الأخبار؟ ألم تسمع بأن رئيسكم الهمجي قد أعدم رجلاً في الثمانين من عمره؟ أنه أمر مخجل حقاً، من يصدق ان هذا يحدث في هذا العصر؟.

صمت وتركتها تسترسل فماذا أقول لها. لم تهدأ تائرتها بل إن غضبها ازداد قوة وهي تمضي في الكلام.

وحين يطول صمتي تقول لي بعنف: هل أنت هناك؟ هل تسمعني؟
نعم يا باربرا، أنا هنا وأسمعك جيداً.
إذاً لماذا لا تفعل شيئاً؟.

قلت لها متضاحكاً لعلني أعيدها إلى هدوئها: الآن؟ في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟.

لم تستجب لمحاولتي، وقالت لي بصوت أكثر غضباً: إنني كنت أتحدث منذ لحظات مع البيت الأبيض في واشنطن. طلبت محادثة الرئيس ريجان، طبعاً أنكروا أنه موجود. كلمني أحد مساعديه. قلت له كل ما خطر على بالي. قالت له إن دم هذا الرجل معلّق في رقبتكم.

سألتها متغابياً: ولكن ما دخل الرئيس ريجان بمقتل محمود طه؟

لا تكن غبياً. هل تظن أنهم ما كانوا يستطيعون إنقاذه لو أرادوا؟ هل يستطيع نميري أن يرفض لهم طلباً؟ أليسوا هم الذين جاءوا به وهم الذين يساعدونه على البقاء في الحكم؟.

وماذا قال لك مساعد الرئيس؟

وماذا يمكن أن يقول لي أحد هؤلاء الشبان التافهين الذين يسمونهم تجاوزاً مساعدي رئيس؟ كل عملهم أنهم يحملون حقائبه ويتراكضون حوله. لم يظهر عليه أنه فهم ما أقول وأظنه لا يعلم أين السودان ومن هو نميري أو محمود محمد طه. أخذ اسمي وعنواني وتلفوني ووعد بأن ينقل احتجاجي للرئيس. بعد أن انتهت المكالمة طلبتك فوراً.

قلت لها متضاحكاً مرة أخرى: إنه لشرف عظيم لي أن تضعيني في كفة مع رئيس أكبر دولة في العالم. أنا الموظف الغلبان في منظمة اليونسكو.

تحول سخطها من الرئيس الأمريكي إلى اليونسكو، فهي تكره المؤسسات البيروقراطية من حيث هي. فقد استقالت من هيئة الإذاعة البريطانية وتعاونت فترة قصيرة مع منظمة اليونسكو ثم رفضت التعامل معها:
قالت " متى تستقيل من هذه المنظمة الجوفاء وتتفرغ لما هو أهم؟
وما هو الأهم؟
ألا تعرف إلى الآن ما هو الأهم؟

بلى، أنا أعرف ما هو الأهم في نظر " باربرا براي" وفي نظري أنا أيضاً. ولكن من يطعم الزوجة والعيال، ويدفع أقساط المدارس والجامعات؟ كل هذه الأشياء الصغيرة أم الكبيرة، التي تكبل الإنسان بقيود يشتد وثاقها يوماً بعد يوم، وتجعله يصمت حين يجب عليه أن يصرخ، ويذعن حين يتحتم عليه أن يرفض. " باربرا براي" لا تأبه لذلك. لقد استقالت من هيئة الإذاعة البريطانية منذ ثلاثين عاماً وهي في قمة النجاح، وليس عندها مصدر دخل. غامرت وحملت طفلتيها وجاءت إلى باريس. استأجرت شقة صغيرة ماتزال تعيش فيها إلى اليوم. رفضت بتاتاً أن تشتري بيتاً أو شقة بالأقساط كما يفعل كل الناس. و حاولنا إقناعها ولكنها قالت إنها لا تحب أن تمتلك أي شئ، وتحب أن تفارق الدنيا وليس وراءها شئ. أخذت تعيش من كتاباتها في النقد للصحف الفرنسية والإنجليزية، فهي ناقدة متمكنة لها نفوذ وصيت، وتترجم الفرنسية إلى الإنجليزية، وكثيرون يعتبرونها أحسن مترجم في هذا المجال. وقد ترجمت جميع روايات الكاتبة الفرنسية الشهيرة "مارجريت دورا" لا حباً في المال ولكن لأن الكاتبة صديقتها. وحين يضيق لها الحال، تكتب " سيناريوهات" للسينما، فهي تحتقر السينما، ولا تعتبرها شكلاً فنياً محترماً. وكان بوسعها أن تجمع مالاً وفيراً من كل هذا الجهد، ولكنها لا تحسن تدبير المال ولا تأبه له، وتقع دائماً فريسة لطمع الناشرين وخداعهم.
دائماً تجعلني أحس بالخجل من نفسي، هذه السيدة العجيبة. لا تنتمي لحزب، وليس عندها أي مطمح، وتعطي الحياة أكثر ما تأخذ منها. كأنها تحمل على عاتقها هموم الإنسانية بأسرها، إذا وقع زلزال في الجزائر أو فيضان في السودان أو مجاعة في إثيوبيا، يعصر الألم قلبها، كأنها مسؤولة شخصياً عما حدث. ولا تكتفي بذلك بل تجمع التوقيعات وترسل الاحتجاجات.
تؤيد كفاح الشعب الفلسطيني وتكره النظام العنصري في جنوب أفريقيا، وتمقت التسلط والقهر حيثما يكون.
وأنا لا أشك أنها تحس مأساة جنوب السودان أكثر مما يحسها جون قرنق وبقية هؤلاء الزعماء النجباء، الاذكياء الأغبياء. " باربرا براي" تؤمن كما جاء في القرآن الكريم أن من قتل نفساً واحدة بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، وهؤلاء عندهم أن يموت مليون، لا شيء، في سبيل ان يصبح الواحد منهم زعيماً.

في تلك الليلة شعرت بخجل عميق. قلت لها وأنا أعلم أن كلامي أعرج وحجتي جوفاء:
أنت تعلمين أننا حينما ندخل اليونسكو كما في المنظمات الدولية، نقسم يميناً أن نكون محايدين ولا نتدخل في شؤون الدول الأعضاء في المنظمة".

(قالت باربرا): كلام فارغ.

أطارت النوم من عيني وقضيت الليل مسهداً أضرب أخماساً في أسداس.. وذلك أضعف الإيمان.

كتاب (وطني السودان 7)

Voir la traduction

بواسطة : admin
 0  0  638