• ×

08:15 مساءً , الأربعاء 22 نوفمبر 2017

قائمة

حارة الصوفي.. خرطوم صغيرة في قلب القاهرة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 
image
image


السودانيون والمصريون شعبان يشربان من نهر واحد، وتربطهما ثقافة واحدة ولغة واحدة ولهجات متقاربة، تشارك الجالية السودانية في القاهرة المصريين في الضحك على النكت والمواقف الكوميدية لإسماعيل ياسين وعادل إمام، ويطربان على صوت أم كلثوم، ويشجعان في لعبة كرة القدم الأهلي أو الزمالك، بعد أن صار للسودانيين حيّ يسكنونه ويديرون فيه نشاطهم التجاري ومصالحهم اليومية.

العرب
رقصة اللقاء السودانية تحافظ على أجوائها في مصر

القاهرة - في أحد الممرات الرابطة بين شارعي عدلي وعبدالخالق ثروت، وسط القاهرة، اتخذ سودانيون لأنفسهم موقعا جانبيا تميّزوا به حتى صار يعرف باسمهم، يتجمعون فيه منذ الصباح وحتى إغلاق المقاهي في الحارة ليلا، حسبما يقول رواد للمكان.

لا يكاد ينتهي شارع عدلي، الذي أخذ اسمه من سياسي، وهو (عدلي يكن) شكل الحكومة المصرية ثلاث مرات بين عامي 1921 و1930، إلا وينسلخ منه ممر ضيق تتغيّر فيه الملامح فجأة، وتختفي اللهجة المصرية تدريجيا، لتحلّ محلها أخرى سودانية خالصة.

الحارة الضيقة، القريبة من حي العتبة التجاري، والتي يتجمع فيها السودانيون تتبع حي عابدين وسط القاهرة، وتعرف شعبيا باسمهم حارة السودانيين، لكنها رسميا تحمل اسم “حارة الصوفي”.

وتعتبر الحارة عاصمة الجالية السودانية غير الرسمية في القاهرة، حيث يتوجه إليها كل قادم جديد أو مقيم قديم، فالغريب الذي حضر مؤخرا ويبحث عن ونسة مع أهله يتوجه إلى الحارة، والراغب في قضاء أعمال وشؤون تجارية لا يكون بعيدا عن الأماكن المهمة في العاصمة المصرية يتوجه إليها أيضا.

قال وضاح الذي اكتفى باسمه الأول ضاحكا “بلا مبالغة، بعض السودانيين يأتون من مطار القاهرة الدولي مباشرة إليها، حتى يختصروا الوقت فينجزوا مصالحهم، فكل شيء هنا، من معرفة كل الأماكن، إلى السفارة السودانية إلى الطبيب المختص، ومن المستشفى إلى الجامعة، إلى أماكن السودانيين المهمين الموجودين في مصر، إلى الصحبة، إلى الطعام والشراب السودانيين، باختصار من يحضر هنا يتحرك بسودان كامل معه في مصر.

وما يقرّب السودانيين من بعضهم البعض في العتبة وجود العشرات من الفنادق المتقاربة التي يمتدّ وجودها من شارع عبدالعزيز التجاري مرورا بميدان العتبة وحتى شارع كلوت بك.
"ونسة" المساء

وفي هذه المساحة يوجد ما لا يقل عن 40 فندقا صغيرا أسعارها مناسبة، وكل أصحاب هذه الفنادق والعاملين بها يعرفون السودانيين الذين يترددون عليهم كل فترة، حتى أصبحت بينهم معاملات مالية، فيقترض أغلب السودانيين أموالا من أصحاب هذه الفنادق في حالات الحاجة دون أوراق ثبوتية ويعودون إلى السودان وفي الزيارة التالية يسدّدون المبالغ، فأصحاب هذه الفنادق يعرفون كل تاريخ زبائنهم من السودانيين. على هامش المساحة الممتدة بين عقارين عتيقين، يقف وضاح يجاوره أحد زملائه، الذين جاؤوا معه من السودان، قبل يومين من الخرطوم، لشراء بضائع من القاهرة. وضاح (27 عاما)، الذي أعطى ظهره للعشرات من السودانيين، يجلسون خلفه على مقاه سودانية الطابع، مصرية المنشأ، يقول إن “هذه المنطقة تمثّل تجمّعا حيويا لأبناء السودان في القاهرة، حيث يأتي إليها كل صاحب حاجة، ويجد فيها المغتربون السودانيون ما فقدوه في بلدهم”.

بلهجة سودانية خالصة يضيف وضاح، أن “المنطقة يوجد بها كل ما يريده أبناء السودان من أطعمة ومشروبات وملابس سودانية، كما أن قربها من حي العتبة التجاري جعلها ملاذا مميّزا للتجار القادمين من السودان”.

ولا يقتصر الأمر في ممر السودانيين أو حارتهم على الطعام والشراب، “فمن يبحثون عن عمل من السودانيين يأتون إلى الحارة، ومن يرغبون في توفير مسكن بالقاهرة يقصدون السماسرة السودانيين، الذين يتجمعون عادة في أحد مقاهي الحارة”، بحسب وضاح. ويضيف وضاح أن “غالبية المتواجدين في المكان هم من التجار، خصوصا باعة الأقمشة، الذين يحضرون لشراء ما ينقصهم من بضائع ومستلزمات من أسواق العتبة والموسكى (سوق شعبي كبير مشهور بالملابس الجاهزة) القريبة من الحارة”.

سفارة شعبية

أبناء السودان الذين يتوافدون على الحارة، التي باتت أشبه بـسفارة شعبية لهم، يمثلون جزءا من السودانيين، الذين يعيشون في مصر، ويقدّر عددهم، وفق بيان للخارجية المصرية في نوفمبر 2015، بثلاثة ملايين سوداني.

ليس قرب المكان من الأسواق فقط هو الذي يجمع السودانيين في تلك الحارة وسط القاهرة، حيث يضيف عبدالقادر محمود، تاجر سوداني ( 40 عاما) سببا آخر يتمثل في “توافر مكاتب شحن البضائع من وإلى السودان، إضافة إلى حنين البعض من السودانيين لتناول أطعمة بلدهم في المكان”.

التجارة المصرية السودانية ليست سببا وحيدا في التجمّعات السودانية في حارة الصوفي، فـ”البعض من السودانيين يقيمون بشكل دائم في القاهرة، وبالتالي تصبح الحارة ملتقاهم اليومي مع بني جلدتهم”، بحسب عبدالقادر.

عبدالقادر، الواقف على الطرف الآخر من الحارة جهة شارع عبدالخالق ثروت، يضيف أن “عددا كبيرا من السودانيين المتواجدين في القاهرة جاؤوا إلى مصر لتلقي العلاج، وهذه المنطقة قريبة من المستشفيات الرئيسية، وبها الكثير من الفنادق الشعبية المتوسطة التي تناسب غالبية السودانيين بمصر”. ويُعامل السودانيون في مصر كمواطنين أصليين في البعض من الخدمات، وفق اتفاق بين البلدين منذ 2004، يقرّ الحريات الأربع (الدخول والإقامة والعمل والتملك)، وهو ما ساهم في جعل مصر من أكثر البلاد التي يوجد فيها سودانيون.
سوق السودان في القاهرة

معتصم زين، سوداني اعتاد المجيء إلى حارة الصوفي منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، وكان وقتها يوجد في المنطقة مقهى وحيد ومطعم لتقديم المأكولات السودانية، يحمل اسم العاصمة السودانية (الخرطوم).

الخمسيني السوداني، الذي يعمل كسمسار عقارات، يقول إن “المنطقة تذكرني ببلدي الذي انقطعت عنه منذ ما يزيد عن 20 عاما حين جئت للعمل في القاهرة، فلا أعود إلى السودان إلا للزيارة فقط”.

وعن توتر العلاقات بين البلدين وأثره على السودانيين في مصر، يقول إنه “عقب وصول المشاحنات بين البلدين أشدها، في مارس الماضي، ألقي القبض على بعض السودانيين من شوارع القاهرة، مع مضايقات لرواد الحارة، إلا أن الأمور عادت إلى طبيعتها”.

وسادت حالة من التوتر في العلاقات بين مصر والسودان، ومشاحنات في وسائل الإعلام، بسبب قضايا خلافية، منها النزاع على مثلث حلايب الحدودي، وموقف الخرطوم الداعم لسد النهضة الإثيوبي، الذي تعارضه القاهرة، مخافة تأثيره على حصتها من مياه نهر النيل.

ومع كل صعود لمنحنى التوتر بين البلدين، تنفي السلطات المصرية صحة اتهامات وتقارير إعلامية سودانية عن استهداف أجهزة الأمن للسودانيين في مصر.

سيدة القهوة

أبرز المشاهد التي يفتقدها زين بعيدا عن بلده، ويجدها في حارة السودانيين، هي أقداح القهوة والشاي المميّزة، حيث تجلس السيدة منى في مدخل الحارة تعدّ القهوة والشاي للرواد السودانيين، وتقدّمهما إليهم سيدة أخرى.

حديث زين يشير إلى سيدة سودانية، استعان بها أحد المقاهي المصرية في الحارة لإعداد مشروبات سودانية، لمواجهة قلة الإقبال على المشروب المصري، وتتقاضى السيدة أجرا يوميا، بينما تؤول الإيرادات إلى صاحب المقهى.

تقول منى التي تعرف بـ”ست الشاي”، وهو اللقب الذي يحبّه السودانيون لبائعة المشروبات والتي تعمل في المقهى “المكان يجمع ثلاث فئات من السودانيين في مصر، المقيمين بشكل دائم، والعابرين والتجار، وكل واحد من هؤلاء له احتياجاته، الأول يبحث عن الوطن، والثاني يريد رقم هاتف أو عنوانا أو مساعدة، أما الثالث فيبحث عن الربح والتجارة”.
في حارة الصوفي تباع "الويكة" و"الدكوة" وزيت السمسم والشطة والعصائر السودانية

ويوضح معتصم زين أن “معظم مقاهي السودان تعمل فيها نسوة، كما أن طريقة تحضير القهوة هناك مختلفة عن الطريقة المصرية، حيث تقوم السيدات بخلط مسحوق البن مع الحبهان (نوع من التوابل) ويتركن الإناء على النار حتى غليانه مرات متعددة، ثم يقدمنه إلى زبائنهن”.

ولا تقتصر الحارة على مشروبات أبناء السودان، فإحدى الفتحات الموجودة في ظهر عقار مطل على شارع عبدالخالق ثروت تقود إلى أشهر محلات الطعام السوداني في المنطقة، وهو يقدّم كل الوجبات السودانية تقريبا، بحسب المصري محمد شحاتة، مدير المحل.

شحاتة (35 عاما)، الذي يعمل في المحل منذ 2008، يقول، “نقدمّ الكِسرة السودانية، التي تشبه الفطير المصري، والبامية المفروقة التي تطهى بطريقة مميزة، ثم تهرس بأداة مخصصة لذلك، إضافة إلى وجبات القرصية والعصيدة بالتقلية (وهي عجين الذرة المخمر بالبصل المحمر) واللقمة، وكلها وجبات سودانية شهيرة، أما المشروب فهو ‘الحلو مر'”.

وفي رمضان يقول شحاتة، تتلاشى الحدود تماما قبل موعد الإفطار بين المقاهي والمطاعم، حيث تتحول حارة الصوفي إلى قرية سودانية واحدة وسط القاهرة، اذ يفترش الجميع مناضد الطعام والشراب، ويتقاسمون الضحكة والونسة والعفوية السودانية بانطلاق آذان المغرب”. ولضمان جودة المنتج، أحضر صاحب المطعم طباخا سودانيا، كما أن غالبية العمال من السودان، وأحيانا يكون الزوّار مصريين يأتون للتجربة أو حنينا إلى أكلات سودانية تناولوها من قبل. ولا تختلف أسعار الطعام السوداني كثيرا عن نظيره المصري، فبحسب شحاته، “يبدأ ثمن الوجبة من 20 جنيها (أقل من دولارين) ولا يزيد عن 50 جنيها”.

أما نادر السوداني وهو صاحب أول محل عطارة في منتصف شارع القهوة، فمنتجاته كلها سودانية وملابسه كذلك، وهو يتخذها نوعا من الدعاية لمنتجاته، يقول “منتجاتي تأتي من السودان، فنحن السودانيون نحبّ الروائح الذكية، ونستخدم العطارة في جميع الأكلات، وعندي ايضا السجائر السودانية التي لا يشتريها المصري لكن السوداني يعرف نكهتها ولا يدخن غيرها”.

ويبيع نادر “الويكة” وهي البامية المجففة و”الدكوة” الفول السوداني المطحون، وزيت السمسم والشطة السودانية، والعصائر مثل “الحلو مر” و”العراديب” وكلها تجلب من السودان. ويقول نادر، حتى عربة الفول اكتست بكساء أبناء النيل، والفول السوداني يوضع عليه الكمون المسمى “شمار”.

في الجانب المقابل لمطعم الأكلات السودانية، يقف السوداني عمر محمد (55 عاما) يقلب هو ومساعدوه أثواب القماش لرواد محله المتخصص في بيع الأقمشة، التي يصنع منها التوب (الثياب) السوداني.

ويسمي السودانيون هذا الثياب “على الله”، وهو قريب الشبه من الزي الأفغاني الشهير المكوّن من جلباب قصير وسديري وسروال.

أسعار الجلباب السوداني، كما يقول محمد، “تبدأ من 50 جنيها (3 دولارات ونصف)، وتزيد حسب نوعية القماش المستخدم، وغالبا يشتري السوداني قماشا خاما ثم يذهب به إلى خياط لحياكته”.

هكذا يقضي السودانيون حياتهم في مصر التي لا يعتبرونها بلاد غربة بعيدا عن التوترات السياسية بين الحكومات، فعلاقة الشعب ببعضه البعض علاقة تآخ لا تفسدها السياسة.
بواسطة : admin
 0  0  1361