• ×

06:06 مساءً , الإثنين 20 نوفمبر 2017

قائمة

أحمد أبوالغيط على رأس كيان أعزل في عالم عربي يحترق

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 في زمن تتزايد فيه الأزمات العربية، يتوجس الكثيرون إذا استمرت حالة العجز الراهنة، أن تفقد الجامعة العربية ما تبقى لها من قيمة رمزية.
العرب محمد أبو الفضل [نُشر في 12/03/2016، العدد: 10212، ص(12)]

أمين عام الجامعة العربية وزير خارجية مصر سابقا

القاهرة - في جميع المنظمات الإقليمية والدولية يكون منصب الرئيس أو الأمين العام بالتداول وفقا لقواعد وإجراءات وآليات محددة، تحكمها قوانين وأعراف وتقاليد، وقبل بها الأعضاء الكبار قبل الصغار. إلا في حالة جامعة الدول العربية. أصبح أمينها العام بالوراثة وينتمي إلى مصر، أي دولة المقر.

الحالة الوحيدة التي راح فيها هذا المنصب لجنسية عربية أخرى، عندما عقدت مصر اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل عام 1979، وتعرضت لمقاطعة عربية شبه شاملة، فجرى اختيار التونسي الشاذلي القليبي لشغل المنصب خلال الفترة من مارس 1979 وحتى سبتمبر 1990، كعقاب للقاهرة على خروجها عن الصف العربي آنذاك.

عندما انفرجت الأمور عربيا، عاد إلى مصر هذا المقعد، وتتابع عليه منذ ذلك الوقت وحتى الآن ثلاثة أمناء عامين، هم محمد عصمت عبدالمجيد، وعمرو موسى، ونبيل العربي، قبل أن يتم تعيين أحمد أبوالغيط مساء يوم الخميس أمينا عاما جديدا.

من شغلوا هذا المنصب منذ عودة مقر الجامعة إلى القاهرة كانوا وزراء خارجية مصر، مثل سلفهم، محمود رياض، وعبدالخالق حسونة، انتهاء بعبدالرحمن عزام أول أمين عام للجامعة العربية.

أصرت القاهرة على مواصلة هذا التقليد. وبعد أن أعلن نبيل العربي الأمين العام الحالي عدم رغبته في الترشح لفترة ثانية بعد انتهاء مدته في 30 يونيو المقبل، شرعت مصر في تجهيز أبوالغيط، الذي شغل منصب وزير خارجيتها إبان الفترة من 2004 إلى 2011، حيث خرج من الوزارة ضمن من خرجوا من المشهد السياسي بفعل ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك ورموزه.

تململ من الاحتكار

كان احتكار مصر لمنصب الأمين العام للجامعة العربية، يثير تململا عربيا في الكثير من الكواليس السياسية، وظهرت أوضح صوره عام 2005 عندما أبدت الجزائر رغبتها، مدعومة من العراق، في الدفع بترشيح وزير خارجيتها آنذاك عبدالعزيز بلخادم لهذا المنصب. يومها استخدمت مصر كل وسائلها السياسية لوقف سيناريو الجزائر، المدعومة في ذلك الوقت من بعض الدول العربية، لتدوير المنصب، ونجحت القاهرة بالتنسيق مع الرياض ودمشق، في الزج بمرشحها عمرو موسى، وإخراج بلخادم من الحلبة برمتها.

سيناريو التدوير، بدأ يتعالى في عدد من الأروقة العربية، وتجدد قبيل انتهاء المدة الثانية لموسى في أول يوليو 2011، حيث لوحت دولة قطر بالدفع بوزير خارجيتها السابق خالد بن محمد العطية إلى هذا المنصب، ولقيت مساندة عربية، خاصة أن المرشح الذي اعتزمت القاهرة الدفع به، وهو الدبلوماسي مصطفى الفقي، سكرتير الرئيس الأسبق حسني مبارك للمعلومات، لم يحظ بقبول من جانب عدد كبير من الدول العربية، وبالصدفة أنه لم يتول حقيبة الخارجية.

البعض يأخذ على من شغلوا منصب الأمين العام، ومصر خلفهم بالطبع، أن دورهم على مدار العقود الماضية اقتصر (تقريبا) على مهمة رجل المطافئ الذي يقف همه الوحيد عند السيطرة على النار وعدم امتداد شراراتها إلى مناطق أبعد، بغرض تحجيم الخسائر وليس تحقيق المكاسب

في مواجهة موجة متصاعدة من الاعتراض، اضطرت مصر إلى سحب ترشيح الفقي لتحافظ على المقعد الوثير لها، ورشحت (وهي غير مقتنعة) كحل توافقي مقبول نبيل العربي، لأنها لم تكن راغبة في أن يذهب هذا المنصب بعيدا عنها، والذي بات على يقين أنه أدى مهمته المؤقتة ولم يعد مقبولا من بلده، لذلك عزم على ترك المنصب مصحوبا بلقب أقل من شغله منذ تأسيس الجامعة العربية في مارس 1945، فلم يمكث فيه سوى خمس سنوات، أي دورة واحدة فقط.

بالتأكيد القضية ليست لها علاقة بالتدوير من عدمه، لأنها أكبر من ذلك، فهي تتعلق بكيان له دور شامل في الحفاظ على مصالح جميع الدول العربية، والمنصب ليس مغريا، لأنه يضع على عاتق صاحبه هموم 22 دولة عربية، وحتى الآن أثبت هذا الكيان إخفاقه في غالبية الاختبارات التي مر بها، على صعيد حل الأزمات، أو ردم الهوة بين الدول العربية.

تحولت اجتماعات الجامعة، على مستوى القمة أو الوزراء، إلى منتدى متواضع أو ساحة للخطابة، وأحيانا إلى مكان لتصفية الحسابات السياسية. وهناك العديد من المؤتمرات التي وقفت شاهدا على هذه النتيجة، وأكدت أن العجز عن تحقيق اختراقات مركزية صفة لصيقة بالجامعة العربية.

مهمة رجل الإطفاء

البعض يأخذ على من شغلوا منصب الأمين العام، ومصر خلفهم بالطبع، أن دورهم على مدار العقود الماضية اقتصر (تقريبا) على مهمة رجل الإطفاء، الذي يقف همه الوحيد عند السيطرة على النار، وعدم امتداد شراراتها إلى مناطق أبعد، بغرض تحجيم الخسائر، وليس تحقيق المكاسب.

ينشغل رجل الإطفاء هذا بتباديل وتوافيق دبلوماسية، ويقود مناورات مع هذا والتلويح بضغوط على ذاك، ليخرج الاجتماع بإعلان أو بيان، يصاغ بعبارات بليغة، قد تبدو رصينة لكن ليست لها علاقة بما يدور على الأرض، وإن تضمن (البيان) جملا براقة ورنانة، من نوعية الإدانة والشجب، وتقديم الدعم اللازم لهذه القضية أو تلك، أو الوعد بتقديم مساعدات مادية، أو توجيه اللوم لدولة (إسرائيل وإيران مثلا) ما على انتهاكاتها، يتبخر المضمون قبل أن يصل المسؤولون العرب إلى بلدانهم.

قد يحمل البعض جانبا من المسؤولية للدول العربية ذاتها، لأن فاعلية الجامعة حاصل جمع فاعلية أعضائها، وبما أن لدى هؤلاء ميراثا ضخما من الخلافات والمشاكسات والمشاحنات، فمن الصعوبة أن تمارس الجامعة دورا مفصليا في تسوية الأزمات العربية، ما لم تكن هناك رغبة جماعية لفرملة التدهور العام.

ربما يرجع آخرون الإخفاق الظاهر في عدم حل القضايا العربية المحورية، إلى بعد المسافات والتصورات بين الأعضاء، وعدم التوافق حول أدوات صحيحة وعملية للحل، ولعل القضية الفلسطينية تقف شاهدا، فهي تلازم الجامعة منذ بداياتها وحتى الآن، ولم تشهد تقدما عربيا، بل اتخذتها بعض الدول مطية لتقديراتها الخاصة.

وبدلا من أن تتحول إلى مبرر للالتفاف والتفاهم أصبحت عقبة وأداة للخصام، وقسمت الدول العربية إلى متشددين ومعتدلين، حتى توارى الإثنان، فالصقور (المتشددون) واجهوا مصيرا بغيضا، أما الحمائم (المعتدلون) فيحدو بعضهم أمل في إمكانية الصحيان السياسي، وفي النهاية تراجعت القضية على جدول الأعمال العربي، واتخذها البعض شماعة علق عليها جزءا من الإخفاقات.

منصب شرفي

في زمن تتزايد فيه الأزمات العربية، ويتسع فيه الرتق على الراتق، يتوجس الكثيرون إذا استمرت حالة العجز الراهنة، أن تفقد الجامعة العربية ما تبقى لها من قيمة رمزية، ويصبح أمينها العام غير أمين على نفسه.

الأمين العام الجديد إما يعيد الحياة للجامعة أو يتحمل وزر إعلان وفاتها


وسط الجدل الذي يدور بشأن الخلافات العربية المتجذرة، ومساهمتها في التأثير على العمل المشترك، يظل الدور المعنوي للأمين العام أكبر من كونه منصبا شرفيا، على عكس ما تعتبره مصر بمثابة مكافأة نهاية الخدمة لبعض وزراء الخارجية لديها (عصمت عبدالمجيد مثلا) أو قفزة إلى أعلى للتخلص من شخصية حظيت بقبول نسبي في الشارع، لاعتبارات بعيدة عن الدور والكرامات السياسية؛ حيث أبعد الرئيس مبارك، وزير خارجيته عمرو موسى من منصبه بعد أن تزايدت شعبية الأخير، عقب قيام المطرب شعبان عبدالرحيم بأداء أغنية “بأحب عمرو موسى وبأكره إسرائيل” التي انتشرت في ربوع مصر، وهو ما اعتبره مبارك تهديدا مباشرا له شخصيا، في وقت بدأت بورصة الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية في مصر تنتشر على استحياء، ويتداول فيها اسم موسى، بسبب أغنية شعبية ساذجة وجدت قبولا عند قطاع من المواطنين البسطاء.

من هنا، عندما وصل عمرو موسى لمقعد الأمين العام تصور الكثيرون أن شعبيته المصرية، ربما تتحول إلى شعبية عربية، فيضفي حيوية على الكرسي الأثير لدى مصر، لكن ما حدث أن الرجل تعامل مع المنصب على طريقة رجال العلاقات العامة، الذين يتفوهون بكلمات دبلوماسية منمقة وبراقة، ترضي من يستمعون إليها، لكن تفتقر إلى المعنى الحقيقي.

لذلك مرت السنوات العشر التي قضاها عمرو موسى بين جدران الجامعة العربية بلا إنجازات، ربما بالمزيد من الانتكاسات، وبدا دوره شبيها بمن سبقوه، ومن لحق به، مع فارق جوهري أن الرجل استفاد جيدا من أدائه الاستعراضي، أو بمعنى أدق الانتهازي، ووظف الشعبية التي حصدها من وراء التضخم المعنوي الذي تسبب فيه المطرب شعبان عبدالرحيم، واستخدم عبارات جذابة خالية من المضمون.

تحديات مؤسساتية

المنصب الذي تحول إلى مكافأة مادية ومعنوية لعدد من وزراء خارجية مصر السابقين على مدار العقود الماضية، لن يستمر على هذا الحال خلال الفترة المقبلة، لأن حجم التحديات التي تواجه المؤسسة العربية الأم، تزايد بصورة غير مسبوقة، فالمنطقة تنتظرها انفجارات متزايدة، وعلى وشك أن تدخل بعض دولها مربع التقسيم الفعلي، وبالتالي اللغة والخطاب والمناورات وكافة الألاعيب الدبلوماسية السابقة لن تكون مقبولة.

إذا نجحت مصر في تمرير مرشحها أحمد أبوالغيط، فهذا يعني أنه قبول بالأمر التاريخي، وربما موافقة فرضتها التطورات الساخنة في المنطقة، لتقليل الفجوة بين الدول العربية، التي لم تعد بحاجة للدخول في خلاف جديد قد يأتي على ما تبقى من مؤسسة القمة، التي تريد دول عربية كثيرة الحفاظ عليها، على الرغم من كثافة الأمراض التي داهمتها خلال السنوات الماضية.

لعل الإمعان في أسباب اعتذار المغرب عن استضافة القمة العربية المقبلة، يكشف عن ارتفاع حجم المشكلات التي تنخر في هذا الجسد، وينطوي (الاعتذار) على رسائل كثيرة لمن يعنيهم الأمر، أهمها أن هذه المؤسسة التي تعتبرها دوائر عربية متعددة شاخت في مقرها بالقاهرة، بحاجة إلى انتفاضة سياسية تعيد إليها الحياة، تتجاوز مسألة الاستحواذ على منصب الأمين العام، لتلامس فكرة الدور والمهمة المفترض أن تقوم بهما دوما، لأن استمرارها على حالها، سوف ينقلها إلى خانة الموت الإكلينكي، ومن ثم تصبح كيانا أشد هشاشة، ينتظر فقط الإعلان رسميا عن موعد الوفاة.

المواطنون من المحيط إلى الخليج ليسوا معنيين باسم الأمين العام للجامعة العربية، لكنهم معنيون بالدور الذي تقوم به هذه المؤسسة في تخفيف الأزمات والحد من الصدامات، في وقت تسعى فيه دول من خارج المنطقة العربية، إيران تحديدا، إلى السيطرة على مقاليد الأمور فيها، وتنتظر نعي الجامعة العربية لترسيخ مفاهيمها الطائفية والمذهبية

المواطنون من المحيط إلى الخليج ليسوا معنيين باسم الأمين العام للجامعة العربية، لكنهم معنيون بالدور الذي تقوم به هذه المؤسسة في تخفيف الأزمات، والحد من الصدامات، في وقت تسعى فيه دول من خارج المنطقة العربية، إيران تحديدا، إلى السيطرة على مقاليد الأمور فيها، والتحكم في الكثير من مفاتيح الحل والعقد، وتنتظر نعي الجامعة العربية بفارغ الصبر، لترسيخ مفاهيمها الطائفية والمذهبية.

في هذه الأجواء، يقع على عاتق من يحتل مقعد الأمين العام في هذه المرة، أن يكون مدركا لحجم المخاطر التي تهدد كيان الجامعة العربية، والتي تتجاوز بمراحل الاختبارات التي مر بها من سبقوه، فإما أن يعيد إليها الحياة، أو يتحمل وزر إعلان وفاتها، وتدرك مصر مغزى الهمسات العربية التي قالت إن احتكار المنصب له مزاياه الرمزية، غير أن ضريبته النهائية يمكن أن تكون باهظة سياسيا.

كبوة أبوالغيط

التحدي الكبير الذي سيدخله أبوالغيط منذ اليوم الأول لممارسة مهامه، أنه ارتبط في أذهان الكثيرين بذكريات مريرة بخصوص الانكماش السياسي المصري في السنوات الأخيرة لعهد مبارك، وما أضعف من دور وزارة الخارجية التي مكث على أرسها نحو سبع سنوات، أن جزءا من الملفات الحيوية انتقل إلى سلة عمل جهاز المخابرات العامة، في عهد رئيسها الراحل عمر سليمان، حتى كاد أبوالغيط أن يتحول إلى واجهة دبلوماسية بلا صلاحية مؤثرة، وربما يتكرر ذلك عند جلوسه على مقعد الأمين العام.

خلال الفترة التي كان فيها أبوالغيط يجلس على قمة وزارة الخارجية أيضا تسارعت وتيرة علاقات مصر مع إسرائيل، وعرف عنه قيامه بزيارات مكوكية بين القاهرة وتل أبيب، وله كبوة لا تزال محفورة في ذاكرة المصريين، فقد أنقذ تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل سابقا، من السقوط على الأرض، عندما أمسك بإحدى ذراعيها في اللحظة الأخيرة، وهو ما ترك انطباعا بأنه وثيق الصلة بإسرائيل بصفة شخصية.

هذا الانطباع يتعارض الآن مع الوجدان الشعبي المصري الرافض للتطبيع مع إسرائيل، في حين أن علاقات القاهرة الرسمية تنامت مع تل أبيب الآن، فكيف سيتغلب على هذه التناقضات، في وقت مطلوب منه عربيا أن يساهم في إعادة الحياة إلى القضية الفلسطينية، ويوقف زحف الاستيطان الإسرائيلي، ومطلوب منه مصريا أن يعيد الاعتبار لدور القاهرة عربيا؟

لن تكون هذه المعضلة الوحيدة التي يمكن أن تؤرق الأمين العام الجديد، لأن هناك جملة من المشكلات المتراكمة، التي أخفقت الجامعة في إيجاد حلول لها، فتركت مرارات في حلوق الكثير من الدول العربية، سواء بسبب السيولة التي أصبحت عليها، أو جراء التراخي في الاقتراب منها، إرضاء لدول بعينها، درجت على استخدام نفوذها السياسي لعرقلة حلها بصورة حاسمة.

مؤسسة الجامعة العربية التي فشلت في مواجهة معظم الأزمات المصيرية التي مرت عليها، مطلوب منها أن تكون متسقة مع ميثاقها الأساسي، وتطلعات الشعوب العربية، التي تتعلق بأهداب الأمل، في إمكانية أن تخترع وسائل تمكنها من وقف حالة الغليان التي تعتمل في صدور عدد كبير من الدول الأعضاء، اعتراضا على ما وصلت إليه، بسبب وقوفها عند قشور القضايا، وتجاهل المحاور المركزية فيها.
محمد أبو الفضل
بواسطة : admin
 0  0  4798