• ×

08:23 صباحًا , السبت 23 سبتمبر 2017

قائمة

لعنة الانقاذ (نموذج كرة القدم)!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم
لعنة الانقاذ (نموذج كرة القدم)!!
عبدالله مكاوي
يبدو ان حكومة الانقاذ تحولت من معضلة سياسية وازمة وطنية الي لعنة اسطورية، ما مست بميسمها الناري شيئا إلا جعلته كالرميم! فهي بعد مرور 28 عاما حسوما، كانت فيها كالبوم الذي ينعق فوق ركام البلاد، غير كونها جحيم يحرق وعي النخبة، وهي لاتعي مبررات كل هذا الحقد والدمار! لتحوِّل الحال من وطن واعد، الي وطن موعود بالضياع. فالانقاذ وهي تنتهج نهج البلدوزر او الثور في مستودع الخزف، لم تبالِ بآثار هذا المسار او تعيد البصر كرتين فيما آل اليه المآل! والاسوأ من ذلك انها تمارس نوع من المكابرة والمغالطة وخداع الذات، بصورة تكاد تكون هزلية، قبل ان تكون مهينة للوعي والمعقولية! خصوصا عندما يتصدي لهذه المهام القذرة، اجلاف من شاكلة امين حسن عمر وربيع عبدالعاطي ونافع علي نافع وعلي عثمان وغيرهم من سدنة الانقاذ (كبار الفجار). وعندها يحق لنا التساؤل، ماذا افاد هؤلاء العلم والتعلم والدين والتدين؟!
المهم، واحد هذه المجالات الذي عاجله الرشاش او ناوشته سياسة الانقاذ الصدئة او اصابته اللعنة، هو منشط كرة القدم، الذي يعتبر نسبيا من اكثر الحقول ديمقراطية ونشاط ومشاركة، من قبل قطاعات واسعة من الجماهير. فالانقاذ كالعهد بها دخلت علي هذا القطاع (بالساحق والماحق) شأنه شأن الانشطة والمجالات الاخري، التي تتاثر بالاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما اصابها من تحولات والاصح تدهور وانحطاط في عهدة الانقاذ. فالبداية كانت عبر تسييس هذا القطاع، وزرع عناصر الانقاذ بين مكوناته، ومن ثمَّ تقديم التسهيلات (اللوجستية) لها، سواء عبر الدعم المادي او التلميع الاعلامي او غطاء رجال الاعمال، او من خلال ازاحة العناصر الرياضية الاصيلة عن دائرة الرياضة والاندية الرياضية، وذلك قبل شغل الجميع بلقمة العيش، وتاليا جعل المشاركة في الانشطة الرياضية من مدخل العمل الاداري، ترف لا يتاح إلا للقليل! وكان نتاج ذلك، ان تحولت الاندية بصفة عامة والاندية الجماهيرية (هلال مريخ) علي وجه الخصوص، الي نوع من الاقطاعيات الاكثر خصوصية، يتحكم فيها اداريون مشبوهون ماليا، وشعارهم المضمر (انا النادي والنادي انا!) الشئ الذي جعل المنافسة علي ادارتها شبه لاغية، وهذا في حال لم تنحصر بين شخصيات بعينها؟ وعليه اصبح النقد جريمة يحاسب عليها الاعلام الموجه او المملوك لذات الشخصيات؟! والحال ان كلفة ادارة الاندية ارتفعت لارقام فلكية، لا يستطيع التصدي لها إلا اولو العزم من رجال اعمال (قاروني) عصر الانقاذ او (اباطرة الفساد) لا فرق. وفي ظل هكذا اجواء معتكرة، لم تضار الاندية فقط، بذهاب الكفاءات الادارية والشخصيات الرياضية وهي مقهورة او منبوذة بسبب نزاهتها او قلة مواردها او ضعف حيلتها، ولكن وصل هذا الداء العضال الي اكبر مؤسسة تدير كرة القدم في البلاد، وهي الاتحاد العام! الذي تسنم دفته علي مدي ليس بالقصير، فطاحلة الادارة وخبراء الرياضة المحلية والدولية، ليتحوَّل بقدرة الانقاذ الي حلبة صراع بين اجنحة المؤتمر وطني، وذلك قبل ان ينحط بكرة القدم (اللعبة الشعبية الاولي والاكثر دلال) اسفل سافلين، وذلك بشهادة التصنيفات الدولية في الفترة الاخيرة.
ولكن ما نحن بصدده الآن، هو الأزمة غير المسبوقة التي يعيشها اتحاد كرة القدم السوداني العام، والذي تحوَّل الي اتحاد بجسد واحد وراسين سياميين، يحكمهما التنافر والصراع الصفري، في سابقة لا اظنها حدثت في دولة من الدول او حتي اشباه الدول. ليتأكد من كل ذلك شئ واحد، وهو ان مصلحة الكرة وسمعة البلاد، هي آخر ما يهم هذه الاجنحة المتصارعة بمنطق (الرجالة) من جهة، والاستماتة من اجل حيازة القيادة ولو باي وسيلة، كمنصة للشهرة والاستيلاء علي الاموال العامة من اقصر الطرق وبايسر الاساليب، من جهة مقابلة. واكاد اجزم ان بعض اعضاء ومناصري الاجنحة المتصارعة، ليس لهم صلة بكرة القدم من قريب او بعيد، كما انهم لا يفقهون شيئا عن القوانين والنظم المنظمة لهذه اللعبة، خاصة عندما يتعلق الامر بكيان ك(الفيفا) يمثل اعلي سلطة كرة قدم دولية، وهو ما افتضحته هذه الازمة الاخيرة؟! لتكون محصلة ذلك، تجميد نشاط السودان الرياضي دوليا! وتاليا وكأثر عاجل، خسارة الاندية السودانية لفرصتها الكبيرة في التأهل لادوار متقدمة في اكبر تظاهرة رياضية افريقية، علما بان هذه الاندية صرفت علي الاعداد واستجلاب المحترفين الاموال الكثيرة، بل وبالعملات الصعبة، وفي ظل ظروف اقتصادية تلامس حالة الضنك وحواف الافلاس، اي ما يمكن اجماله بالهدر المالي المجاني، وبما يشبه القول الشائع (ميتة وخراب ديار).
ولكن السؤال، هل الأزمة ذات طابع فردي او اداري او رياضي فقط، اي كما تظهر علي السطح؟ ام ان جذورها تضرب في الاعماق البعيدة؟! والمؤكد ان ما يحدث مجرد انعكاس ليس إلا او خلاصة، لحالة اختلاط الحابل بالنابل او الشخصي بالعام او الحزبي بالدولتي، وهو ما تعبر عنه خير تعبير، حالة غياب الدولة او الاطار الناظم للحقول والانشطة والعلاقات المجتمعية؟ والحال انه بقيام الانقلاب تم تفكيك الوعاء الممسك (الخدمة المدنية) التي تضبط ايقاع حركة الدولة وتنظم ضربات قلبها، وبكلام اكثر وضوح، الانقلاب كآلية هدم ووعي سيطرة مطلقة، عمل علي ضرب النهج والاداة والهياكل التي تعمل علي تحييد اجهزة الدولة ضد النزعات الفردية والميول الحزبية والتواطؤ المجتمعي، وتاليا ادراجها داخل اجسام مؤسسة وهياكل تنظيمية، تحكم التنافس وتؤطر الجهود في وجهات محددة سلفا، وبالطبع يترتب علي ذلك ألا تتاثر اجهزة الدولة وتسيير دولاب عملها، بحضور زيد او ذهاب عبيد، لان ما يضبطها رؤي وبرامج وتشريعات تحت رقابة المجتمع وحضوره الفاعل، وعلي العموم كل ذلك ما يتنافي مع الانقلاب جملة وتفصيلا او يرفضه الاخير مبدئيا، وبصورة ادق لم يقم الانقلاب إلا ليعكس تلك المعادلة السابقة. وبما ان النشاط الرياضي عامة، وكرة القدم بصفة خاصة، اي بوصفها اكثر الانشطة شعبية وتماس مع الجمهور (حضوره ورقابته/ تحت المجهر!) فقد تبدي فيها جليا كم التخبط والعشوائية والشللية، وذلك سواء في انتخابات ادارات الاندية والاتحادات الرياضية او طريقة ادارتها، وذلك للاسف ليس علي مستوي العاصمة فقط، ولكن علي مستوي كل مناطق السوداان! والمؤكد ان للكثيرين ذكريات عن فترة ما قبل الانقاذ، وعن طبيعة تلك الانتخابات والادارات والاداريين الافذاذ، الذي تعاقبوا علي المجال الرياضي وبالاخص منشط كرة القدم.
وفي سياق مختلف، فالانقاذ الاسلاموية سواء في شقها المدني او العسكري، تحتقر الرياضة والفنون وكل ضروب الابداع بصفة عامة! وذلك في اطار نظرة عامة للحياة والدولة، تتمحور حول السلطة وجني المكاسب المادية والاجتماعية، والتي تتم من خلال المنظور الديني المتزمت، الذي يعبر بدوره عن افق و مزاج اكثر ضيق وتزمت، والاسوأ انها تميل للانعزال والترفع، بعكس الانشطة الرياضية والفنية التي تحتاج المشاركة والتواصل والتفاعل والانفتاح علي الآخر، اي هي بطبعها لا تعترف بالحواجز والحدود! وتاليا كانت نظرتها لهذه المجالات والانشطة، محكومة بالانصرافية في احسن الاحوال، والعدوانية والتحريمية في الظروف الطبيعية، هذا من جهة، اوذات طابع مكسبي تتعلق بما يمكن جنيه منها في رصيد الارباح السلطوية، من الجهة الثانية! بمعني آخر، نظرة الانقاذ لهذه المجالات نظرة انتفاعية، وليست مصلحية عامة (وطنية) بحال من الاحوال، اي تهتم بكل جوانب المسألة الابداعية كمسؤولية وطنية او واجبات اجتماعية او التزامات ادبية، وهذا في حال لم تتوجس خشية من النواحي التحررية التي تميز هذه النشاطات الانسانية. اي الانقاذ تعتبر هذه المجالات والانشطة مهمة ومفيدة وحلال، متي ما ثبتت فائدتها لها ونالت وطرها منها وطمعت في المزيد، وإلا فالفنانون والرياضيون والمبدعون بصفة عامة، هم اعداء وفسقة، طالما استعصي تدجينهم واعادة انتاج انشطتهم بما يخدم السلطوية الانقاذوية، وهذا قد يفسر بدوره ليس محاربة المبدعين في هذه المجالات، ولكن تجفيف مصادر الابداع الفني والرياضي، او اقلاه تقديم ابداع انقاذوي خال من روح الابداع او يكتنفه الجمود والتكلف والخواء، ولكنه رغم ذلك يشغل جل المساحات الاعلامية ويحتل معظم الفضاءات الداخلية! بمعني، مجاراة روح العصر ولكن بعقليات وآليات ومزاج، اكثر انغلاق وتخلف وازدواجية. ونخلص من ذلك، ان نظرة الانقاذ للرياضة محكومة بما تقدمه الرياضة للانقاذ وليس العكس، وتاليا اهتمام الانقاذ بالرياضة ينحصر في اطار تحييدها او توظيفها، وبما يفيد بقاءها في السلطة ابديا واحتكارها للامتيازات من غير وجه حق، وذلك يتم سواء، بتقديم الدعم لها، بنية صرف الجماهير عن الاهتمام بالضائقة المعيشية! او من خلال تعظيم الاهتمام بها، من اجل حجب الجماهير عن قضاياها الاساسية، كالسياسة وحقوق الانسان والفساد والتغيير..الخ، اي ملء الفراغ الناجم عن التدهور السياسي والاقتصادي، بالدعم الرياضي الشكلاني. وبما ان الجهة الداعمة (الانقاذ) هي نفسها غير مؤسسة، وهذا في حال لم تحارب المؤسسية، وتتحسس من الديمقراطية وتمقت الشفافية! فتاليا كل ما يتم تحت رعايتها، حتما يتأثر بتلك التشوهات، وبما فيها الانتخابات الرياضية والطريقة الادارية للاندية والاتحادات، وما تفرزه من كيانات وقيادات وقيم وسلوكيات، ليست غريبة عن الاوساط الرياضية فقط، ولكن يحكمها نوع من التخبط والشذوذ والمزاجية والفرعنة! والحال كذلك، لا نستغرب الازمة الناتجة عن الانتخابات الاخيرة، وما ترتب عليها من عقوبات دولية، لا يصدف انه قد تم التلويح بها منذ وقت مبكر، بل تعرضت لمثلها دول وحالات مشابهة (توافر سوابق تستدعي اخذ الحيطة والاعتبار؟) ولكن كالعادة لا حياة لمن تنادي الا بعد وقوع الفاس علي الراس؟!
وما نخرج به من هذه الازمة (الفضيحة!)، يشير من جانب، الي ان حال الرياضة وغيرها من الانشطة، لن ينصلح إلا بصلاح حال السياسة والاقتصاد والسلطة والدستور..الخ، اي لن يستقيم ظل الرياضة وعود الدولة اعوج وينخره سوس الفساد ويستحكم به نخاع الاستبداد، وباختصار البيئة العامة الفاسدة، لا تنتج إلا ادارات اكثر تدهور وهشاشة واداريين اكثر عجز وفشل! ومن جانب آخر، يشير الي التاكيد علي اهلية الحركة الرياضية، اضافة الي شفافية وقوة الادارة السلطوية الدولية (الفيفا) وكيف انها تحرص علي تطبيق القوانين واللوائح لمنع الانحرافات، والنأي بنفسها عن السياسة والسلطة، في الوقت الذي تفرض فيه هيبتها ومكانتها واحترامها علي الجميع. وهو الشئ الذي لو اتصفت به الاجسام السياسية الدولية الاخري المشابهة، كالامم المتحدة ومجلس الامن والمحكمة الجنائية وغيرها، اي لو كانت عن حق حريصة علي الديمقراطية وحقوق الانسان واحترام الشرعية وتطبيق القانون الدولي، لتوجب عليها فورا ودون مداورة او مجاملة، قطع علاقاتها وصلاتها بكل الانظمة الانقلابية ورعاة الاستبداد ومجرمي الحروب، وفرض حصار صارم عليها يحرمها التعامل والتعاطي خارجيا، وصولا للمساعدة في ازاحتها داخليا، لصالح التوجهات الديمقراطية والنظم المؤسسية، ورغبة ومصالح الشعوب.
المهم، رغم الغضب المبرر نتيجة للاخطاء الداخلية الكارثية، التي تسببت في وضع الكرة السودانية، في موقف لا تحسد عليه، إلا ان للقرار حسناته إذا ما تم التعامل معه عقلانيا؟ وذلك من حيث كونه يؤكد فشل القائمين علي امر الرياضة في الداخل، والطريقة التي تدار بها الرياضة، اي كجزء من ازمة كبري تجسدها وضعية حكومة الانقاذ الانقلابية الاستبدادية الفاسدة، وهو ما يمكن قوله بكلمة واحدة، ما حدث يمكن ان يشكل مدخل لعودة الوعي للقطاع الرياضي المغيب؟ او في كونه يساعد علي مراعاة الاهتمامات بالاولويات الوطنية، سواء اكانت سياسية دستورية او اقتصادية تنموية او غيرها. وهذا غير انه يساعد علي توفير الموارد المالية الضائعة في عمليات الالهاء الرياضي، كما انه يقفل باب الذرائع امام تعليق الفشل الرياضي وغيره علي شماعة الامكانات! والاهم انه يؤكد ان الطريق الوحيد والمضمون لتحسين الرياضة وترقية احوالها، بل وغيرها من الانشطة والاهتمامات المجتمعية، لا يمر إلا عبر التغيير الشامل للاوضاع الداخلية، وعلي راسها اقتلاع السلطة الانقاذوية، كعقبة كاداء امام اي فرص للبناء او امكانات للنهوض او استعدادات للتطور. ولكن يجب التذكير ان هذا لا يعني اهمال الرياضة بالمطلق، او الحجر علي الرياضيين بمختلف تخصصاتهم وادوارهم، ولكن المقصود وضع الرياضة في حجمها المناسب، واعادة ترتيب الحقل الرياضي بما يحفظ حقوق العاملين في هذا الوسط، والاهم ان يتم توظيف كل الجهود والقدرات تجاه وجهة التنمية الشاملة، التي تستفيد من كل المواهب، بقدر ما تخدم الجميع.
وختاما، هنالك علاقة وطيدة بين الاستبداد والفساد من جهة، والرموز التي تمثلها والاحوال العامة السائدة من جهة مقابلة! وتاليا بقدر ما تتجسد حالة الانحطاط في القيم والسلوك والمعايير والثقافة الطاغية، بقدر ما تتمظهر في سيادة السفلة والاشرار والمشبوهين من البشر. وعليه، تقييم منظومة الانقاذ بعد مرور ما يقارب الثلاثة عقود، ومن خلال القاء نظرة عاجلة علي قيمها ورموزها السائدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، نواجه مباشرة بانتشار الدجل السياسي وشيوع السمسرة الاقتصادية وصعود اجتماعي لكائنات شاذة وساقطة وحربائية (يصعب امساكها او معرفة كنهها او حدود دورها او مدي نفوذها او نوعية علاقاتها او طبيعة الخدمات التي تقدمها) من شاكلة الفريق طه عثمان؟! والسؤال، هل في ظل وجود هكذا قيم ونماذج والتباس، هنالك فرصة لاصلاح سياسي او تطور اقتصادي او تحضر اجتماعي؟!
آخر الكلام
كما يقال (شقي الحال يقع في القيد) فمشكلة الرياضة ان سوء حظها اوقع بها في القيد (الازمة/الفضيحة) بسبب وجود منظومة دولية حريصة علي تطبيق القانون! مع العلم انها افضل حالا وبما لا يقاس، عند مقارنتها بحال اوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية انقاذوية اكثر ترد وانحطاط وفساد، مع الوضع في الاعتبار علاقة التاثير والتاثر المتبادلة بينها. وعليه، يا ايها الرياضيون، اطعنوا قلب الفيل الانقاذي مباشرة، ولا تلهينكم ظلال الاخطاء الرياضية وان كانت قاتلة! وعندها، ينصفكم التاريخ ويثبت خطي التطور والنهوض. ودمتم في رعاية الله.
عبدالله مكاوي
بواسطة : admin
 0  0  292