• ×

08:17 مساءً , الأربعاء 21 فبراير 2018

قائمة

الدولة السودانية علي مفترق طرق!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة السودانية علي مفترق طرق!!
عبدالله مكاوي
بعد دخول الاقتصاد السوداني مرحلة العناية المكثفة، يبدو ان الدولة تنزلق نحو المنحدر الخطير، الذي لطالما حذر منه الحادبون علي مصلحتها. وهم في تحذيراتهم تلك، لم يكونوا ينطلقون من محض كره، لسلطة حاكمة بطريقة غير شرعية، او من مجرد نظرة تشاؤمية تمتح من قراءة كفية. ولكنهم ببساطة ارتكزوا علي مقدمات تنبئ جميعها بنوع الخاتمة، بل وسوء المصير. من عينتها، فساد شامل يطال كل اجهزة الدولة ومؤسساتها وقادتها، تعطيل مشاريع الانتاج، وصولا للتخلص منها بالبيع لانفسهم! اضافة للحروب الداخلية المتواصلة، وترهل المؤسسات السلطوية، والتوسع في الاجهزة الامنية والعسكرية والقوات غير النظامية، والاغداق عليها بالعطايا والامتيازات الخرافية! وكذلك شيوع ممارسات السمسرة والمضاربات وغسيل الاموال وطباعة العملة دون تغطية، كانشطة اقتصادية طبيعية! وظهور بدعة الشركات الحكومية والاعفاءات الضريبية والجمركية، للمحاسيب والجوكية (في لباس المستثمرين الكذبة!). بل وصل الحال، للتجارة في المخدرات ودفن النفايات وتصدير المرتزقة، ورهن اصول الدولة للدائنين في صفاقة مريبة؟! وبكلمة واحدة، تم غنم الدولة ومواردها، لصالح حماية النظام وترف منسوبيه. اما الآن وقد جف الضرع واستنزفت اهم مصادر الدخل الريعي، فما كان إلا اللجوء للحائط القصير (المواطن المعدم) ليتحمل عبء الاخطاء وكلفة الخطايا والسفه السالف ذكره. وان لم يكفِ ما يدفعه للحكومة من دم قلبه وهم غلبه، فاقلاه لا يطالبها بشئ البتة، لا اكله لا شربه لا علاجه لا تعليمه ولا امنه! اي ان يتدبر امره باللاشئ، علي ان لا يسبب ازعاج للحكومة بالمطالب والاحتجاجات، لانها مشغولة بقضايا كبري استدعت دموع المشير الغالية؟!
وبالعودة قليلا للوراء، نجد ان الدولة السودانية ومنذ ميلادها وهي تعاني التشوهات، والسبب ان مهمة تاسيس الدولة الوطنية المستقلة الحديثة، كانت اكبر من امكانات النخبة المتوافرة في تلك الفترة، او النخبة (الآباء المؤسسون) اقل قدرات من الاضطلاع بهكذا مسؤوليات، تستدعي الوعي والتجرد والصلابة والافق الواسع، اي القدرة علي بناء التوافقات والتسويات الملازمة للبدايات، وتاليا فصل الاستراتيجي (بناء دولة حديثة) عن التكتيكي (الصراع علي السلطة). وليس مصادفة ان الاخير كان مدار كل الانشطة والاهتمامات بصورة حصرية، ومن ثمَّ تم اهدر كل الطاقات في الصراع العبثي عليه، والنتيجة تعطيل الهدف الاول (الاستراتيجي) علما بانه الاساس. المهم، وجود قصور بهذا الحجم، في التعامل مع هكذا مهمة مصيرية، سمح بدخول واحد من اخطر اللاعبين الانتهازيين واكثرهم فسادا (المسخ المسمي الشيخ الترابي!)، وتاليا تغلغل السرطان السياسي (الاسلاموية) في جسد الدولة الوليدة. ومن لحظتها بدأت معاناة الدولة، ليس علي مستوي تدبير شأنها السياسي الذي اكتنفه الاضطراب، ولكن علي مستوي بقاءها نفسه. والمصيبة ان التزامن مع هذا الخلل البنيوي بل والتدخل في تجذيره، ترافق مع ما يمكن نسبته لمتلازمة الانقلابات التي ابتليت بها الدول النامية! اي مؤسسة تمتلك القوة العسكرية وتفتقد للحكمة السياسية! ولذا كانت نهب لاطماع القادة الطامحين، او التيارات السياسية في صراعها الصفري علي السلطة. بمعني، بقدر ما قلة النضج السياسي للاحزاب السياسية، دفع تلك المؤسسة للتورط في الشان السياسي، بقدر ما تسبب ذلك المسلك الارعن، في قصور الاحزاب السياسية، بعد ان حرمها بيئة التطور الطبيعية (الديمقراطية).
وما زاد الطين بلة، سيطرة التوجهات الطائفية، علي حساب النزعة الحداثية، في الاحزاب التقليدية، من ناحية! ونزوع الاحزاب العقائدية لفرض تصوراتها بطريقة قهرية، او عبر حرق المراحل، من ناحية مقابلة! وهذا بدوره مهد التربة، لاستدعاء المؤسسة العسكرية لحسم الصراعات عند كل منعرج. وعليه، لا يمكن استرداد جدلية التطور، او الخبرة التراكمية للممارسة الديمقراطية، إلا بكسر هذه الحلقة العبثية. وهو ما يستلزم اخراج المؤسسة العسكرية من الشان السياسي مرة واحدة وللابد، سواء بتغيير عقيدتها جذريا، وتاليا تحديد وظيفتها دستوريا، او بتفكيكها والتخلص منها، اذا ما استحال اصلاحها! ومن ثم التفكير في بديل ينوب عنها. خاصة، وان الخبرة التاريخية علمتنا ان صراعها كله موجه ضد ابناء وطنها وليس الخارج، وكأنها قوة احتلال داخلية! اي لها قابلية الاستغلال بواسطة السلطة الحاكمة او بعض التكوينات السياسية، وبما يخدم مصالحهما حصريا، والتي قطعا تتعارض مع المصلحة العامة. بمعني آخر، تحجيمها يقطع الطريق علي استغلالها وتوريطها في الشان السياسي.
وبالرجوع مرة اخري للترابي ووصفه بالفاسد، بل والاشد فساد علي مستوي التاريخ الانساني وليس السوداني فقط! مع العلم ان ذلك الوصف لا ينبع من كره للترابي (وهو مستحق له، وإلا كيف يمكن تصريف الكره؟) ولكن من واقع ما قام به من احتيال، او الدور الخبيث الذي لعبه في الحياة السياسية السودانية منذ دخوله (الساحق والماحق) عليها. وفي البداية يجب التاكيد علي حقيقة، ان الترابي قد يكون من اكثر القادة ذكاء وقدرات تنظيمية علي مستوي القارة الافريقية، وتاليا استفاد من الفرص المتاحة، او وظف ما هو موجود بمهارة عالية جدا. وقد يكون هذا السبب عينه، الذي جعل مستوي الخراب والفساد الذي خلفه وراءه، غير مسبوق بالمرة.
ولتوضيح الصورة، الترابي ولعلمه بذكاءه وقدراته ومواهبه، وبمن يحيطون به في الحياة السياسية، او وسط النخبة المتعلمة والمتطلعة للسيطرة علي الدولة، وايضا بقراءته الفاحصة لطبيعة الواقع (الدولة) التي يسعي للسيطرة عليها باي وسيلة وكيفية، وبالطبع غض النظر عن آثار ذلك علي الدولة او المجتمع (اي كاي انتهازي مجرد من القيم، غايته الوحيدة ارضاء رغباته المريضة واحيانا تطلعاته المجنونة، علي اعتبار الحياة ومن فيها خلقت له وحده؟). كل ذلك هداه لتبني مشروع الدولة الدينية، والذي كان مطروح، ولكنه منزوٍ علي هامش الحياة السياسية ذات الطبيعة الليبرالية (بمستوي ذلك الزمان). بمعني، عندما تبني الترابي مشروع الدولة الدينية، لم يكن ذلك عن قناعة بنجاعة هكذا مشروع، او ما يقدمه للوطن والمواطنين او الدين ذاته! ولكن لان ذلك المشروع يتناسب:
اولا، مع الحجم الضئيل لفئته، كاعداد وتاثير! وتاليا يحتاج لرافعة تمنحه طاقة دفع وهالة جذب، وبالطبع ليس هنالك افضل من العاطفة الدينية الخام، يمكن ان تقوم بهذا الدور خير قيام.
ثانيا، مع المزايدة علي القوي الطائفية، ذات الاعداد الكبيرة والتاثيرات الحاسمة، في الحياة السياسية. خاصة وان طرحها الديني في غاية السطحية، وتاليا يصعب تسويقه وسط النخبة المتعلمة، كقوي متزايدة ومتطلعة للمشاركة في الحياة السياسية.
ثالثا، مع رد الفعل تجاه قوي اليسار الصاعد، والمسيطر علي دوائر النخبة المتعلمة و اوساط النقابيين والمبدعين، اي ضد التيار الذي يقود الوعي والاستنارة في ظروف جد ممانعة. ومعلوم سلفا ان الاستنارة، تشكل اكبر عائق امام المشاريع الظلامية وعلي راسها الدولة الدينية، او هي لم تصبح كذلك إلا لفضحها خواء وعدمية وكارثية تلك المشاريع.
ورابعا، لان المشروع نفسه، لا يستند علي اي دعائم حقيقية او مرجعية موضوعية (يُمسك منها) او برامج تفصيلية تعكس الالمام والجدية! اي مجرد جمل انشائية تحيل علي عموميات غير منضبطة، كل يفسرها علي هواه او حسب مصلحته. ومعلوم ان هلامية المشروع ليس مسالة عفوية، ولكنها مقصودة لذاتها! وذلك لتمرير كل المطالب والرغبات، والنكوص عن كل الالتزامات عند المحكات! اي دوران المبادئ مع المصالح في كل زمان ومكان؟ وعليه، ليس بمستغرب ان تتميز تلك الهلامية بقبول الشئ ونقيضه في الآن ذاته، وكل ما هو مطلوب (عدتها للشغل) هي التلاعب بالالفاظ والشعارات، من اجل التلفيق والتبرير، لمجاراة الواقع والمستجدات! وبما ان المرجعية سماوية، فهذا بدوره حاسم لردع اي نقاش او اعتراض! وفي هذا دلالة كافية علي حجم الاستبداد والغرور والعناد، الذي يميز شخصية الترابي! لدرجة اصبح الترابي هو البديل او المعادل الموضوعي للمشروع باكمله! وباختصار ليس هنالك مرجعية اعلي من الترابي، ولا حتي الله او الرسول (مصدر الشعارات والتشريعات كما يدعو). اي إذا كانت الاسلاموية متعالية علي العلمانية او الدنيوية ومزدرية لها، فانها في طور اكتمالها او نضوجها انتجت الترابوية، والتي لسخرية الاقدار اصبحت متعالية علي الإسلاموية ذاتها، بذات القدر والازدراء! اي اللحظة التي يفترض ان تحصد فيها خلاصة جهدها او تحتفل باكتمال معمارها، هي ذات اللحظة التي تعلن فيها بداية النهاية! وكأن مشاريع الغرور الهلامية، التي لا تتميز وتعرف نفسها إلا بالآخر المختلف، عندما لا تجد ما تستبد به، تستبد بنفسها او تتآكل ذاتيا.
خامسا، هذا المشروع مكن الترابي من اختيار عناصر (نخب متعلمة ومتطلعة لاحتكار الامتيازات) لها قابلية التجاوب مع الشعارات، التي ترفع عنها الحرج او تبرر لها، ليس انتهاك الاعراف المرعية فقط، ولكن الاغرب تجاوز كل الخطوط الحمراء بما فيها الدينية التي يطرحونها! وبما هي كذلك، فمؤكد انها تلعب دور الخاتم في اصبع الترابي، يحركها انيَّ شاء و في كل اتجاه، خاصة وان لدي الجميع متسع في فقه الضرورة والتقية والسترة وهلم جرا! ولكن هذا لا يمنع ان هنالك عناصر ساذجة، كان دافع انتماءها الحماس الديني، واغلب هذه الشريحة لبت نداء (الجهاد؟!)، والاصح الرغبة العارمة في معانقة الحور العين، وليس مصادفة ان يتم ذلك علي يد المأذون (الماكر/الهازل) الترابي، وبصورة ادق نسخته قبل المفاصلة؟!
سادسا، الاستفادة من غفلة القوي السياسية، بعدم تنبهها لخطورة ذلك المشروع وتداعياته الكارثية علي حاضر ومستقبل الدولة منذ تلك الفترة. مع العلم ان ذلك المشروع يستهدف ضمن ما يستهدف، تصفية تلك القوي نفسها! وما يدعو للدهشة و(الاصح الحسرة) حقا، انه وبعد كل هذه المسيرة الثعلبية المكللة بالدمار المادي والتفسخ القيمي والابادة السياسية! هنالك من قبل التحالف مع الترابي وحزبه في الفترة الاخيرة، بل وهنالك من تنطع للدفاع عنه امام السلطة الانقلابية الاجرامية، التي اسهم في انتاجها بنصيب الاسد، وكذلك البعض تلبسته (والاصح التبست عليه) روح سيدنا المسيح وهو يدعو له بالرحمة؟! لانه اذا كان هنالك فائض جهد وزمن ومال وحس عدالة ورحمة حقيقي، فالاولي به ضحايا الترابي واسرهم المنكوبة؟ وكنموذج بسيط، لواحدة من تلك المآسي التي لا حصر لها ايام سطوته، النص الاليم الذي كتبه استاذنا الكبير بكري الصائغ، عن وقائع اغتيال الشهيد مجدي محجوب. والاهم، ان الترابي مارس كل تلك التجاوزات والانتهاكات بمحض ارادته وكامل وعيه، وتاليا ابسط موجبات الانصاف، ان يتحمل مسؤولية اعماله ومترتبات انحرافاته، وبالطبع ليس من ضمنها التسامح او الغفران. خاصة انه اصر علي المكابرة، حتي رحيله غير الماسوف عليه.
والمحصلة، وصول المشروع الي طريق مسدود، لانه في حقيقته ليس مشروع اصلا، ولكنه مجرد شعارات وآليات تسمح بالتلاعب، وتتقصد السيطرة علي السلطة واستغلالها، وتاليا استباحة البلاد وكرامة العباد. والحالة هذه، هو مشروع تسلط عدمي، ولذا ليس مصادفة ان يتوسل الانقلاب كطريقة وصول الي السلطة! ومن ثمَّ ممارسة السلطة بطريقة عنفية، لا تتمظهر في طغيان العسكرة علي كل فضاء الدولة، ولكن ايضا في الالفاظ السوقية والعبارات التهديدية، اي اللغة السياسية الهابطة، التي يتعاطاها ويطلقها الانقاذيون، عند تعاملهم مع الخصوم والاجهزة الاعلامية. وهو ما يؤكد ان العنف مكون اصيل في تكوين هذه المنظومة، قبل ان يثبت حقيقة ادخالها العنف المادي واللفظي الي الساحة السياسية. (بالله عليكم ماذا نسمي كائنات كالبشير وقوش وطه عثمان وحسبو والحاج آدم ونافع والطيب مصطفي واسحاق فضل الله وكمال عمر ومأمون حميدة والقائمة تطول! يا لها من اهانة لا تحتمل علي مستوي السياسة والمنصب العام وقبلها جميعا الدولة السودانية، عندما يتسلط عليها هؤلاء الفاقدون للحس الوطني والحساسية القيمية والتحضرية، او من يشكلون مرحلة ما بعد اللصوصية وقبل الهمجية؟!).
المهم، ما يهمنا من هذا السرد، هو الوصول لحقيقية واحدة، ان هذا المشروع الانقاذي، والذي هو خليط من الاسلاموية والعسكرية والانتهازية من كل شكل ولون! غير قابل للاصلاح، لانه لا ينفتح إلا علي الاستبداد والفساد واقصاء الشركاء في الوطن! علي العكس من الاحزاب السياسية والحركات الاخري، والتي رغم اخطاءها وعيوبها، إلا انها قابلة للاصلاح والتطور، اقلاه لانها تمتلك المشروع والمشروعية ولو في حدها الادني، ولكن ذلك يشترط توافر الظروف الديمقراطية، التي تسمح لها بالمنافسة العادلة والصراع السلمي علي السلطة. وهذا بدوره، يجعل مسؤوليتها عن ارجاع البيئة الديمقراطية، التي للمفارقة تسببت في ضياعها اكثر من مرة، بذات الاستهتار والغباء! ليس فرض عين، ولكنها مسألة وجودية في الاساس. وعليه، اي محاولة لتصديق ان هنالك اصلاح يمكن ان تقوم به هذه المنظومة التدميرية ذاتيا، او ان هنالك امكانية لاي جناح داخلها او خارجها للقيام بذلك؟ هو محض وهم، لا يعبر إلا عن الياس من تغير الاوضاع علي افضل الفروض، والتواطؤ علي استدامتها، في اسوأها؟! والسبب بسيط، لان الاصلاح يعني فيما يعني، الانهيار للمنظومة بالكامل (شبكة علاقات عمودها الفقري الفساد!) وهو ما يقود تاليا، للانكشاف والتعرية، ومن ثمَّ مواجهة المصير المحتوم! وهذا ما لا يمكن تصوره في حق منظومة اجرامية يشرف عليها القتلة واللصوص؟!
والسؤال، هل استحالة الاصلاح من الداخل، وصعوبة التغيير من الخارج، يعني الياس والتسليم؟ لا اعتقد ذلك! لانه ليس هنالك مكان للياس، إلا في نفوس من لهم قابلية للياس، اي لمن لا يتسلح بالثقة والارادة والطموح والجدية في العمل، وقبلها جميعا وضوح الهدف. والاهم، ان السياسة كفاعلية اجتماعية، محكوم عليها بالحراك والتبدل. اما شكل الحراك ومعدل التبدل، فهذا ما يرجع لحجم الممانعة، وطبيعة الفاعلين السياسيين، وقدرتهم علي التحكم في شروط البيئة السياسية.
وفي سياق راهننا، والظروف العصيبة التي تكابدها الدولة السودانية، التي وصل فيها الدمار الكامل منتهاه! وبالطبع، هذا ما ترك اثره علي الجمهور والقوي المعارضة، المنوط بها اقلاه ايقاف الدمار، حتي لا يجرف الدولة الي حالة الفوضي الشاملة، او مرحلة تيقن الجميع من الخسران المبين. ولحسن الحظ، هذا ما بدأت تستشعره القوي المعارضة وتستجمع قواها، ولكن ما زالت تحتاج للمزيد من التضامن والتنسيق والتواصل الخلاق مع غالبية الجمهور، وقبل ذلك الايمان بقضية التغيير، من اجل اعادة ترتيب الدولة السودانية علي اسس جديدة ولبنات حديثة، وذلك بالاستفادة من كل الاخطاء السابقة، والتحوط من احتمالات الانتكاسات اللاحقة. اما العمل خلال الفترة القادمة، يمكن ان يقوم علي مجموعة تكتيكات مرنة تتماشي مع التقلبات المتوقعة. علي ان يستصحب المعيقات التي تقف امام مشاركة الجمهور، المعارضة همومها ومشاريعها. ومن ضمنها نقص المعلومات، وصعوبة الاتصالات، والاهم حاجز الخوف من مترتبات المشاركة في الاحتجاجات التي تدعو لها المعارضة، كالاعتقال والفصل من العمل او النقل التعسفي او عدم القناعة بامكانية الاحتجاجات علي احداث التغيير، او غيرها من الموانع التي لا يضر بها شئ اكثر من القفز عليها كانها غير موجودة! وهو ما يستدعي توافر البدائل بصورة مستمرة، حتي لا يتوقف المد الثوري، كتفعيل اسلوب المقاطعات والاعتصامات، والاستفادة من التجمعات الرياضية والفنية والطلابية ووسائل المواصلات والتواصل الاجتماعي لارسال الرسائل السياسية، وقبل كل شئ فتح المجال امام ابتكارات الشباب والنشطاء غير المنظمين. المهم، ورقة تحريك الشارع هي الورقة الاساسية في الصراع، والضامن الوحيد لاحداث التغيير الجذري، اضافة الي انها تمنح المعارضة نوع من الاستقلالية او الحرية في قيادة مشروع التغيير نحو الوجهة الديمقراطية. ولكن ذلك لا يمنع المعارضة، طالما امتلكت مشروع استراتيجي (اعادة تاسيس الدولة السودانية علي اسس المواطنة والمؤسسية..الخ) ان تقوم بمجموعة مناورات تكتيكية، تستفيد من حالة التناقضات الداخلية للنظام، بل يمكن لها ان تدفع في اتجاه اقصاء طرف والاستفراد بالطرف الآخر. وفي هذا الاطار يمكن للمعارضة ان تستخدم سلاح الاشاعة وكافة الوسائل، لنشر الفتنة والبلبلة بين مكونات النظام، وزيادة كلفة المصاعب الاقتصادية والسياسية عليه. لانه كلما ضعف النظام بضرب احد مكوناته، فهذا يشكل مكسب للمعارضة، يجب ان تحسن استثماره وتوظيفه لانجاز الهدف النهائي، المتعلق بقطع دابر النظام والتخلص من مخلفاته (نفاياته!). ولكن ما لا يمكن تجاوزه في كل الاحوال، وتحت كل الظروف، الحاكمة للتكتيكات! اولا، ان البشير مجرم حرب، وقادة الجبهة وشركاءهم لصوص محترفون. وثانيا، ان لا تنحرف المعارضة عن وجهتها الحقيقية، وهي الرهان علي هذا الشعب، سواء بحشده لازاحة منظومة الانقاذ، او من خلال اشراكه في كل خطوات مشروع التغيير، والذي يجب ان ينعكس عليه تحرر وتطور ونهوض. بمعني، محور عمل المعارضة وشغلها الشاغل يجب ان ينصب علي هذا الشعب، وليس علي السلطة، كما شهدنا طوال تاريخنا السياسي! الشئ الذي اورثنا حصاد الهشيم او حطام الدولة! لدرجة اصبح مطلوب من الجميع، عمل المستحيل، من اجل المحافظة عليها من الانهيار والضياع فقط. بمعني، يجب ان تكون المعارضة قد وعت الدرس، بعد هذه المصائب التي تكالبت علي الدولة، بسبب تفريطها في الديمقراطية وتسفيهها للتضحيات في كل مرة! واول موجبات الوعي، هي المزيد من التضامن وبث الامل، والعمل الدؤوب الجاد، من اجل استعادة الدولة المختطفة، ورد الاعتبار لها وللقيم الوطنية والثقافة الديمقراطية ولحفظ كرامة وحقوق المواطنين. ولحسن الحظ ايضا، ورغم النهب الممنهج الذي مارسته طفيلية الجبهة الاسلاموية، إلا ان امكانات البلاد ما زالت حبلي بالفرص ومقومات النهوض من كبوتها، اذا ما احسنا ادارتها واستثمارها، اي بالانفتاج علي المعارف والمناهج العلمية والاساليب التخطيطية وترميم العلاقات الخارجية. ولنا في نموذج المانيا واليابان القدوة الحسنة، واللتان نهضتا من رماد الحرب والدمار، لتتبوآ مكانا عليا في عالم الاقتصاد والتكنولوجيا.
آخر الكلام
الاوضاع في الدولة السودانية وصلت مرحلة اللاعودة، او لن ترجع الامور الي ما كانت عليه، قبل زلزال الميزانية الكارثية! ومؤكد ان المعادلة التي تمر بها الدولة في غاية الصعوبة والحساسية! اي دولة مهددة بالانهيار، يتحكم فيها نظام اجرامي، تشكل له السلطة آخر قلاع الحماية من المصير القاتم، ومعارضة جادة وجمهور واعٍ، يناضلان لانقاذ ما يمكن انقاذه، ولكنهما يواجهان باجهزة بطش والغة بدورها في الجرائم والفساد.
والكل في حالة ترقب وهم يتساءلون، هل يفعلها شعب السودان مرة اخري، ويُخرج نفسه من عنق الزجاجة ليملك زمام امره؟ ام تقع الواقعة وينفرط عقد الدولة؟ وعندها لاتٍ حين مندم؟!
واخيرا، نسأل الله النصر لشعبنا والسلام لوطننا، وتصبحون علي اخبار سعيدة واوضاع جديدة، تعوض احباطات السنين وظلمها وظلاماتها، التي حكم فيها علي شعبنا البرئ، بالمعاناة الشاقة المؤبدة. ودمتم في رعاية الذي لا تضيع ودائعه.
عبدالله مكاوي

بواسطة : admin
 0  0  107