• ×

04:49 صباحًا , السبت 23 سبتمبر 2017

قائمة

خطر مزدوج يحاصر المصريين: سد النهضة جنوبا وغرق الدلتا شمالا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بينما يتركز الاهتمام حول مستقبل مصر المائي والزراعي على التطورات الحاصلة في مشروع سد النهضة الإثيوبي، تعلو أصوات أخرى محذرة من كارثة لا تقل خطورة وهي تلك المتعلقة بارتفاع منسوب مياه البحار، بما يجعل دلتا النيل بين أكثر ثلاث مناطق في العالم معرّضة لغرق الأراضي التي كانت تعتبر محلّ زراعة القمح للإمبراطوريات القديمة أصبح سكانها يعانون من غياب المساحة التي يسكنونها.


القاهرة – على الرغم من أن السياسيين والصحافيين يميلون إلى التقليل من شأن العلاقة بين تدهور البيئة والصراعات السياسية والحروب المسلحة، إلا أنه غالبا ما يكون ذلك سببا أساسيا للأزمات الدولية.

وتوجد أمثلة عديدة تؤكد أن للأزمات البيئية تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة قد تنتهي بأزمة سياسية وحتى حرب أهلية مدمرة، من ذلك الإبادة الجماعية التي عاشتها رواندا في تسعينات القرن الماضي وكان من بين أسبابها تراجع الإنتاج الزراعي وتآكل الغابات.

ويحذّر الباحث الأميركي، المتخصص في السلوك البشري والحيواني، ريتشارد كونيف في تأكيده على مخاطر التدهور البيئي وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية من الجفاف الذي دفع سكان الريف السوري إلى المدن الكبرى، ما جعلهم في واجهة الحرب الدائرة في البلاد، وغيّر من المعطيات الديمغرافية وعقّّد الوضع.

لكن، هناك مثال ثالث هو الذي ركّز عليه كونيف في دراسة نشرها موقع يال 460 المتخصص في الشأن البيئي، وهو المتعلق بمستقبل نهر النيل والخطر الذي يتهدّد أساسا مصر، لا فقط بسبب سد النهضة الإثيوبي، ولكن أيضا بسبب ارتفاع منسوب مياه الدلتا النيل.

تقول توقعات إن كارثة شاملة طبيعية وبيئية واقتصادية وسياسية واجتماعية باتت تهدد مصر بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر مما قد يؤدي إلى غرق منطقة دلتا النيل. وينقل ريتشارد كونيف عن الخبراء أن حوالي 95 مليون مصري من المحتمل أن يكونوا ضحايا الكارثة التي ستنجم عن سوء الإدارة البيئية.

والدلتا، تعدّ واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية، وهي منطقة منخفضة مثلثة تبدأ من القاهرة في الجنوب وتمتدّ حوالي 160 كم إلى الشمال نحو البحر المتوسّط. ويعيش حوالي 50 مليون نسمة في هذه المنطقة، التي تمثل 205 بالمئة من مساحة الأراضي المصرية. ويعيش أغلب السكان في وادي النيل؛ وهو الشريط الأخضر المتعرّج الذي يمتد على مئات الأميال من الرمال الصحراوية. وتحذّر أكثر التوقعات تفاؤلا من أن غرق مساحات واسعة من الدلتا سيؤدى إلى هجرة الملايين من المصريين منها، أما السيناريو الأكثر تشاؤما فهو زيادة مستوى البحر لحدّه الأقصى المتوقع وهو 14 مترا، مما يعني غرق الدلتا بالكامل ووصول البحر المتوسط للضواحي الشمالية للقاهرة.

وتبين دراسة أعدتها الجمعية الجيولوجية الأميركية أنه خلال فترة التعبئة من المتوقع أن ينخفض منسوب تدفق المياه العذبة من النيل إلى مصر بنسبة 25 بالمئة، مع فقدان ثلث الطاقة الكهربائية المولّدة من السد العالي، الذي يعدّ بدوره أكبر سد لمصر على نهر النيل.

أكثر التوقعات تفاؤلا من أن غرق مساحات واسعة من الدلتا سيؤدى إلى هجرة الملايين من المصريين منها

وتتوقع الدراسة كذلك أن مصر ستواجه نقصا في المياه العذبة والطاقة الكهربائية بحلول عام 2025، وقد تواجه الزراعة في الدلتا، والتي تنتج ما يقترب من 60 بالمئة من الغذاء المصري نقصا في مياه الريّ كذلك. وهذا يعني وفق الجمعية الأميركية المتخصصة أن السد الإثيوبي يشكّل فعلا تهديدا بيئيا لمصر، إلى جانب ارتفاع مستويات سطح البحر الناجم عن تغير المناخ.

ويشير تقرير أعدّه عالم الجيولوجيا في جامعة أسيوط، أحمد سيف النصر، إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار نصف متر سيؤدي إلى تقليص مساحة الدلتا بنسبة 19 بالمئة، وهي منطقة تعادل مساحة مدينة لوس أنجلوس. وإذا ارتفع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد في هذا القرن، كما يرجّح العديد من علماء المناخ، فإنه من المرجّح أن يختفي ثلث الدلتا تحت البحر المتوسط.

ولم يأخذ هذا التحليل بعين الاعتبار الآثار المحتملة للارتفاع الكبير الذي توقعته الدراسة التي أجريت عام 2016 من قبل مجلة نيتشر. وتجاهل التقرير أيضا الأثر المترتب عن انخفاض الأراضي في الدلتا، ولا سيما على طول ساحل البحر المتوسط.

ويشير الجيولوجي جان دانيال ستانلي، الباحث في الجمعية الجيولوجية الأميركية، إلى الدور الذي تلعبه أيضا الزلازل وتقلّص الطبقات الجيولوجية التحتية في انحسار أراضي الدلتا. فالزلازل التي تقدر قوتها بحوالي خمس درجات أو أكثر عادة ما تضرب المنطقة.

ويرجع عدد من الدراسات ذلك الازدياد في النشاط الزلزالي في المنطقة إلى وزن السدّ العالي والمياه المخزّنة خلفه؛ كما تشير إلى أن مياه الدلتا انحسرت لأنها لم تعد تتجدد سنويا من الرواسب الآتية من فيضانات نهر النيل التي تقدر بحوالي 100 مليون طن، والتي أصبح يحجزها خزان السد العالي، الأمر الذي ساهم في تشكّل دلتا جديدة تحت الماء.

وسيزيد ارتفاع مستوى سطح البحر وهبوط الأراضي أيضا من تسرب المياه المالحة للموارد العذبة، وهو أمر خطير في بلد يعدّ من بين أفقر الدول من حيث نصيب الفرد من الموارد المائية المتاحة، إذ يتم توفير حوالي 660 مترا مكعبا فقط من المياه العذبة سنويا لكل مواطن.

ووفقا لدراسة سيف النصر، فإن تسرّب المياه المالحة نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر مترا واحدا يمكن أن يعرض أكثر من ثلث حجم المياه العذبة في الدلتا للخطر. وقال ستانلي “إذا تحدثت إلى المزارعين في الدلتا الشمالية، فسوف يخبرونك بأن إنتاجهم قد تراجع بشكل ملحوظ، وأن اتجاه المياه المالحة يتحرك نحو منتصف الدلتا وهو ما لا ينذر بخير، خاصة مع إمكانية تضاعف عدد سكان مصر خلال الخمسين سنة القادمة”.

سد النهضة
الخطر القادم من الجنوب

يأتي التهديد الآخر من سد النهضة الإثيوبي على مجرى نهر النيل الأزرق، والذي يتوقع أن يؤثر على تدفق مياه النيل وحصة مصر منها (55.5 مليار متر مكعب كل عام). بلغت تكاليف سد النهضة الإثيوبي حوالي 5 مليارات دولار، تقول أديس أبابا إنها تكفلت بها، والسد يهدف إلى إنتاج 6 آلاف ميغاوات من الطاقة. ولهذا أهمية كبرى في بلد يفتقر ثلاثة أرباع سكانه إلى الطاقة الكهربائية.

وإلى جانب الاستهلاك المحلي، تطمح أديس أبابا إلى بيع الفائض من الطاقة الكهربائية ما يمكنها من عائدات تقدر بحوالي مليار دولار من العملة الصعبة التي يحتاجها هذا البلد الأفريقي الصاعد. لكن، لتتمكن إثيوبيا من تحقيق ذلك عليها أن تصنع خزانا يبلغ حجمه ضعف حجم سد هوفر، أكبر سدود الولايات المتّحدة الأميركية، ليخزّن حوالي 74 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق في مدّة تتراوح بين 5 أعوام و15 عاما. وهذه المليارات من الأمتار المكعّبة كانت لتمرّ إلى السودان ومصر.

ونظرا لسعي إثيوبيا إلى الانتفاع من السد في أسرع وقت ممكن، من المستبعد أن تقوم بتأخير الانتهاء من إنشائه. ويقول أستاذ السياسة الأفريقية بجامعة جورجتاون، هاري فيرهوفن، إن مصر لا تملك في جميع الحالات ما يخولها للتفاوض حول مثل هذه الصفقة. فقد أكدت دائما على حقها في نصيب الأسد من مياه نهر النيل، كما أضفت طابعا رسميا على هذا الادعاء من خلال اتفاقية تقاسم مياه النيل 1959، متجاهلة احتياجات دول حوض النيل.

وفي الوقت الذي دخلت فيه مصر في “حالة سبات”، قامت الحكومة صاحبة الكفاءة العالية في إثيوبيا بإعادة بناء اقتصادها، وتوصلت إلى السبيل الأمثل للتعامل مع المصالح الأميركية والصينية، وأطلقت ما وصفه فيرهوفن بأنه هجوم مائي لإعادة ترتيب المنطقة. وليس ذلك فقط من الناحية السياسية أو النظرية، بل أيضا على أرض الواقع، من خلال تأكيد سيطرتها على مياه النيل التي تعتبر شريان الحياة في المنطقة.

مصر لن تعود هبة النيل

“كيف ستستطيع مصر مع اقتصادها المتعثر والاضطرابات السياسية الحديثة، أن تعالج التحديات التي تهدد الحياة بشكل واضح؟”، على الرغم من الحديث عن تدمير السد الإثيوبي، إلا أن اندلاع حرب بين البلدين يبدو أمرا شبه مستحيل. ففي عام 2015، وقّعت كل من مصر وإثيوبيا والسودان اتفاقية مشتركة تتعلق بعدم إلحاق الضرر ببعضها البعض. وفي شهر يناير الماضي، اجتمع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أديس أبابا في لقاء ودي مع رئيس الوزراء الإثيوبي هايله مريم ديساليغنه. ولم يتوصلا إلى اتفاق رسمي حول كيفية تقاسم موارد النيل.

ومن الممكن أن تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط النزيه للتفاوض حول حلّ توافقي بين مصر وأثيوبيا خاصة وأنها لعبت مؤخرا دورا هاما وراء الكواليس مع كل من القاهرة وأديس أبابا (حليف رئيسي للصراعات في الصومال وجنوب السودان). بيد أنه في ظل الرئيس ترامب، قال فيرهوفن، إن مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأميركية لم يظهرا اهتماماً يُذكر بالقارة الأفريقية.

وفي هذه المرحلة، يرى جان دانيال أن الحل الأمثل أمام مصر هو الاستثمار في تحلية مياه البحر، على غرار المملكة العربية السعودية، واتباع سياسة الري قطرة قطرة، مثل إسرائيل؛ كما أن اهتمام الحكومة بسياسة تنظيم الأسرة سيساعدها في تقليل معدلات النمو الديمغرافي المتصاعدة. بات عدد السكان المصريين على عتبة الـ100 مليون نسمة.

يبدو أن النيل لم يعد من حق المصريين، وبعدما تغرق الدلتا تدريجيا تحت مياه البحر، سيضطر الكثيرون منهم إلى البحث عن مستقبلهم في مكان آخر.
بواسطة : admin
 0  0  2303