• ×

03:44 صباحًا , الثلاثاء 30 مايو 2017

قائمة

بقيادة محام وموسيقي وطبيب.. آيسلندا تكتب التاريخ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 تقاس الشعوب بإنجازاتها لا بعددها واتساع جغرافيتها، لأن الإنجازات الناجحة تعكس حرص الشعوب على الجدية والإصرار على الارتقاء إلى ما هو أفضل وهزم المستحيل، آيسلندا البلد الصغير في رقعته الكبير بإنجازاته التي كان أقربها الخروج من عنق زجاجة الأزمة الاقتصادية التي حلت بالعالم في 2009 فدوخ منظري الاقتصاد والمسؤولين الماليين في الدول المتقدمة ليدوخ مرة أخرى فرقا لكرة القدم كانت تقول عن نفسها إنها لا تهزم من قبل “الصغار” في عالم الجلد المدور.
العرب [نُشر في 05/07/2016، العدد: 10327، ص(20)]

الهواية هي الأصل في عالم الجلد المدور
ريكيافيك - آيسلندا جزيرة شهيرة بالثلوج والبراكين، عانت كثيرا من الأزمة الاقتصادية التي حلت بالعالم سنة 2009، لكن بعد أقل من عقد من الزمن، ازدهر اقتصاد البلاد التي أصبحت من أولى الدول الأوروبية التي واجهت الانهيار الاقتصادي ونجحت في تخطيه، بل بلغ الناتج الاقتصادي لديها ذروته قبل الأزمة.
ذلك النجاح، جاء بعد إقرار الحكومة الآيسلندية جملة من الإجراءات التي أثارت غضب جيرانها الأوروبيين آنذاك، مثل السماح لبنوكها بالإفلاس دون مد يد المساعدة لها، كما أجازت محاكمة مديري البنوك كمجرمين، وهو تناقض مع ما فعلته الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى.

ورفضت الحكومة أيضا تطبيق أي إجراءات لمنع تدهور عملتها “الكرونة” لحماية أصول المالية للأغنياء كما فعلت بقية دول الغرب، بل تركت العملة حرة وفقا للسوق مما أدى إلى ترنحها، وقد ساعدت معدلات التضخم المرتفعة وارتفاع الأسعار على دعم صناعاتها التصديرية، وهو أيضا على عكس ما حدث في العديد من دول الاتحاد الأوروبي، التي مازال بعضها يعاني أكثر مع الانكماش.

وفي 2015 أعلن صندوق النقد الدولي أن آيسلندا حققت الانتعاش الاقتصادي المرجو “دون المساس بنموذج الرعاية الاجتماعية السخي” الخاص بالرعاية الصحية الشاملة والتعليم. هذا الأزدهار انعكس على حياة الآيسلنديين وتترجمه اليوم إنجازات منتخب آيسلندا لكرة القدم ومجشعيه الذين أبدوا روحا رياضية تختلف عن روح الـ“هوليغانز” والجماهير الرياضية العنيفة.


هواة يهزمون المحترفين

مثلما فاجأت آيسلندا جيرانها الأوروبيين بالقرارات الاقتصادية الصارمة في أزمة 2009 ونجحت في ذلك، يفاجئ اليوم المنتخب الآيسلندي منافسيه ويفند كل التوقعات في تصفيات كأس أمم أوروبا، فبلد الـ330 ألف ساكن يصل إلى الربع النهائي بعد أن هزم فرقا لها تاريخ وباع في عالم الجلد المدور، فانتصر على الطواحين الهولندية مرتين في التصفيات، إضافة إلى فوزه على تركيا والتشيك وكازاخستان ولاتفيا، ولم يخسر إلا مباراتين أمام تركيا والتشيك، واحتل المركز الثاني، ليتأهل لنهائيات أمم أوروبا للمرة الأولى في تاريخه.

ولم يقف المنتخب الآيسلندي عند هذا الحد، بل تمكن من خط تاريخ جديد له بأحرف من ذهب، بعد تألق لاعبيه في الدورة الخامسة عشرة من بطولة كأس الأمم الأوروبية بفرنسا، ووصوله إلى دور ربع النهائي.


البلد الصغير يفاجئ جيرانه "الكبار" مرتين
وكانت المفاجأة الكبرى التي حققتها آيسلندا، الإطاحة بالمنتخب العريق إنكلترا، في ثمن نهائي البطولة، والصعود إلى ربع النهائي ومواجهة المستضيفة فرنسا، لتتمكن الأخيرة من إيقاف الصحوة الآيسلندية في العرس القاري.

هذا الإنجاز الكروي الذي حققه المنتخب الآيسلندي جاء على يد هواة لكرة القدم فمعظم اللاعبين لديهم وظائف أخرى بعيدة تماما عن الجلد المدور.

ففي الوقت الذي يعمل فيه المدير الفني للمنتخب، هايمير هالجيرسون، طبيبا للأسنان في مفاجأة لم تكن في دائرة الحسبان، اختار هانيس هالدورسون حارس المرمى المتألق داخل الملعب، عملا بعيدا عن الساحرة المستديرة، واحترف الإخراج التلفزيوني.

أما الحارس الثاني للفريق أوغموندور كريستينسون، الذي خاض أول مباراة رسمية له مع منتخب بلاده عام 2014، فقد لعب على فترات لأندية إيسلندية ودنماركية وسويدية، قبل أن يحصل على شهادة مزاولة مهنة المحاماة.

ودخل بيركير مار سافارسون عالم كرة القدم، بعدما فشل في اقتحام مجال الطيران، بينما يعمل قلب الدفاع كاري أرانسون في مجال الموسيقى وكان يعزف ضمن فريق آيسلندي.

أما نجم دفاع آيسلندا راغنار سيغوردسون، فقد اعترف بأنه لا يتابع مباريات كرة القدم، وأنه يفضل كرة اليد، حيث مارسها لعدة سنوات قبل احتراف كرة القدم.

وأصبح لاعب خط الوسط، غيلفي سيغوردسون، الذي يعمل في مجالات العقارات، من أشهر لاعبي آيسلندا واليورو بشكل عام، بفضل الأداء المميز الذي قدمه في البطولة، ولفت أنظار العديد من الفرق، واشتهر بتخصصه في الركلات الحرة، ويلقب بـ“بيكهام آيسلندا”.

وتأهلت آيسلندا ذات التعداد السكاني الصغير، لدور الـ16 بتحقيقها فوز وتعادلين، واحتلالها المركز الثاني في المجموعة السادسة خلف المجر، متقدمة على البرتغال الذي تأهل ضمن 4 أفضل منتخبات احتلت المركز الثالث.

هذا الشعب الصغير المليء بالقدرات والثقة بالنفس والتواضع تمكن من تكوين فريق قاهر للأبطال الأوروبيين ونجح في الترشح للمرة الأولى في تاريخه وتسجيل اسمه ضمن الثمانية الأوائل في القارة الأوروبية.


منتخب ايسلندا يخرج مرفوع الرأس من كأس الأمم الأوروبية

جماهير فخورة بالإنجاز

يعتبر الشعب الآيسلندي شعبا طريفا، فالجمهور الآيسلندي في يورو 2016 أتى بطريقة جديدة للتشجيع تبدأ بقرع الطبول مرتين ثم يصفق الجمهور لمرة واحدة ويتتابع ذلك مع وقفات قصيرة تتخلفها صيحات “هوو”. ورجح أن هذه الطريقة في التشجيع ترجع إلى عام 2014 عندما كان فريقا آيسلنديا يواجه فريق ماذرويل في إسكتلندا. ومنذ ذلك الحين، اعتمد مشجو المنتخب الطريقة ذاتها في التشجيع.

وعلى رغم الهزيمة الثقيلة أمام المنتخب الفرنسي والخروج على يده من دور الثمانية لكأس الأمم الأوروبية، لم تتأثر مشاعر الفخر لدى المنتخب الآيسلندي وجماهيره بعد الإنجاز الذي شهدته المشاركة الأولى لآيسلندا في البطولة الأوروبية.

واحتفل لاعبو آيسلندا والمشجعون لفترة طويلة عقب المباراة أمام فرنسا، الأحد، في ختام منافسات دور الثمانية، وقد التقط الفريق بأكمله صورة أمام مشجعيه.

وقال لاعب خط وسط المنتخب الآيسلندي، جيلفي سيجوردسون، “ليس لدي كلمات تصف مشجعينا، لقد هتفوا لنا حتى في وقت هزيمتنا”.

وتردد صدى المباراة بقوة في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، إذ شاهد الآلاف من المشجعين – العديد منهم كانوا يرتدون ملابس تحمل علم آيسلندا – المباراة على شاشة ضخمة في منطقة آرنارهول بوسط المدينة.

وتفوق إبداء التقدير للمنتخب الآيسلندي على روح الكفاح التي تحلى بها بتسجيل هدفين خلال الشوط الثاني عن طريق كولبيينن سيجثورسون وبيركير بيارناسون، على التركيز على انهياره وتلقيه أربعة أهداف خلال الشوط الأول من مباراة الأحد.

وقال قائد المنتخب آرون جونارسون “يمكننا الشعور بالفخر بشكل عام، إنه إنجاز من نوع خاص لفريق صغير، لم يتوقع أحد أن نصل إلى هذه المرحلة”.

وكتب داغور بي إيجرتسون، عمدة العاصمة ريكيافيك، في تغريدة بموقع شبكة التواصل الاجتماعي تويتر، “أنا مقتنع بأنها مجرد بداية لمغامرة كرة القدم (الآيسلندية). كنتم عظماء، أيها الشباب، وأعطيتمونا كل الأمل. فخورون بكم إلى أقصى درجة”.

وإلى جانب التألق، سيتذكر الكثيرون المشاركة المميزة للمنتخب الآيسلندي من خلال حسن سلوك لاعبيه وروحه المرحة، وقال سيجثورسون، “لا يمكن أن نتذمر، من الصعب أن يفوز فريق باليورو في مشاركته الأولى”.


الرئيس الآيسلندي مع عائلته يشجع المنتخب

الرئيس في مدرجات الجماهير

ظهور رئيس جمهورية آيسلندا يتابع مباريات منتخب بلاده من المدرجات ليس من باب الطرافة، ولكنه من باب التواضع، فالعبرة في الحياة السياسية بالعمل والنتائج وليست بالبرتوكولات والاتيتكيت والحراس الشخصيين والسيارات الفاخرة.

غودي ثورلاكيسو يوهانيسون جلس في المدرجات إلى جانب أبناء بلده، بحسب ما ذكرت صحيفة “لو باريزيان الفرنسية”، وذلك من أجل مساندة لاعبي منتخب بلاده في مباراة ربع النهائي أمام فرنسا.

كما ذكرت صحيفة “لو باريزيان” أن رئيس آيسلندا الجديد، والذي نجح في الانتخابات عام 2016، قد تواجد في المدرجات بين 9 آلاف مشجع آيسلندي، وفضّل التشجيع من قلب الحدث بدل الجلوس مع الشخصيات الرسمية في المنطقة الخاصة.

وتناقل عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لرئيس آيسلندا، وأثار هذا الأمر إعجاب كثيرين، وقال أحدهم إن هذا التواضع رائع، ولفتة مميزة من الرئيس وهو يرتدي قميص منتخب بلاده ليشجع ويهتف مع الجماهير لدعم اللاعبين.

ورغم حضور يوهانيسون في المدرجات، خسرت آيسلندا بنتيجة 5-2 أمام فرنسا، لتعبر الأخيرة إلى الدور نصف النهائي للمرة الأولى منذ العام 2000، وستلتقي منتخب ألمانيا، أما آيسلندا فمن دون شك حققت أكثر مما كانت تتمنى، حيث بلغت الدور ربع النهائي في أول مشاركة لها في البطولة. كما لفت هذا الفوز الاهتمام بالبلد الصغير الذي كان مغمورا في ظل دول كبرى في عالم الاقتصاد والمال والرياضة والسياسة.
بواسطة : admin
 0  0  3738