• ×

09:10 مساءً , الأربعاء 22 نوفمبر 2017

قائمة

كرار التهامي و (نموذج سفراء السلطان!).

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم
كرار التهامي و (نموذج سفراء السلطان!).
تعودنا من البشير فقر الخطاب ومن نافع جفاف اللغة ومن الحاج آدم قلة الاحترام، ومن غيرهم الكثير، وعزينا ذلك لامتناع السياسة او ممانعتها عن هؤلاء، علي اعتبار ان فاقد الشئ لا يعطيه، وما يؤكد ذلك ان مدخلهم للسياسة كان عبر مداخل لا سياسية في المبتدأ، وذلك سواء عبر الانقلاب او عن طريق الانتماء لجماعة تصادر السياسة وتسفه المجتمع! ولكن قبل ذلك، حتي من عرف السياسة منهم كالترابي او علي عثمان، فضل ان يصبغها بلون المكر، ومن ثم افراغها من محتواها، لتستحيل مجرد آلية لتولي السلطة بكل الوسائل، والمكوث فيها الي الابد كيفما اتفق، ولو ادي ذلك الي إلغاء السياسة نفسها، كنشاط انساني ومجتمعي يتوخي تدبير امر السلطة وتنظيم شؤون المجتمع، عبر التوافقات والتسويات المفضية للتراضي او القبول العام. ولكن وكما ان المكر السئ يحيق باهله، فهذا عين ما حاق بالترابي وعلي عثمان، حيث لم يشفع لهما، ما يتمتعان به من حيل وقدرات سياسية، من السيطرة علي من لا يملكون القدرات السياسية البتة، كالبشير ونافع! لا لشئ إلا لان الانقلاب كفعل غير شرعي، ينتج ممارسات وقوانين غير شرعية او معايير مختلة، تطال المنظومة الانقلابية ذاتها وليس الدولة فقط! ولكن ان يصل المكر لازاحة الترابي بواسطة البشير، فهذا ما يدل علي ان الغباء اصبح ميزة وضعف القدرات صار محمدة، وان يصل الاختلال لهكذا مرحلة، فهذا ما يؤكد حفر المنظومة لقبرها بيدها وايرادها الدولة موارد الهلاك.
وإذا صح ان ما سبق، كان المظهر العام الذي يسم منظومة الانقاذ، إلا ان هذا المظهر رغم فظاعته وقتامة مخرجاته، لا يشكل إلا غطاء لفظائع اكبر وممارسات اسوأ في الباطن! بمعني، كان الاعتقاد السائد، ان قادة الانقاذ الذين يشغلون المساحة الاكبر من الاعلام، ويديرون الملفات الاكثر حساسية علي السطح، هم اسباب الكوارث حصريا، وان الكوادر الوسيطة والدنيا مغلوبة علي امرها، او تستمد نفوذها وتنمرها وشرها وفسادها من اعلي! ولكن التعمق في خفايا هذه المنظومة والتوسع في الكشف عن اسراراها، يوضح ان لا فرق بين زيد وعبيد او قمة وقاعدة، وانهم لا يتفاضلون إلا في شدة الشر والتوسع في الفساد! اي، ان الجرائم والفساد تخترق هذه المنظومة عموديا وافقيا، وتاليا ليس هنالك مجال لوجود عمل نافع، او هامش لبروز كوز او متكوزن صالح! وذلك بدلالة الامساخ (الاوساخ) التي تظهر علي السطح كل فترة، كنتيجة للنزاع او المنافسة علي الصفقات المشبوهة، او المناصب المفتوحة علي الجشع، والتملك المجاني لموارد البلاد، والتحكم في رقاب ومصالح المواطنين. وما نموذج طه عثمان، او التكالب المحموم علي وزارات كالمالية والطاقة والاستثمار، واحاطتها بالاسوار المنيعة من عين الاعداء الحارة (عامة الشعب!) إلا قمة جبل الجليد لخبايا الفساد وخفايا التجاوزات.
وما يهمنا في هذه المساحة تناول شخصية يبدو عليها الوقار (ظاهريا) او طالما هي في مأمن من تسليط اجهزة الاعلام، او محاصرة الصحافة لها بابجديات الاسئلة، التي لا تحتاج لعبقرية سياسية او موهبة دبلوماسية للخروج من مطباتها، سواء باحالة الاسئلة لجهات الاختصاص او بطريقة الهرولة الانقاذية للمكابرة والإلتفاف كما عهدناها. ومؤكد المقصود بذلك السفير كرار التهامي، الذي لا علم لي ان كان اسلاموي صميم او متحول للاسلاموية، شأن كان كل انتهازية الخدمة المدنية، الذين فضلوا غثاء الانقاذ علي زبد المعارضة الوطنية، او اقلاه التزموا الصمت (كضريبة مهينة) لتربية العيال؟ اي هو ليس حالة شاذة، ولكنها وضعية ملازمة لشريحة معينة من المثقفين والاكاديميين والفقهاء، ولكل من يملك موهبة او قدرات، ولكنها مجردة من القضايا والمبادئ، والاصح هي تملك كل القضايا والمبادئ، التي تجمل وجه الاستبداد، وتبرر كل ما لا يمكن تبريره، إلا بالتحايل والتواطؤ وقلب الحقائق والخلل في ترتيب الاولويات! اي هي شريحة بقدر ما هي صغيرة (المقام) وتشغلها ممارسة الصغائر (صناعة المكياج) وكان لابد لها ان تحتل ذيل (مؤخرة) السلطة، بقدر ما تزعجها القضايا الحقيقية والاهتمامات الجوهرية، كقضية الديمقراطيىة او حقوق الانسان او التأسيس لدولة المواطنة، ولذلك تجدهم يحاجون علي الدوام، بانه ليس في الامكان افضل مما كان، او ان المشكلة الاساسية في المعارضة وليس السلطة، او ان الاصلاح ممكن من داخل السلطة الفاسدة وبرضاها، هكذا ضربة لازب! اما ما يفوت علي هذه الشريحة او تتغاضي عنه النظر، فهو حقيقة الاوضاع المتردية، ووضع الشعب المنهك، وبؤس الحاضر وقتامة المستقبل؟ وانَّي يتاح لها ذلك؟ وحجب الحقائق وتضليل العامة، اهم ادوارها وزبدة وظائفها التي تجني من وراءها الكثير! وتاليا هكذا شريحة مرواغة، اشد خطرا علي المصلحة العامة، من السلطة المستبدة نفسها! اي هي ما يجعل هذه السلطة الرعناء، تستمرئ المغامرات المجنونة والتجريب الطائش، وما تجره هذه المسالك المنحرفة، علي الدولة والمجتمع من اخطاء وكوارث وفساد لا يمكن وصفها. والحال كذلك، ليس هنالك نقاط التقاء مع هذه الشريحة، لان المسألة تتعدي وضعية الاختلاف في وجهات النظر، او حتي سوء التقدير، الي وضعية وطن يتعرض للنهب والضياع، ومواطن تستباح كرامته وتنتهك حقوقه في وضح النهار.
المهم، وكما سلف ذكره، اذا كان الانقلاب وقبله التشكل في كيان يدعي الارتباط بالسماء، نافٍ للسياسة ومستعلٍ علي المجتمع، فهو من باب اولي منفر للسياسيين! وتاليا، هكذا فراغ سياسي، كان لابد ان يملأ، بادعياء السياسة او الفاقد السياسي اذا جاز التعبير، ومن ثم استقطاب عناصر لا تري في السياسة إلا آلية تسلط ونزعة احتكار، لمعالجة مُركب النقص الذي تعانيه او لاشباع اطماع ورغبات مريضة، يستحيل ادراكها في ظروف منافسة عادلة او اوضاع طبيعية. اي غير الاسوياء لا تسعهم إلا الاوضاع غير السوية، وهذا ما يبيح وصف البيئة الانقلابية، بانها حاضنة للشذوذ، وتاليا منتجة لشذاذ الآفاق، وليس العكس كما يصف الانقاذيون المعارضين. وهذا ما قد يفسر نوعا ما، ردة الفعل الانفعالية والعصابية للمسؤولين الانقاذيين، عندما يرد ذكر المعارضة السياسية! والسبب ان المعارضة السياسية تعني فيما تعني، رد السلطة الي دائرة المنافسة، او الصراع السلمي علي اقناع الجماهير، كاستحقاق اساس لتلبية مطلوبات السلطة الديمقراطية. وهذه الوضعية الاخيرة، لا تعني بدورها سوي العطالة السياسية المفتوحة لنماذج كالبشير وصحبه، ليس كافراد غير سياسيين كما سلف ذكره فقط، ولكن الاسوأ ضعف قابليتهم لان يكون سياسيين اصلا! والسبب ان السلطة مقدمة علي السياسة، في تكوينهم الثقافوي والتربوي، وليس العكس كما يفترض! الشي الذي يجيز نعتهم ب(السياسي المضاد). وليس سرا ان الاخير، يشكل وصفة جاهزة للانقلابات، وتعكير صفو العملية السياسية علي الداوم.
من هذا المنظور السابق يمكن فهم، اولا، وجود نموذج عاطل اداريا، ككرار التهامي، علي قمة جهاز قومي (تجاوزا). ثانيا، التوافر علي قيادي مفلس سياسيا (رغم مبررات تعينيه السياسية!) يلقي الكلام علي عواهنه، ودون اكتراث او مسؤولية، كنتيجة حتمية لغياب الجهات الرقابية والمحاسبية. عموما، نموذج حديث كرار التهامي الاخير علي منبر طيبة برس، لا يشير الي ان سلطة الانقاذ عبارة عن جزر معزولة، او تتعدد سلطاتها الجانبية تحت سلطة البشير المسيطرة علي القمة فقط، ولكنه يؤكد ان الخطاب السياسي عندما يكون فارغا او غير موجود اصلا، يسمح بانتاج خطابات فردية في غاية البؤس والتضارب، مما يشكل استباحة للوعي العام، وامتهان للسياسة، بل والسلطة ذاتها، وهذا في حال لم ينحط بالوطن والمواطنة الي الحضيض. والحال، عندما تؤول الخطابات السياسية الي محض فرقعات اعلامية وتهديدات علنية وتحديات عنترية، اي انتاج خطابات غير مسؤولة تصدر عن مسؤولين غير جادين! تتجرد السياسة من مضمونها، قبل ان تحيل السلطة، ليس الي جهاز قمع واداة سيطرة واستحواذ عارية فقط، ولكنها لا تحتاج حتي لتبرير هذا القهر والمصادرة، او تضع اعتبار لآثارها الكارثية! اي بما انها سلطة غير مسؤولة، فتاليا هي غير مسؤولة امام احد؟ وللمفارقة، هذه الوضعية الاخيرة، تجعل المبرراتية السابق ذكرهم، مجرد نوافل او يشغلون محل المخدر او الكيف، الذي تتعاطه السلطة لتحسين المزاج او للهروب من الهموم (المخاوف). من هنا تصبح مكافحة (الممنوعات) السلطوية فرض عين؟!
وابتعادا عن العموميات واقترابا من تفاصيل حديث كرار التهامي نجده،
اولا، عند الملاحظة العامة علي حديثه واسلوبه، اول ما يتبادر الي الذهن من هكذا حديث مجافٍ للسياسة بل والكياسة، هو صفة السفير السابق التي يتحلي بها كرار التهمي، خاصة وان ما يُعلم عن السفراء او (هكذا كان اعتقادي واظنه خاطئا!) ان السفراء يشكلون خلاصة الرقي والوعي والانفتاح في السلم الوظيفي، اي كواجهة مشرقة ومشرِّفة للبلاد، تعكس مميزاتها، وتدعو للتواصل، وتزيل سوء الفهم المتبادل بين الدول والشعوب، وبما يخدم المصالح المشتركة. وان اول مواصفات هذه الوظيفة، هي الاسلوب الدبلوماسي في الحديث والتصرفات، والذي يسعي بقدر الامكان علي الاحتفاظ بشعرة معاوية مع الاعداء، ناهيك عن توطئة الاكناف للاصدقاء والاقرباء.
المهم، اكبر دليل علي لا دبلوماسية السفير الدبلوماسي كرار التهامي، ان معظم الاسئلة التي تورط في الاجابة عليها (مصدري صحافة الكترونية) هي ليست ذات صلة باختصاصه، ولذا كان من السهولة بمكان ان يحيلها الي جهات الاختصاص (وزارة العمل المالية التنمية البشرية التعليم العالي وزارة الصحة). ولكن بدلا من هذا المخرج السهل، حاول السفير ان يزايد (علي اقرانه) ويغالط (البداهات) وكانه في منافسة او صراع، حول اكثر المسؤولين اخلاصا للحكومة ودفاعا عن سياساتها! والحال، ان دل هذا علي شئ فهو يدل علي، اختلاط الحابل بالنابل في طريقة ادارة الدولة، اي عدم الالتزام بدور سياسي او وظيفي محدد، كاستجابة منطقية، لغياب المؤسسية التي تطبع عمل المنظومة الانقاذوية. وبكلام واضح، غياب التخصص في شئ، يعني التخصص (الوهمي) في كل شئ! وهذا ما يتيح للجميع التدخل في كل الاتجاهات وتناول كل المسائل، بغض النظر عن الآثار والنتائج، والاسوأ ان هكذا نهج عشوائي، كرس لتغييب الرقابة والمحاسبة من جهة، ومن جهة مقابلة، اسس لمسلكيات الدفاع عن السلطة بالباطل من اجل حيازة مكاسب سلطوية! وهذا بدوره يعني ايضا، عدم وجود منهجية حاكمة، يسوغ عمليا لحكم منهجية (اساليب ووسائل) إرضاء البشير حصريا؟! والحال كذلك، يتحول الاحترام الواجب للمنصب الي قداسة تخلع علي صاحبه، وعندها يصبح الحديث عن التغيير او تداول السلطة، هو كفر صراح! وهذا بالضبط ما يكرس له نموذج السفير واشباهه من عبدة (الفرعون/الشيطان).
ثانيا، تحدث السفير (فُض فوه) عن عدم مسؤولية الدولة عن عطالة الخريجين او تشغيلهم! فهكذا حديث استفزازي، غير انه لا مسؤول، إلا انه يعكس ايضا، تجرد السفير ومن خلفه منظومته، حتي من مجرد التعاطف مع وضعية مأساوية (العطالة) لا يصدف انها من صنع ايديهم، فاذا لم تكن الدولة مسؤولة عن تشغيل الخريجين او زيادة معدلات العطالة، فمن المسؤول اذن (القدر الحظ الجن الاحمر!) واذا صح ذلك، لماذا يستهدف غير الاسلاميين حصرا، ومن ليس لهم ظهرا اصلا؟ وهل تشغيل الخريجين او محاربة العطالة، تعني فقط توفير الوظائف الحكومية، رغم اهميتها في علاج الظاهرة؟ للاسف هكذا قصور رؤيوي لا يصدر عن مبتدئ سياسي او متدرب اداري، ناهيك عن مسؤول كبير يتقلد رئاسة جهاز قومي؟ والسبب ان علاج الظاهرة الجذري، يكمن في تهيئة البيئة الداخلية للانتاج، عبر تواجد ارادة سياسية تنبع من سلطة ديمقراطية ورؤية تنموية شاملة، خاصة وان فرص التنمية والاستثمار متوافرة، بتوافر الموارد المادية والقوي البشرية، وما ينقصها فقط هو حسن الادارة، وقبلها تنمية الفرد وتسليحه بالوعي والقدرة علي صناعة البدائل والاساليب، والاستفادة من الفرص المتاحة. وكذلك خضوع الدافع الانتاجي لنظرة اقتصادية متكاملة، تستصحب السلع التفضيلية والصناعات التحويلية، التي تستهدف الاسواق الداخلية والصادرات الخارجية (الاقليمية خاصة في المرحلة الاولي). فهكذا منظور او مشاريع مشابهة، ليس كفيلة بمحاربة العطالة في الداخل فقط، ولكنها مؤهلة لخلق وظائف وفرص عمل واستثمارات اضافية، تستوعب حتي ابناء دول الجوار الصديقة. ولكن في الحقيقة، كل ذلك ما يغيب عن ثقافة او يتعارض مع مصالح منظومة طفيلية، تستسهل الكسب السريع، وبما فيه بيع اصول وممتلكات الدولة ومشاريعها المنتجة، التي كانت تستوعب عشرات العاملين! بمعني، هل في امكان منظومة عاطلة انتاج غير العطالة؟ وذلك ليس علي مستوي الافراد والكيانات والمنظمات (الوهمية!) ولكن حتي علي مستوي القيم والسلوك، كحب العمل والانضباط فيه والرغبة في الانتاج والانتصار لطموحات التنمية والرخاء العام! وتاليا، ليس مصادفة ان تكون القيمة الحقيقية هي للمال (باي كيفية يُحصَّل به) وليس للجهد المبذول او جودة المنتج، او لمن يقف وراء ذلك (الانسان/العامل) او ما يقدمه من فائدة للدولة والمجتمع. وهذا بدوره قد يفسر تدني قيمة ومكانة الوظيفة الحكومية او غيرها من الاعمال منخفضة الاجر، في الوقت الذي تزدهر فيه قيم الاستهلاك والفهلوة والمضاربة (اقتصاديات السمسرة!) بغض النظر عن مردودها او حتي مضارها علي الاقتصاد الكلي. اي هي منظومة تسترزق من السياسة، التي تُبتذل لبيع الكلام المجاني، كالوعود الجوفاء والشعارات الكاذبة! وبكلام مختصر، الثقافة العاطلة (الاسلام السياسي، الدولة الدينية، وغيرها من المشاريع الاستبدادية والهياكل المشابهة) هي ثقافة معطلة حكما، لامكانات الفرد وحيوية المجتمع، وتاليا هي محاربة لروح الابداع وقيم الانتاج! وعليه، ليس غير ذي معني، انها تصادر الانتاج وتضايق المنتجين، من خلال استهدافهم بالقوانين الجائرة والجبايات الجزافية! بل حتي الاعمال الهامشية التي نمت وترعرعت بكثافة علي جسد الدولة غير المنتجة، لم تسلم من المضايقات ونزع الفتات من يد اصحابها، بقوة السلطة الباطشة (وكان المحليات تحولت الي المحتسب الزيني بركات في رائعة جمال الغيطاني المعالجة دراميا).
وفي سياق ليس بعيدا، للعطالة نفسها انعكاسات سلبية وخطيرة، سواء علي مستوي الحالة النفسية او الاجتماعية او الاقتصادية او غيرها، بل ليس مصادفة ان ترتفع مع نسبة العطالة، كثير من الظواهر والجرائم الشاذة علي ثقافة المجتمع المحلي. وعلي العموم، السؤال الذي يفرض نفسه علي هكذا اوضاع (ملهساوية)، اليست زيادة الاجهزة الهلامية علي جسد الدولة، بغرض خلق وظائف (وهمية)، كمدخل لغنم موارد الدولة، بواسطة الاتباع والموالين والمعارضين الهشين، تشكل سبب اساس في توسع حجم العطالة، وذلك باهدار موارد الدولة علي اجسام كرتونية (طفيلية)، في اخلال فاضح بسلم الاولويات الملازم للدول البوليسية؟! وللمفارقة، نجد علي راس هذه الاجسام الهلامية، جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج، الذي يراسه كرار التهامي؟ فهكذا جهاز (تورم وظيفي) علي جسد الدولة، هدفه الاساس، توفير آلية استحلاب لاموال وعرق المغتربين بالباطل، او الدخول باموالهم في مشاريع مضاربة واستثمارات شكلية! لانه من باب اولي، اذا كانت للمغتربين حاجة في استثمار اموالهم، او تنظيم شؤونهم، فلهم مطلق الحرية في تكوين اجسامهم وطبيعة وظيفتها، وتأسيس شركاتهم ونوعية استثماراتها، وغيره مما يعبر عن مصالحهم، بصورة حرة، وبعيدا عن قبضة وابتزاز السلطة الغاشمة. كما ان ادارة الجوازات كفيلة بتنظيم عملية دخولهم وخروجهم والتأكد من التزامهم بواجباتهم ومستحقاتهم بكل يسر، إذا كانت علي درجة عالية من المهنية، اضافة الي ان توافر بنوك محترفة ومشاريع ناجحة وبيئة استثمارية حقيقية، هي الوسيلة الجادة والآمنة لاستقطاب اموال المغتربين، وبما يخدم كل الاطراف. ولو كانت هنالك عناية حقيقية او اهتمام جاد بالمغترب السوداني، لانعكس ذلك كما سلف، علي ترقية الاداء في ادارة الجوازات والمطارات والطيران، واحترامه عند عودته، وقبل ذلك داخل السفارات، بتسهيل اموره والدفاع عن مصالحه وحقوقه في دول المهجر، ولكن ما يحدث عكس ذلك! وكأن المغترب عدو للدولة والسفارة وادارة الجوازات، ناهيك عن هذه الهيئة الوهمية التي تسعي لاستغفاله وترصد مدخراته! هل قلنا شيئا عن سمعة البلاد السيئة وسياساتها الاسوأ، التي تقع بالضرر الوبيل علي عاتق المغترب دون ذنب جناه، ودون ان تكترث الحكومة لذلك، وكأنها تصر علي ملاحقة المواطن، بشرها المستطير، انَّي توجهت ركائبه او حط رحاله! خصوصا، عندما تقذف به الظروف الي دول، لا تضع اعتبار لحقوق مواطنيها، ناهيك عن الغريب اللائذ بحماها، كدول الخليج وليبيا! بل حتي في مصر القريبة، لا يوجد ما ما يسمي بالسفارة السودانية، إلا كعين امنية رقيبة علي المواطن في الخارج.
ثالثا، حديث السفير عن الهجرة، يشوبه الاستهتار والخلط والتخاليط، ولا ينم حديثه عن رجل دولة باي شكل كان! اي بدلا ان يتحدث عن اسباب الهجرة الموضوعية، والسبل الكفيلة بعلاجها، نجده يبرر للهجرة بطريقة فطيرة، بل ويضعها علي مرتبة او درجة واحدة، مع هجرات لا تشابهها، لا من حيث الكيف او المضمون او العدد! فما يحدث في السودان ليس هجرة بالمعني المتعارف عليه، ولكنها نوع من الهروب الذي طاول الجميع، شيبا وشبابا رجالا ونساءً اصحاب مهارات وغيرهم، اي هي نوع من الفرار الجماعي الذي يحاكي اجتياح الكوارث والاوبئة لبلد ما (ولكن هل هنالك كارثة او وباء عانه الوطن والمواطن اسوأ من الانقاذ؟ اقلاه للكوارث والاوبئة منطق يسيرها او حتي اخطاء قد تبررها، ولكن ان تكون الكوارث (الانقلاب) هي المنطق الذي يبرر الوجود والوقود الذي يسير النشاط، كحقيقة الانقاذ، فهذا ما يصعب استيعابه ويستحيل تحمله!). والحال كذلك، يصبح الغريب ليس ان يهاجر الشخص، بل ان يمكث داخل الديار، وغالبا ما يرتبط هذا المكوث القسري، بالتعاسة وخيبة الامل وانتظار فرصة المغادرة، كحل جذري لكل المشاكل والهموم! بل في المستطاع القول ان الفارق بين وجود الانسان السوداني وعدمه، هو الهجرة! علي اعتبار التواجد او مجرد الدخول الي الدولة الاسلامية السودانية (النسخة المعدلة للداعشية) هو العدم عينه (الانكشاف او التعرض لكل ما يخطر ولا يخطر علي البال!) بعكس الهجرة، التي ان لم تعطِك شيئا (وهو ما يصعب تصديقه) فاقلاه هي ستطعمك من جوع وتعالجك من مرض وتعلمك من جهل..الخ، والاهم تأمنك من خوف وتعصمك من انتهاك صريح لحقوقك وحقوق عائلتك، خصوصا الهجرة للدول الغربية وبالطريقة الشرعية. إذا صح ذلك، يصح اكثر، ان عودة المغترب السوداني من المملكة السعودية بهذا الشكل المؤسف، يشكل له نكبة حقيقية، اي كمن حكم عليه بالاعدام او سيق الي الجحيم باقدامه (اي الي الفلس والحيرة والحرمان من ابسط مقومات الحياة، والاسوأ الدخول في دوامة المصير المجهول، ويا لها من دوامة منهكة للجسد والروح). وكل هذا ما يبرر التعبير الساخر (ان افضل مكان في السودان هو صالة المغادرة؟!).
رابعا، اما حديثه عن نوعية التعليم، ودفاعه عن التعليم بحالته الراهنة، التي تحيله الي شبه تعليم او تعليم خال من المعرفة (لارتكازه علي حفظ النظريات وترديد المعلومات، الفصل بين العلم والواقع، الاهتمام بالدرجات علي حساب الانجازات، والاسوأ ان تلقين هذا المنهج العقيم، يتم بطريقة التعليم من اعلي (الاستاذ) الي اسفل (الطالب)، اي يكرس لعلاقات الطبقية (التميز/الامتيازات) والدونية (فقدان الثقة/الحرمان) النافية بدورها لاي مساحة تواصل، ناهيك عن تنحيتها لجدلية، الجدل/الحوار، المؤسِسَة بدورها للعقلية النقدية والنظرة الموضوعية، المفتوحة بطبعها علي الانفتاح والتطور واكتساب المهارت والمعارف المواكبة! والحال كذلك، ليس بمستغرب ان يهيئ هكذا تعليم مسلوب القيمة، الارضية المناسبة او الاستجابة، لخطابات الدجل وادوات العنف واستعدادت الارهاب من جهة، والتدجين او التعايش مع الاستبداد والفساد من جهة مقابلة!).
المهم، هذه النوعية من الاحاديث الخرقاء، بل والمعادية للدبلوماسية، وغيرها من المبرارت الواهية، كثيرا ما تثير علامات الاستفهام حول، اين كانت مواطن سفاراته السابقة؟ اهي في الصومال الذي يعاني غياب الدولة، أم في دولة داعش المتداعية في بلاد الرافدين، ام في دولة المغول الغابرة في التاريخ؟ فهل يعقل الا يعلم السفير، وهو في عصر العولمة، المفتوح علي الفضاء الطلق، شيئا عن تجربة ماليزيا او كوريا الجنوبية وقبلها اليابان، وغيرها من الدول التي سلكت طريق النهوض الصاروخي، ان التعليم الجيد والحديث، كان قاطرتها الاساسية او شرطها الشارط؟! بل واحدة من معايير الدول المتقدمة، وقابليتها للتطور (السيطرة علي المستقبل)، وعلامة جودة الحياة فيها، يرجع تحديدا لنوعية التعليم، وحجم الانفاق علي العمليه التعليمية! لدرجة تبيح وصف التعليم، بانه يمثل عقل الدولة، ومركز التحكم في انشطتها. وفي هذا المعني، اكاد اجزم ان الفارق بين الدول ليس درجة ذكاء شعوبها، ولكنه يرجع تحديدا لجودة التعليم، ومدي ارتباط اهدافه، بامكانات (فرص) الدولة وظروف المجتمع والتطلع للمسقبل، اي هو من النشاطات التي تتمازج فيها الغاية بالوسيلة ليصيرا شيئا واحدا. ام انه يعلم كل ذلك واكثر منه، ولكن في فمه ماء (مال الانقاذ الحرام وامتيازات سلطتها المغتصبة)، وتاليا القصد من هذا المرافعة البائسة، هي بقاء التعليم علي حالته الراهنة، بل والتوسع فيه، بغرض انتاج جيل متعلم شكليا، ومن ثم لا يشكل خطر علي وجود الانقاذ، وهذا في حال لم ينخرط في مشاريعها التدميرية (شيوع ثقافة الخلاص الفردي!) وهذا غير ان الاستثمار في التعليم الخاص بعد تحطيم التعليم العام، يشكل مدخل لتراكم مال الطفيلية الاسلاموية من جهة، ومن جهة مقابلة، يعيد انتاج هؤلاء الطلاب في صورة (الاكاديميات من اجل الاكاديميات علي وزن نظرية الفن الشهيرة!) وتاليا قطع اتصالهم نهائيا مع مشاكل المجتمع، والابعد من ذلك، التسبب في فتور العلاقات الانسانية والاجتماعية بين بعضهم البعض، بفعل انخراطهم في صراع الدرجات الشرس، والذي للاسف يسعر ناره الاهل؟ والاسوأ من كل ذلك، انه يُغيِّب مواهبهم الفردية وهواياتهم الجماعية وملكاتهم الابداعية وذائقتهم الجمالية والنقدية. وبكلمة محددة، التعليم الخاص بوضعه الحالي، لا ينتج طالب مجتمعي او يحمل رسالة وطنية، بقدر يُجذِّر فيه نزعة التفوق المرتبطة بالافراط في الانانية! وهذه بدورها تشكل مدخل للعنصرية واحتكار الامتيازات، وهي عينها المواصفات التي افرزت لنا منظومة الانقاذ النازية، وتاليا، التسبب في هذا الكم من الدمار الهائل، بدم بارد؟! والحال كذلك، الم ينم الي سمع السفير الهمام، امتحانات وزارة الخارجية في فترة سابقة ليست بعيدة، التي تقاطر اليها مئات الخريجين، ولم يمر فيها الا بضع عشرات؟ ام وزارة العدل التي تشكو لطوب الارض من ضعف مستوي حملة اجازات القانون ونقص تاهيلهم (ليس ذنبهم بالطبع)؟ ام امتحانات الشهادة السودانية التي يخترقها التسريب؟ وشهادات الجامعة بل حتي شهادات الماجستير والدكتوراة، التي شاع وصولها لغير مستحقيها، ممن يملكون سطوة المال او المناصب العليا في الدولة ويطمعون في المزيد! إلا يجرح كل ذلك خاطر الحس التعليمي لدي السفير المفدي؟ الذي رضع من ثدي الدولة، حتي اكمل تعليمه وتاهيله، دون من او اذي، ولكن ماذا نقول عن (جزاء سنمار) الذي يطبع عهد الانقاذ ورجالاته، الذين يتكاثرون كالفطر السام، وينفثون سموم اقوالهم الاحتقارية ومبرراتهم الاستفزازية، المُسمِمَة للسمع والوعي قبل الحس والبدن.
لكل ذلك، لا نستغرب دفاع السفير عن هجرة الاطباء، ومبرره لذلك نجاحهم في الخارج؟ وهو مبرر مردود بالطبع، لان السؤال متعلق بالنقص في الاطباء الناجم عن نزف الهجرة، وليس عن مستوي الكفاءة! وهذا غير ان معياره للنجاح مرتبط بما يتحصل عليه هؤلاء الاطباء من اموال، وليس بروزهم في مجالات بحثية، او اكتشافات طبية، او نيل جوائز عالمية، تعترف بجودة التعليم وتنصف جهود العلماء! وكذلك دون الحديث الاهم، عن تهيئة البيئة الصحية الداخلية، التي تساعد الكوادر الطبية، بمختلف تخصصاتها، في اداء دورها علي اكمل وجه، كما تتيح الفرص امامهم لتطوير مهاراتهم وزيادة تاهيلهم، وانعكاس ذلك علي ترقية الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين (الذين يتهددهم العوز وتجهز عليهم الامراض البدائية/البيئية كالكوليرا). ولكن، هل يعقل ان تشغل هكذا هموم صحية، بال من يتعالج وافراد اسرته في المستوصفات الخاصة او الملوكية في الداخل، او يمارس رحلات الاستجماء والسياحة الصحية في الخارج كل بضع شهور، هروبا من حر السودان وامراضه وتردي خدماته؟!
ولكن ما فات علي كرار التهامي واخوانه في الله، او غيرهم من الملتحقين بالسلطة، من موقع تعظيم المكاسب الخاصة، كتلميع السيرة الخاملة او غسل التاريخ الملطخ بالاخطاء والتجاوزات او نهب الموارد والثروات..الخ، ان هكذا دفاع اعتباطي بحق السلطة، يجردها حتي من مسؤولياتها الكاذبة، اي هي تعرية مجانية لنظام عارٍ اصلا، او لا يستره شئ سوي العار! وتاليا، تجعله اسوأ مما هو عليه من السوء غير المنظور؟ والسؤال، إذا كانت السلطة غير مسؤولة عن تشغيل العطالة، او تحسين مستوي الجامعات ورفع قدرات الخريجين، او ترقية البيئة الصحية واحوال الاطباء والعاملين بالحقل الطبي، فما هي وظيفتها اصلا؟ فهل هي حبوبة مثلا وظيفتها تحجينا؟ ( مع كامل الاعتذار للحبوبات كمستودع للطيبة والحكمة والقيم الخيرة، بعكس هكذا منظومة اجرامية لم تعمل إلا لنسف هذه القيم والمكتسبات من جذورها، وكأن في اقتلاعها المكتسبات وازدراءها القيم، تبرير لوجودها، كمنبتة قيميا ومجتمعيا ووطنيا؟).
والخلاصة، حالة السفير التهامي، ليست حالة شاذة (ذئب منفرد) كما سبق، ولكنها نهج او منطق يتلبسه كل مسؤول انقاذوي؟ والسبب ان مهمته الاساسية تتمحور حول، الدفاع عن السلطة وتبرير ممارستها، ولو كان ذلك علي حساب، مهنية المهنة، ومسؤولية المنصب، وحقوق المواطن، مما يمكن تلخيصه بالاضرار بالمصلحة العامة! اما المرجعية الحصرية لهذا التجبر السلطوي و الانحراف الوظيفي، فيعود الي ان السلطة الانقلابية، وهي حتما استبدادية واقصائية! هي في حقيقتها دفاع (بالقوة العارية) عن مصالح نخبة ضيقة (تصادر القيم والرموز والشعارات الوطنية والثقافية..الخ او تعيد انتاجها علي مقاس مصالحها الخاصة!) علي حساب حاضر الوطن ومصالح المواطنين ومستقبل الاجيال القادمة.
آخر الكلام
تشكل عودة المغتربين السودانيين من السعودية وبهذه الكيفية، وفي ظل هكذا ظروف داخلية معلومة للكافة، مأساة حقيقية، فوق انها تضيف عبء اسري جديد علي اسر معدمة اصلا، وضعت كل آمالها واحلامها علي ابناءها المغتربين، بعد انعدام الفرص والمخارج في الداخل! ولكن في كل الاحوال، لا سبيل لعلاج هذه المأساة، وغيرها من البلاوي المتناسلة بمتوالية هندسية، والكوارث المتساقطة كدفقات المطر، إلا بالتصدي لمنظومة مهلكة للحرث والنسل ومصادرة للوطن والاحلام.
خارج النص
يبدو ان صفقة نيمار (صفقة القرن كما وصفت وشغلت العالم) عكست قلة مناعة الحداثة الغربية (التي تتباهي بالعقلانية) عند اصطدامها بقدرات (العُقال) المالية! اما نتيجة هذه المهزلة او انعكاس التاثير، فهي المزيد من الانزلاق في ثقب (ثقافة الصورة والاستهلاك) الاسود؟! والحال كذلك، لماذا لا ينتصر ترامب وداعش ومحمد سلمان وتميم ونيمار؟! ودمتم في رعاية الله.
عبدالله مكاوي
بواسطة : admin
 0  0  275