لعل المتتبع للحراك السياسى والحقوقى الذى يسود مصر فى العقدين الاخيرين يلحظ امورا فى غاية الاهمية وهى ان الدولة قد نجحت نجاحا باهرا فى تحويل هذا الحراك السياسى والحقوقى الى ما يشبه مشهد مسرحى تتبارى فيه نخبة من المثقفين واللبراليينن وما ينضم اليهم من طوائف الشعب سواء كانت تلك النخبة تتحدث عن حقوق دينية او حريات سياسية بل نجحت الحكومة فيما يمكن ان نسميه باصطناع نخبة التنفيس عن الغضب وقد راعت الدولة مثل هذه النغب بان سمحت لهم بالمسيرات والمظاهرات والوقفات الاحتجاجية مع الاخذ فى الاعتبار ان اؤلئك يدركون تماما سياسة الحكومة المتمثل فى مبدأ " سياسة اللاحركة او الحركة المحدودة فى افضل الامور" والتى لا تصل الى الغايات من المسيرات والاحتجاجات وانما فقط فى جعل هذه الحركة المحدودة مصبا يصب فيه هذا التنفيس من الغضب . بل نجحت الحكومة فى ابعد من ذلك بكثير فعلى سبيل المثال نجحت الدولة من خلال سياسة تهميش الاقباط والضغط عليهم وعدم الالستجابة لادنى حقوقهم الانسانية مثل عدم وجود قانون يعطيهم الحق فى بناء دور عبادتهم وعدم احقية الكثيرين من العودة الى ديانتهم استطاعت الدولة من خلال ذلك الضغط غير المباشر واحيانا المباشر ان تدفع بالاقباط الى اللجؤ الى الكنيسة ومن ثم الغاء جموع اكثر من خمسة عشر مليون قبطى واختزالهم فى شخص رئيس الكنيسة قداسة البابا ومن ثم نجحت الدولة فى تكريس فكرة العنصرية والطائفية بل قيل انه فى كثير من الدورات البرلمانية السابقة عندما كانت تصدر تعينات لبعض الاقباط فى مجلسى الشعب والشورى يطلب من الكنيسة اسماء مرشحة لذلك ومن ثم غاب عن الدولة بل تعمدت ان يعمل الاقباط ليس على اجندة وطنية بل على اجندة طائفية ثم تتهمهم بعد ذلك بان الكنيسة تمارس سياسة تحريضية عندما تطالب بحقوق الاقباط من ثم يزج بكل من الاقباط والكنيسة فى قفص الطائفية ولقد كتب الاسبوع الماضى احد رؤساء احدى الصحف القومية الكبرى مهاجما البابا شنودة بأنه كيف عجز ان يمنع بعض قساوسة اقباط المهجر من المشاركة فى مسيرات قام بها الاقباط فى كندا وامريكا واوربا واستراليا ابان فجيعة مذبحة نجع حمادى الاخيرة وتناول رئيس تحرير هذه الصحيفة بالغمز واللمز منتقدا موقف البابا كما انه لم يقلم اظافر احد قساوسة المهجر الذى قيل انه يسئ للاسلام فى الخارج برغم وجود اكثر من سبعة قنوات فضائية متأسلمة تعمل من داخل مصر تسب المسيحية والمسيحيون ليل نهار وسبق وان تقدمت بدعوى مستعجلة لايقاف ما تسمى قناة mta التى تبث برامجها من لندن عبر النايل سات المصرى والذى يمول من ضرائب الاقباط والمسلمون وتسب عقيدة المسيحين وللاسف رفضت هذه الدعوى وهكذا اصبح الكلام والصراع على مطالب الاقباط ليسوا كمواطنين بل بين الدولة وقيادة الكنيسة فى شخص البابا واصبح كل من يتكلم عن حقوق الاقباط من المسيحيين خارج نطاق الكنيسة متهما بانه يحرض على فتنة طائفية ولا يتمنى لمصر خيرا وانه يستقوى بالاجنبى وهذا ما اتهمت به عندما رأينا ان قدوم لجنة الحريات الدينية الامريكية التى زارت مصر اخيرا عقب احداث نجع حمادى لرصد الانتهاكات التى يتعرض لها الاقليات فى مصر ومنهم الاقباط وقلنا ان تلك اللجنة لا تعتبر تدخلا فى شئون مصر بل يجب النظر اليها فى اطار سياق القانون الدولى باعتبار ان مصر جزء من هذه المنظومة الدولية التى تؤثر وتتأثر بها مشيرين الى شراكة مصر مع هذه الدول الكبرى ومدى تأثير ذلك على تلك الشراكة وقامت الدنيا فى مصر علينا ولم تقعد واتهمنا بالمنشتات العريضة فى الصحف تتهمنا باثارة الفتن الطائفية والتحريض على الاستقواء بالاجنى لا لشئ لكن لان قداسة البابا شنودة رفض استقبال لجنة الحريات الدينية الامريكية مما يؤكد ان الدولة كما قلت تحرص جيدا على اختزال الاقباط فى شخص البابا متخذة من مفهوم المواطنة انه يجب ان يتم عبر الكنيسة ومن ثم تأتى احداث نجع حمادى ومن قبلها احداث فرشوط وسمالوط والمنيا والعياط والمنوفية ودير ابو فانا والاسكندرية والعديسات فتكون الحلول ليس على ارضية المواطنة وانما على ارضية عدم اغضاب البابا ولا يجب ان يفهم قارءنا العزيز اننى رافض او ارفض ان يتكلم البابا عن مشاكل الاقباط ولكن يجب ان نفسر او نعطى المعنى الصحيح فيصح ان يتكل البابا عن مشاكل الاقباط بأعتبار ان معظم هذه المشاكل تدخل فى اطار ما يتعلق بممارسة العقيدة مثل بناء الكنائس وممارسة العقيدة ولكن ما يفعله البابا وما يجب ان تتفهمه الحكومة جيدا ان البابا يتكلم عن مشاكل الاقباط ولا يتكلم عن الاقباط والدليل على ذلك نجد كثيرا ممن هم على المسرح السياسى من الاحزاب الاخرى من هو يعارض البابا فى تأييده لشخص مرشح رئاسة الجمهورية او تفضيله للحزب الوطنى ولكن الحكومة لعبت دورا تحسد عليه فى اضفاء المشروعية على ان لا يسمع للاقباط من مشاكل الا من خلال شخص البابا وقد تسمع للمثقفين والحقوقيين وهذا ما حدث اثناء لقائى الاخير مع قيادات الحزب الوطنى والامانة العامة ولجنة السياسات منذ شهرين ربما يكون ذلك تمهيدا لاتخاذ قرارات او اجراءات لكن فى كل الاحوال لا بد ان يكون ذلك استجابة لاتصالات او اجتماعات مع البابا .
لكن يبدوا ان الدولة قد نسيت او تناست او انها وان كانت قد نجحت فى تكريس سياسة حصر النخبة المثقفة فيما يسمى بسياسة النباح واعطت لهم الفرصة بان يكون ذلك الوقت هو ازهى اوقاتها ليقولوا ما يشاءوا ويفصحوا بأى طريقة تراها تلك النخبة عن مطالبها سواء المقروءة او المسموعة او المرئية او حتى فى ظل مسيرات او وقفات احتجاجية ولكن يجب ان تدرك الدولة ان تلك النخبة اخذت على عاتقها بان ينضم اليها كتل اجتماعية وصلت الى قاعدة الشعب مصممة على الا تقبل حلولا رمادية كما انها لا تقبل سياسة اللاحركة او الحركة المحدودة وان فكرة السيادة الوطنية لا يمكن ان تكون بمعزل عن فكرة الشرعية الدولية وان هناك ما يسمى بالقلق العالمى او الدولى وان الاقباط يرفضون ايضا ان تكون الكنيسة وطنا مواز للدولة وان الدولة المدنية تحتاج الى نضال مدنى طويل المراس وانه لا توجد مواطنة الا بالاغلبية والاقلية معا وان شرعية الدولة تخرج من شعبها بأغلبيته واقلياته وان هناك كثيرين راحوا ضحايا على مذبح الحرية ولتعلم الحكومة ايضا انها وان كانت قد نجحت فى تكريس سياسة النباح لكن دعنى اذكرها بقول الشاعر العربى الذى قال :
صرخة فى واد ان ذهبت اليوم مع الرياح
فستذهب غدا بالاوتاد
ان حقوق الشعوب لا يمكن ان تتحول الى منح وعطايا بل هى حقوق منتزعة بموجب الدستور والقانون وانما من مصلحة الحكومة ان تحول هذا المنظور الطائفى الى اجندات وطنية وعليها ان تتذكر ان حقوق الانسان هى صوت من لا صوت له وان التاريخ قد اثبت ان ثورات الشعوب لم تأتى الا من خلال ممارسات الضفط الواقعة عليها من حكوماتها .
صحيح ان تحقيق المواطنة فى الدول النامية لا يمكن ان تأتى بين ليلة وضحاها ولكن فى ذات الوقت لا تقبل التسويف او المماطلة لان اشد انواع الظلم هو البطئ فى تحقيق العدالة فيجب العمل بشفافية لا بوجهى العملة لان وجود شرعية النظام مرتبط ارتباطا لا يقبل التجزئة بالحلول الشرعية للمواطن .
فنحن نصر على ان نعيش دستورا معاشا وليس دستورا تفصل بين مواده والواقع هوة سحيقة فكما قال احد فقهاء القانون الفرنسى ان دستور الدولة لا يمكن ان يكون دستورا حقيقيا الا اذا كان دستورا معاشا . وكما قال احد فقهاء القانون المصرى بانه يجب ان تكون هناك نية تتسم بالشفافية عند وضع الدستور والقوانين فعل سبيل المثال كيف نقول فى دستورنا الحالى ونتكلم هن حرية العقيدة وعن المواطنة وما يتعارض فى ذات الدستور من وجود المادة الثانية التى تضع الاطار العام والنظام العام فى مصر هو نظاما عاما اسلاميا يخرجنا عن مفهوم الدولة المدنية .
واخيرا يجب ان تعى الدولة اننا انهينا فترة فطامنا ورفعت عنا الوصايا وبلغنا سن الرشد وان شعلة الحرية قد اشتعلت بل بلغت جذوتها ولا يمكن لاحد كائن من كان ان يطفى هذه الشعلة التى هى رمز الحرية والديمقراطية وبدونها نظل فى نفق مظلم يؤدى بنا الى مزيدمن الاحتقان وكما قلت فى مقالات سابقة الى ايام الغضب .