• ×

11:31 صباحًا , الأربعاء 17 يناير 2018

قائمة

الصحافة السودانية (شمعة في مهب الريح)!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عبدالله مكاوي
الصحافة السودانية (شمعة في مهب الريح)!!
بسم الله الرحمن الرحيم
الصحافة السودانية (شمعة في مهب الريح)!!
معاناة الصحافة في الداخل، جزء من معاناة شاملة، يرزح تحت نيرها المواطن، الذي جُرد من كل حقوقه الاساسية تقريبا، ليتردي الي محض كائن هامل او مستباح بالكامل. ولكن ما يضفي علي معاناة الصحافة طابع تراجيدي، انها في حالة تماس مباشر مع هامش الحريات، الخاضع بدوره لمزاج الطاغية وتقديرات زبانيته الاشداء، الذين لا تكتمل وظيفتهم وتتعظم مكاسبهم، إلا بحجم التعدي والانتهاك الذي يطال الصحافة بصورة خاصة والنشطاء بصفة عامة. اي هم كادوات او وسطاء يبعيون جهدهم وكرامتهم للاقوياء، ولكن من موقع ضعف (اهانة/ارتزاق)! يظهر كم انحطاطه، بما ينزلونه من فتك واحتقار للضحايا العزل الابرياء، وبالطبع دون مخافة العواقب، اي بوصفهم القاضي والجلاد. والحال كذلك، يصبح الضحايا (المجتمع وانشطته بما فيها الصحافة بالطبع) هم هدف ووسيلة في ذات الوقت، اي هم ما يوفر بيئة العمل ومادته (الاستثمار في الارتزاق) ولكن من موقع مصادرة كافة الحقوق! والنتيجة، انتاج مجتمع مدجن وفضاء مستباح، يشغله من تجرد من قيم المجتمع، لصالح سلطة متضخمة، يتحكم فيها طاغية ارعن، يزداد نزقه ويتكشف هوسه، عبر طريقة تحكمه واستماتته للحيلولة دون مغادرة السلطة.
والحال هذه، يصبح مجرد التواجد، في ظل هكذا اوضاع تعسفية، تعكس حقيقة السلطة الاعتباطية، هو مجازفة غير مامونة العواقب، ناهيك عن الاستثمار فيها، سواء بنية التوعية (صحافة رسالية) او كسب المال (مشاريع اقتصادية) او حتي تكوين اسرة (الزواج) او غيرها من الاهداف والاهتمامات! اي في ظل اوضاع غير سوية (استبدادية) لا تنمو وتزدهر إلا الممارسات غير السوية! وهو ما جعل الفساد هو السائد في بيئة الداخل، ليس كظاهرة، وانما كنمط حياة، يتحكم في كل العلاقات والتعاملات والانشطة ذات الصلة بالدولة. اي دولة الاستبداد في محصلتها، هي دولة انتاج ورعاية الفساد، وليس سر ان الاخير هو حالق القيم، ومستنقع التحلل لروابط المجتمع ومؤسسات الدولة! وهذا كافٍ بدوره لجعل التخلص من الاستبداد ومتعلقاته، واستبداله بالديمقراطية ومتطلباتها، فرض عين علي الجميع.
كل ما سبق يسوغ القول، ان العاملين والناشرين للصحافة السوداية المستقلة، هم مناضلون بكل ما تعنية الكلمة من معني. فهم إذ يؤدون رسالتهم، وسط كل هذه الترسانة من القوانين المقيدة للحريات، وسيف العقوبات المسلط علي اقلامهم من كل الجهات، وفي بيئة معادية للصحافة ومفتوحة علي الانتهاكات، وليس لهم دافع سوي رغبتهم النبيلة في نشر المعرفة، واحقية القضايا التي يدافعون عنها، وبكل ما يحمله هذا الدفاع من مخاطر علي ارواحهم واجسادهم ومواردهم (اكل عيشهم). فلعمري هذا ليس نضال فقط، ولكن هذا ما يكسب النضال ذاته، معناه وجدواه واحترامه. فمن يتصور ان تقوم صحافة اصلا، في ظل هكذا هامش كتب عليه ان يضيق باستمرار، الي درجة سلبه مبررات وامكانات وجود صحافة، لولا صلابة وعناد هؤلاء الابطال؟ وهل يتوقع بحال من الاحوال، ان تزدهر صحافة مكبلة بالكبت والمنع، والرقابة القبلية والبعدية والذاتية؟ وكأن الاصل في اصدار الصحيفة، هو الحجب والحذف والمنع؟! وهل يعقل ان ترهن صحيفة وجودها وجهودها وامكاناتها، لمنطق رقيب امني لا صلة له بالصحافة من قريب او بعيد؟ وليس هنالك ولو قانون جائر ينظم عمله؟ وكان القانون الحاكم، لعمل واصدار وتحرير الصحف، هو نوع من ضرب الرمل او رمي الودع، لا يعلم سره او سحره، إلا الكهنة والدجالون، الذين يملكون سلطة تفسير كل شئ بكل شئ، إلا ما يستجيب للمعقولية والاعراف القائمة؟ وكل ذلك يحدث مع العلم، ان هنالك اجهزة قضائية وعدلية ودستورية، في الدولة المزعومة، يفترض ان تضطلع بقضية التجاوزات ان وجدت؟ ولو انها في الحقيقة والواقع لا تعد بشئ، وتاليا لا يعول عليها، ليس لضمور حساسيتها العدلية فقط، ولكن في الاساس بسبب الاختراق الذي حرف وظيفتها وسلب مضمونها، واحالها الي مجرد آلية من آليات حماية النظام والتستر علي القطط السمان؟ بل وصل بها الحال، ان ترفد خزائنها من اموال المتقاضين، وكأنه الاساس في المسالة؟ ويا لها من ثقافة جبائية تبز في شراهتها ما كنا درسناه عن فظائع الحكم التركي الظالم (وقد يكون هذا احد اسباب حذف منهج التاريخ السابق)؟ بل لا نتعدي الحقيقة اذا ادعينا ان سياسة الجباية وربيبتها بدعة التجنيب، كانت مدخل الثراء لكثير من المنظمات والمؤسسات والافراد، قبل ان تعكس انفراط عقد الدولة، واقتسامها بين امراء نهب المال العام؟!
المهم، السؤال الذي يفرض نفسه، لماذا يسمح للصحيفة بالصدور، ثم بعد ذلك تتم مصادراتها؟ وما يسببه ذلك من خسائر مادية ومعنوية لا حصر لها! الشئ الذي يجعل الاستثمار في هذا المجال هو الجنون بعينه. وكأن الراسمالية الطفيلية لم يكفها اخراج الراسمالية الوطنية من كافة مجالات الاستثمار، وجهاز الامن الذي يفرق بين المرء و وطنه، عزَّ عليهما قطاع الصحافة، ان ينشَّز من بيت الطاعة، كجزء من دوره، ان لم يكن هذا اساس دوره. وهذا اذا تغاضينا عن العراقيل التي توضع امام اصدار الصحف المستقلة، في دولة ترفع شعار حرية السوق؟! والحال كذلك، المؤكد ان الصحافة لولا انها مهنة لكثيرين لا يعرفون غيرها، او مشروع مغامرة لناشرين مجازفين. لتُركت علي عروشها خاوية، ليتسلقها بارتياح او يسرح في فراغها، نموذج الطيب مصطفي والهندي عزالدين وغيرهم من صحفيي وناشري زمن الغفلة! الذين اختطوا نهج صحافة الهرج والنبذ واثارة الفتن والتحريض علي شركاء اصيلون في الوطن؟ اي صحافة الطعن في الصحافة كقيمة ووظيفة، استجابة لقانون الصحافة الرديئة الطاردة للصحافة المسؤولة! وكلنا تنذكر كيف تم اصدار حكم الاعدام، علي صحيفة رصينة كاجراس الحرية، تضم بين جنباتها كوكبة نابهة وراقية، من الصحفيين المشبعين بروح الوطنية وعبق الحداثة. وعموما، توافر هذه النماذج وسطوع نجمها، في عالم النشر والادارة والتحرير الصحفي، اكبر دليل علي حجم المعاناة والمهانة والاختراق بالدخلاء؟ اي علي اعتبار وجودهم يمثل حرب علي الصحافة من الداخل بنفس ادواتها ولغتها؟! والمؤكد ان ما سبق جزء من حرب شاملة علي الصحافة المسؤولة، وباساليب مختلفة، سواء بالقوانين المعيبة او الحرمان من الاعلان، او فرض الضرائب والجبايات الباهظة، ولكن الضربة القاصمة تلقتها من قناة عوالم الراسمالية الطفيلية المشبوهة، التي تسعي للتكسب من ناحية، والتسطيح والتزييف من ناحية، والتبرير الساذج والمغالطات من ناحية اخري! ونماذج هذه الطحالب الاخيرة علي قفا من يشيل في عصر الانقاذ الدامس. والحال كذلك، ليس بمستغرب، ان تزيح سياسات التحرير وطريقة المعالجة للقضايا والاولويات، هموم المواطن المعيشية والخدمية وقضايا الفساد والاستبداد، الي الهامش! وهذا عندما لا تضع السلطات الخطوط الحمراء، علي تناول المسؤولين والمنظمات والمؤسسات والاجهزة، الضالعة في الفساد حتي اذنيها! بدلالة عدم التجرؤ او حتي التلميح، بطرح سؤال من اين لك هذا، علي جيوش الغزاة الراسمالية الجدد، ناهيك عن الاقتراب من امبراطورية حوش بانقا؟! بل حتي مجرد التصدي لاحداث طارئة، تشكل صلب اهتماماتها ومبرر وظيفتها، قبل ان تمس عصب الدولة واحوال المواطن، كتصريحات البشير في موسكو او الصراع علي السلطة او ارسال جنود لليمن، او توجيه نقد للقوات النظامية او غير النظامية، رغم تجاوزاتها وانتهاكاتها الصارخة، هي من المحرمات! مع العلم ان الصحافة ليست مبادرة بهذه الافعال والممارسات، اي ليست مسؤولة عنها، ولكنها تتعامل برد الفعل او رجع الصدي؟ فإذا كانت تلك المسالك خاطئة او مخجلة، لماذا القيام بها من الاصل، ناهيك عن الاعتراف بالاخطاء والاعتذار وقبول مبدأ المحاسبة، كلازمة للسلطة المسؤولة؟ والحال كذلك، ما هو الفارق بين الحكومة والعصابات الاجرامية، إذا كان التستر والعمل في الخفاء هو العامل المشترك؟ وما قيمة المسؤولية اذا كان كل مسؤول يتصرف علي هواه؟ وإذا اغمضت الصحافة عينيها واصمت اذنيها وبلعت لسانها، عن كل هذه الممارسات والاحداث، الا تصبح (كالحسانية/في المثل) او تتمة جرتق ملحق بحاشية السلطان؟ وهذا بدوره يشكل مبرر لانصراف الجمهور عنها وعن متابعتها، ان لم يحتقرها ويشكك في جدواها! ولكن المفارقة المحزنة، اذا جازفت وقامت بهذا الواجب، تجد سيف الايقاف يلاحقها، وشبح الدين والخروج من السوق يتربص بها، والسجون والمعتقلات تفتح اذرعها للترحيب بالصحفيين ورؤساء التحرير؟ اي كأن صحافة الداخل تعمل بين نارين، اما قول الحقيقة وتحليل الاوضاع بموضوعية، وتاليا تحمل خسائر لا قبل لها بها، واما فقدان المصداقية والخوض في الفارغة مع الخائضين، وفي الحالين هي ضائعة! ويا لها من مهمة شاقة و صعبة لا يتحملها إلا اولو العزم من الصحفيين والناشرين! ومن باب المسؤولية الجماعية والمشاركة التضامنية، يجب ان يكون هنالك دور للجمهور والنشطاء، بالمساهمة في التعويض المادي للخسائر (مضاعفة السعر مثلا لفترة محددة)، والوقوف بجانبها في الملمات، حتي لا يستفرد بها النظام، ويجعل مجرد وجودها اثر بعد عين. وذلك بالطبع، حتي يتم انجاز الهدف المامول، وهو التخلص النهائي من المرض المزمن او كارثة الانقاذ، المسبب لكل هذه المصائب والآفات.
ومن عقبات الصحافة المستقلة ايضا، خضوعها لقانون العرض والطلب، والمنافسة مع صحافة دولة وافراد موالين، تجد الدعم غير المحدود! اي عليها ان تضع في اعتبارها قوانين السوق، وهي غالبا ما تتعارض مع مضمون رسالتها التنويرية، خصوصا في ظل تردٍ شامل يطال احوال المستهلكين المادية والمعرفية والمزاجية! اي كأن عليها ان تعمل ضد التيار، مما يعني مضاعفة جهدها وزيادة مخاطرها. بمعني، بقدر ما الاحوال المتردية تؤثر علي اداءها ورسالتها، بقدر هي مطالبة بالمساهمة في تغيير هذه الاوضاع، ومن هنا كان مدخل النضال الذي ذكرناه سابقا، والذي يبدو ان اشعاعه وسموه، يفرض التضحيات الجسام.
هل قلنا شيئا عن القيود المهولة، المعيقة الوصول للمعلومة، وصعوبة الاستقصاء عن اي قضية، في دولة معتمة تبغض الشفافية، وينظر حكامها شزرا للصحفيين، ويتحسسون حصاناتهم ضد اي محاولة اختراق، لحجب اقوالهم وافعالهم ومراكمتهم للمال والسلطات والاسرار، وكاننا امام سلطة الباطن او قدس الاقداس او لغز الالغاز، وإلا بالله كيف نفسر ظاهرة كالفريق طه او حميدتي او قوش او ود المامون او شيخ الامين او جمال الوالي..الخ، ولكن المؤكد ان منظومة يصنعها شيخ ماكر ومكيافيللي كالترابي، ويديرها عسكري عاطل ومتهور كالبشير، يمكن ان نتوقع منها كل شئ، إلا ما يمت للوطنية والقيمية منها بصلة؟! واذا اضفنا الي ذلك، ضعف المرتبات ونقص التدريب وشح الدورات الخارجية والاحتكاك بمؤسسات صحفية كبري، واحتمال وجود غيرها من المنقصات التي يعلمها العاملون داخل الوسط الصحفي، اتضح تماما اننا امام وصفة جاهزة للمهنة الطاردة! وهو ما يعني بدوره، ان التعامل مع كل هذه العقبات والمطبات، هو تحدٍ في حد ذاته، يواجه هؤلاء العاملين القابضين علي جمر المهنة، حتي لا تذروها الرياح، او يخلو الجو للصحفيين العاطلين او المرتزقة، الذين يسودون صحف النظام، وصحائف تاريخهم و تاريخ المهنة.
ومن المعلوم كذلك، ان الاعلام واحد من دعائم النظم الشمولية الاكثر تاثيرا، والحال، ان هذا ما يستدعي الصرف البذخي علي كل اجهزة النظام واذرعه الاعلامية، الصريحة منها والمستترة، وشن الحرب الظاهرة منها والخفية، علي كل اجهزة الاعلام المعارضة، والتي تعاني الامرين لمجرد التواجد في المشهد. بل تظهر في النظم العدمية كنظام البشير، وكأن هنالك طبقتان من الاعلاميين، طبقة مرفهة من كل النواحي، يمثلها اعوان النظام والطامعون في عطاياه (المعطونة في الفساد)، وطبقة مدقعة ومستهدفة من الاعلاميين المعارضين، يكابدون طوال يومهم من اجل جنيهات يقمن اود حاجاتهم.
واذا اضفنا الي ما سبق، ان المواعين والحوامل الثقافية، التي ترفد الصحافة بالمواد الجيدة، هي نفسها تعاني التجفيف والتهجير، لصالح الدُعاة والسلفية والصخب الغنائي والفني والركاكة الثقافية والذوقية (اذا جاز التعبير)! او اقلاه تجيير وتدجين العناصر الهشة، لخدمة السلطة ومشاريعها الفاشلة وممارساتها التعسفية؟ علمنا عندها، ان الصحافة تكاد تكون محاصرة من كل الجبهات.
ولكن رغم كل هذه الاوضاع البئيسة التي تعانيها الصحافة، شانها شان الانشطة الاجتماعية والمدنية والسياسية المصادرة بالكامل! إلا ان هذه الاوضاع المجحفة نفسها، هي ما يولِّد في الصحافة والصحفيين والمنظمات المدافعة عنها وعن حقوق الانسان، التحدي لمقاومة هذه العقبات، والسعي لابدالها باوضاع اكثر حرية وحفظ لحقوق الانسان. وهذا دأب عايشناه في السودان وفي غيره، وكان النصر حليفه في نهاية المطاف. ولحسن الحظ ايضا، ان هنالك فتح اعلامي الكتروني، ظاهره المنافسة للصحافة الورقية، ولكن جوهره اتاحة مساحة واسعة لحرية التعبير والتواصل بين الاعلاميين في الداخل والخارج، بغرض العمل سويا علي مشروع التغيير والتحديث والنهوض بالدولة السودانية، بوسائل سلمية ولغة حوارية حضارية. كما ان تلك الوسائل اتاحت الفرصة للصحافة الورقية في الداخل، الاستفادة من ثمار منتجات القامات الثقافية والفكرية والصحفية المقيمة في الخارج، خصوصا وان تلك الاقامة والاحتكاك بالآخر المغاير، اكسبها خبرات انسانية وحضارية واستزادة معرفية، وهو ما لا يتوافر بسهولة لابناء الداخل، ليس لنقص في قدراتهم او استعداهم، معاذ الله، ولكن بفعل نظام معادٍ للمعرفة والانسانية والحضارة، قبل ان يعامل الآخر كعدو وثقافته كرجس من عمل الشيطان.
آخر الكلام
اهمية الحرية، ليس في كونها تساعد علي سلامة وحيوية البيئة الصحفية، وغيرها من المجالات والانشطة الاجتماعية، ولكن الاهم، انها تعيد اكتشاف الذات، ومن ثم الخروج منها بقدرات وطاقات خرافية، لم تكن اصلا في وارد المعرفة ناهيك عن الخروج. ودمتم في رعاية الله.
عبدالله مكاوي

بواسطة : admin
 0  0  746