• ×

04:20 صباحًا , الخميس 21 سبتمبر 2017

قائمة

عبدالرحيم حمدي و (نموذج الاحباط الخرافي)!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم
عبدالرحيم حمدي و (نموذج الاحباط الخرافي)!!
إذا كان الترابي المخطط الفعلي للمشروع الحضاري، الذي احال الدولة السودانية الواعدة الي حطام، فان عبدالرحيم حمدي هو مهندس سياسية التحرير او التخريب الاقتصادي بامتياز. اما جذور هذه الآفات التدميرية، فمرجعها ان المشروع الحضاري المزعوم، تاسس علي شفا جرف هارٍ، من الاوهام الدينية والخزعبلات السياسية! والحال ان فساد المرجعية لا يؤسس لفساد المنظومة فحسب، ولكنه للاسف يفسد حتي ما هو صالح او يحمل بذور الصلاح! اي يفسد الدين كموئل للقيم ومطمئن للروح، فوق انه يضر بالسياسة عبر حرفها عن اغراضها، كفن لادارة السلطة علي هدي المنافسة الحرة والاجماع العام، واحالتها الي مجرد شعارات جوفاء علي المستوي الناعم (الخطاب) او آلية عنف واقصاء علي المستوي الخشن (السلطة غير الشرعية). اما الاسوأ من فساد المرجعية، او بصورة ادق تجلياتها العملية، تتجسد في الانفصال عن المجتمع، ومن ثم استحقار افراده ورفض قيمه، وانكار امتداد جذوره في عمق التاريخ (متلازمة الانتقاء التاريخي او إدعاء بداية كتابة تاريخ جديد!) الشئ الذي انعكس علي عملية الهدم المتواصل لكل ممسكات الدولة وعوامل تماسك المجتمع، سواء كانت مؤسسات او مشاريع او احزاب او منظومة ثقافية، في الوقت الذي تم فيه تطبيق مكونات او تفاصيل المشروع الحضاري الهلامي، بكل عنجهية وقسوة يصعب وصفها او حتي مجرد تصديقها (اي بوصف الدولة والمجتمع هما امتداد للذات التي تسوجب الحرص والدفاع، شأنها شأن العائلة! بمعني آخر، اذا لم ينتمِ الانسان لوطن او مجتمع او عائلة الي ماذا ينتمي اصلا، علما بان هذا الانتماء لا يتعارض مع الانتماء الاوسع، سواء للانسانية او الدين او غيرها من المشاريع المتجاوزة للوطني والاهلي، وهذا ان لم يكملها او يثبت صحتها، علي اعتبار ان الاختلاف لا يفسد للود قضية او مبدأ عام، تنطلق منها تلك المشاريع او اقلاه كما تدعي). المهم، علي هذه الخلفية المنبتة، انقطعت صلات التلاقي و اواصر الود بين الاسلامويين والمجتمع المحلي، وهو ما جعل تنفيذ المخططات الاسلاموية الفاشلة، يتم بمنأي عن تقييم آثارها الاجتماعية، او وضع اعتبار للشرائح الاكثر تضرر (لا يصدف انها الغالبية المغلوبة علي امرها) من هكذا خبط عشواء، ينسب للمشاريع او السياسة او الدين زورا وبهتانا.
وبما ان اكثر المشاريع التصاقا بالجمهور او تماسا مع حاجاته الاساسية، هي المشاريع الاقتصادية، فقد كانت وصفة عبدالرحيم حمدي المفارقة، والثقيلة الوطأة علي الاقتصاد، والمنعدمة البصيرة والاحساس تجاه المجتمع، واحدة من اكثر السياسات اضرارا بالدولة ككيان، وفتكا بالافراد كمطالب واحتياجات واستقرار وامان. والحال، ان عبدالرحيم حمدي ليس غير مؤهل لتسلم زمام مسؤولية، علي هذه الدرجة من الحساسية والخطورة فقط، ولكن قبل ذلك، ان مدخله الي ادارة اقتصاد الدولة كان شاذ، بل وقسري نوعا ما! اي لم يتدرج في اروقة وزارة المالية والاقتصاد الوطني، ليتعرف علي الكيفية التي يدار بها الاقتصاد، او يزداد المام بطبيعة الاقتصاد الذي يسعي لتحمل عبء ادارته، او حتي وجود داخل الدولة ليكون علي دراية كافية بابجديات الاوضاع الداخلية في تشابكاتها المعقدة، او كذلك لم يُعرف عنه، ان له بحوث او دراسات او اهتمامات تتعلق بهكذا جوانب، او مجرد تواجد او تواصل مع مؤسسات اقتصادية دولية مبهور بها؟ ولكن كعادة الاسلامويين في تبسيط الامور، والانشغال بالعموميات والمظاهر السطحية والبعد عن المؤسسية، اضافة للغرام المرضي بالشعارات البراقة، وتغلغل عقدة الغرب، كمركب نقص بين جنبات نفوسهم، وخلجات مشروعهم المتهالك، الذي يحتاج لرافعة اي كان نوعها او مصدرها، لتسنده علي البقاء! دخل عبدالرحيم حمدي علي الاقتصاد المحلي (كالثور في مستودع الخزف) وهو مدجج بخلفية مصرفية مشكوك في نجاعتها، ووصفات دولية بنيت علي نظريات واقتصاديات، مفارقة لطبيعة ووضعية ومرحلة الاقتصاد المحلي، وبما فيه الثقافة الاقتصادية للعمالة ورجال الاعمال، ناهيك عن بقية العوامل المرئية وغير المرئية، المتحكمة في تفاعلات العملية الاقتصادية! والحال كذلك، يمكن وصف اقتصاد عبدالرحيم حمدي، بالاقتصاد المكتبي، الذي تسعده الارقام والحسابات والتقارير الورقية (الباردة)، كمعدل النمو والدخل القومي ونسبة التضخم..الخ، وليس الاقتصاد المجتمعي الذي يقيم في الواقع/المجتمع ويستمد منه توجهاته، وتاليا يتفهم احتياجات المواطن وكيفية تنمية الموارد وحسن استغلالها بمشاركة الجميع! وهذا غير ان علم الاقتصاد من اكثر العلوم بعدا عن التنجيم والدجل، لاعتماده علي الارقام والبيانات، التي لا تكذب ولا تتجمل! وبما ان هذا ما لا يتوافر لعبدالرحيم حمدي، لاختلاط حابل السياسة بنابل الاقتصاد والشعارات بالمشاعر، كان لابد له من اللجوء الي الي الارقام المضروبة والبيانات المفبركة، للتلاعب بالميزانية ورسم صورة اقتصادية تروق للنظام، اي عكس حالة اقتصادية زاهية من التقدم والرفاه، تشرعن وجود سلطة غير شرعية، بغض النظر عن احوال الواقع المناقض او اكتراث للهاوية السحيقة التي سقط فيها الاقتصاد. باختصار، الهمّ الاقتصادي موجه للخارج ومدي اعترافه بنجاح التجربة، وليس للداخل وتلبية مطالب واساسيات المواطنين. إذا صح ذلك، يصبح المشروع الحضاري هو في حقيقته مشروع احتلال (تقديم منافع ورضا الخارج علي مصالح وقبول الداخل؟) وتاليا عبدالرحيم حمدي لا يفرق شيئا عن اسماعيل باشا؟ وما يؤكد ذلك ليس تحويل الاقتصاد الانتاجي الي اقتصاد مضاربة، يناسبه الاستثمار في الارضي والاموال كسلع، وليس كمورد انتاج وتبادل سلع فقط! وانما تجيير اموال الدولة الناتجة عن بيع الاصول والممتلكات العامة، لصالح اغراض خاصة متعلقة بالتنظيم وافراده، والاسوأ من ذلك استثمارها في ذات الخارج، كضمان للتنظيم وافراده من غدر الزمان ومجتمع الداخل، فإذا لم يكن كل هذا احتلال فما هو الاحتلال، بل وما ضر الاستعمار؟!
فهل بعد هذه المسيرة المجللة بالعار والشنار، يحق للمدعو عبدالرحيم حمدي، الكلام عن اصلاح الاقتصاد او ارتفاع سعر الدولار (وهو احد آليات الخداع التي فهمنا مؤخرا /انها كعادة الانقاذ في الهروب من مواجهة الحقائق المرة باختراع مسميات ملطفة/ انهيار للعملة المحلية، كدلالة انهيار للاوضاع الاقتصادية؟) او غيرها من النكسات والخيبات الاقتصادية التي اسس لها! حتي ياتينا اليوم في لباس الحكيم الاقتصادي والناصح الوطني الامين. ولكن هذه المسالك الالتوائية الجبانة، مثل الانسلال من المصائب التي رمي بها ملافيظ حكومة الانقاذ الدولة، يعكس بدوره جانب من تبلد حس وغرور افراد هذه الجماعة المعتوهة، وتاليا بطريقة مداورة او خبيثة، اتهام الجمهور بالسذاجة والتشكيك في الذاكرة الجمعية؟ اما خلاصة ذلك فكان، استعلاءها علي المراجعة والنقد الذاتي! علما بان المسلكيات الاخيرة، لا تعني سوي النضوج والثقة السياسية والتنظيمية، قبل احترام الذات والآخرين! اي كتعبير عن محدودية قدرات الانسان واعتراف بقصوره، واصراره في الآن ذاته علي مواجهة هذا النقص، بمزيد من المحاولة والتجريب والتحدي، ومحصلة ذلك الانتصار او نيل شرف المحاولة. ولكن انَّي تتأتي ثقافة كهذه، لمن صفق باب الاجتهاد الوطني والمراجعة الجذرية خلفه بصفاقة، وذلك عبر ادعاءه امتلاك الحكمة وفصل الخطاب، بنسبة محدوديته الكامنة، الي اطلاقية القدرات الكاملة، ومن ثم الاحاطة بكل شئ علما؟ وهذا بدوره يقودنا لجانب آخر، في تناول ظاهرة الاسلامويين ومشروعهم السراب! وهي ان المشروع الوهمي (الحمل الكاذب!) لا يتسني حمله إلا لمجموعة افاكين و نصابين! وهذه واحدة من مزالق هذه الجماعة، بدلالة ان متابعة بسيطة لجملة تناقضات وانتهازية وحيل زعيمها الترابي (الذي لابد وان يطبع بطابعه الجماعة وانصارها؟) تكشف لنا بجلاء، عن مدي مأزومية هذه الجماعة، واستتباعا الدولة التي تدور في فلكها، والمجتمع الواقع تحت رحمتها. بمعني آخر، اذا كان الترابي واتباعه صادقين او صالحين كافراد، ناهيك ان يحملوا رسالة اصلاحية يبشرون به الآخرين، لقلل ذلك كثيرا من وقع الكارثة التي منيت بها الدولة، والمحنة التي طالت المجتمع، وقبل ذلك لعلموا منذ وقت مبكر، خطل مشروعهم الجزافي/الخرافي، وانصرفوا الي غيره، او اقلاه عملوا ما في وسعهم لاجراء عملية تحديثية (عقيمة) في بنية دينية محافظة، ممتنعة علي التحديث. اي ان يتم طرح قراءة مستنيرة للدين تستفيد من منجزات الحداثة! مع ان الاصل في اعتقادي هو العكس، اي تنزيل منجزات الحداثة بمنأي عن الدين، او عدم الاصطدام معه ومن ثم جعله قضية اولوية، وتاليا تقديم قضية الهوية علي قضية التنمية والمواكبة والعصرية، في وضع معيب للعربة امام الحصان! لان قلب الاولويات او الحقائق لا يشوش علي الوعي فقط، ولكنه للاسف يعمل علي قلب الوعي نفسه، لكي يستقيم من الانقلابات، اي بوصفه اصبح تابع وليس بوصلة او موجه، وتاليا ما يفترض انه سبيل مخارج ووسيلة حل، يتحول الي منظومة انغلاق ونظام رفض للحلول، وهنا تحديدا تتخلق الازمات المفضية للكوارث! وعليه يصبح، تجذيِّر الحداثة في المجتمع، كفيل بفهم المتن الديني بصورة اكثر انفتاح، وهذا لمن كان الدين اصلا هاجسه؟! وبكلام اقل تجريد، المجتمعات المسلمة متدينة مسبقا، وتاليا لا تعاني النقص في الدين، ولكن ما ينقصها حقا هو التنمية الشاملة، وليس مصادفة ان الاخيرة حاجات اصلية واساسيات مادية، وتاليا مصدرها ومحورها الحياة الدنيا و فهم قوانين الواقع الارضي. وعند القيام بذلك، تتحسن تلقائيا درجة واسلوب التدين، كجزء من حالة التحسن العام. وليس العكس كما يصر الاسلامويون علي تصوير المسألة، ليجدو مبرر لتملك السلطة واحتكار الامتيازات، وللاسف هنالك من يجاريهم علي هذا الهوس والهراء؟! وعموما، إذا ما تم ذلك (صدق الاسلامويين مع انفسهم قبل غيرهم) ما كنا لنجد تاسيس حزب علي اساس ديني، وحتي ان تم ذلك، فان انخراطه الحقيقي يكون حول تدبير شؤون المجتمع المادية وليست الدينية! وتاليا يكون المجتمع وحاجاته، محور الفكرة ومحدد المشروع، وليس احكام الشرع او اصول الدين! الذي بطبعه وطابعه ولد كاملا، ولا يحتاج للمزيد ولا حتي المحافظة، وإلا لما كان دين اصلا! ومن ثم تصبح المقاربة للدين او التدين هو الذي يفترض التحوُّل (اي يكتنفه النقص الابدي، وهنا يكمن مصدر الحرية والاستمرارية والذائقة الفردية في التجربة الدينية) او المحكوم بالتحوُّل كما يقال، كاستجابة لتبدل المجتمعات وتباين الظروف وتغير الاولويات.
وهذه البديهيات التي غابت عن الاسلامويين، في سعيهم المحموم نحو السلطة وامتلاكها الحصري، نجدها حاضرة بشكل او آخر، عند مصلح كالشهيد محمود محمد طه الذي تميز بالصدق والاخلاص والصلاح، الشئ الذي وسم الفكرة وظهر اثره علي الجمهوريين. ولذا ومها كان موقف الشخص (المحايد) او النظرة الموضوعية منهما، لا يسعه إلا الاعتراف بان الاشفاق علي المواطن وترقية احوال الوطن، كانت من اكبر همومهم. وكذلك الحزب الشيوعي، وبغض النظر عن ممانعة الديمقراطية في تجربته، وهو ما تثبته ليست ديمومة القيادة، ومصادرة اللجنة المركزية لمصير الحزب، وتحكمها في كافة الانشطة، ولكن يتوضح ذلك بصورة اكبر، في العجز عن تصريف الاختلافات إلا بالانشقاقات، وما يعقبها من قتل معنوي للمنشقين! إلا ان هموم الطبقة العاملة ومعاناة الكادحين كانت في صلب هواجسهم، وهذا في حال لم تكن السبب الاساس للتضحيات الجسام، التي اشتهرت عن الحزب واعضاءه. بل حتي الحركة الشعبية، التي اثبتت بانشقاقها الاخير، انها حالة سودانية اكثر منها حركة تقدمية؟ أي تحمل امراض الاجتماع السياسي السوداني، وليس وصفة لعلاج تلك الامراض؟! اي هي وغيرها مما يوصف بانها احزاب وحركات تقدمية بصورة ظاهرة او مستترة، انما هي في حقيقتها مأسسة لتلك الامراض، وشرعنة لديمومتها، أي صبغتها بطابع الحداثة! وهو ما يتطلب علاجا جذريا حاسما وسريعا، باعادة تاسيسها علي اسس حديثة، لا تشوبها شائبة احتكار او تخالطها شبهة استبداد! وهو (العلاج) بقدر ما هو معلوم للجميع، بقدر ما هو صعب الاجراء او الاضطلاع به من قبل الجميع! ليس لضعف الارادة ونقص الهمة، والاكلاف الباهظة التي ستدفعها العناصر المسيطرة، بوصفها سبب اساس في ازمتها، او ان الازمة هي مبرر وجودها و وسيلة سيطرتها فقط، ولكن قبل ذلك، لتغلغل تلك الامراض في نسيج ثقافة وتكوين نفسية، مكونات تلك التنظيمات واصحابها؟ كعادة الكنكشة في القيادة او رفض تداول المناصب وكراهة المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية (ولا يحتاج ذلك بالطبع لاقراره في نص دستوري او ترتيبه في شكل تنظيمي /رغم اهمية ذلك/ إذا ما كان ثقافة مشكلة لضمير الفرد وموجهة لسلوكه) وكذلك الامتناع او (الهروب الي الامام) من وضع برامج محدد، يتم الانتخاب علي اساسه، وعند نهاية الاجل، وبعد تقييم الاداء، يمنح صاحبه المباركة بالاستمرار، او الاذن بالرحيل، لاتاحة الفرصة للغير، ولا يعني ذلك الحكم بالاعدام، ولكنه يعني اكثر، المساهمة من موقع آخر..الخ، مما هو معلوم بالضرورة في المؤسسات والثقافة الحديثة. اما المفارقة المحزنة في كل ذلك، ان مبرر هكذا شرعية ناقصة وحداثة باهتة تطبع الاحزاب والحركات المعارضة، هو نظام الانقاذ غير الشرعي! وذلك بدلا من ان يحدث العكس، وإلا ما هو الفارق! اي برر وجوده (التبرير السابق) وجود ثقافة (لا صوت يعلو علي صوت مواجهة الانقاذ) المشرعنة لكل ما هو غير شرعي يكتنف الاوضاع المعارضة، قبل ان يردع كل من يتجاوز خطوط (هذه الثقافة) الحمراء! وقد يكون هذا الالتباس الذي يخيم علي وضع المعارضة، هو ما حكم بالارتباك علي حركتها، وقلل من تاثيرها وفاعليتها، وصولا لاضعاف مصداقيتها امام الجمهور العام. والمقصود بالطبع، عدم حسم مسألة الشرعية والحداثة داخلها (كاحزاب وحركات وتحالفات بينها) من خلال تبني المبدأ الديمقراطي، كنهج عمل وهياكل تنظيم بل ومبرر وجود! واستطرادا هي واحدة من اسباب بقاء الانقاذ حتي الآن، او العجز عن هزيمتها بالضربة القاضية، وهي مهزومة اصلا، بسبب فشلها المزمن علي كافة الاصعدة؟! اي المسألة اصبحت وكأننا حيال لا شرعيات تتعارك علي شرعية لا يعلم كنهها؟! المهم، حتي الحركة الشعبية كمولود جديد (نسبيا) علي الساحة السياسية، نجد ان انسان الهامش شكل واحد من مرتكزات خطابها ومحور نشاطاتها! وتاليا كل هذه المجموعات (رغم ما يحيطها من تقصير وعجز كما سلف) وجدت نفسها في صراع صفري مع جماعات الاسلام السياسي، التي لم تترك مجرد هامش للمناورة، وذلك ليس بسبب نفيها للآخر مبدئيا، ولكن في الاساس لتغييبها حتي القضايا التي يتجادل ويتنافس حولها المتنافسون؟! وهذا دون قول شئ، عن استنزافها طاقات وقيادات وافكار وتوجهات، تلك التنظيمات في قضايا انصرافية، تحرفها عن تكثيف الجهود وتوجيهها الوجهة السليمة، والمتعلقة ببناء دول حديثة، تستجيب لتطلعات المواطنين وتلبي احتياجاتهم ورغباتهم. وتاليا، الخروج من نفق الشرعية الانقلابية العدمية، التي لم توقف حال الدولة وتعطل احوال السياسة فحسب، ولكنها حرمت تلك الاحزاب من اختبار الواقع من موقع المسؤولية، وتحت رقابة الشعب وحكمه عليها، ومن ثم التخلص من الزوائد والضعف بين مكوناتها، والتركيز علي الجوهر والحقائق علي ارض الواقع، ومحصلة ذلك، البقاء للاصلح من البرامج والاكفأ من القادة. وهنا هنا فقط، يكمن الحل الامثل، او السبيل الوحيد للحصول علي تجربتنا الديمقراطية الوطنية الخالصة، او الديمقراطية بصبغتها الوطنية وصيغتها السودانية.
وعلي العموم، وكخلاصة لهذه الجزئية نقول، الانقاذيون بصفة عامة و(مرافيتهم) بصورة خاصة، كعبدالرحيم حمدي وغازي صلاح الدين واعضاء المؤتمر الشعبي كافة ومن لف لفهم، غير مؤهلين اصلا، لا اخلاقيا ولا معرفيا ولا وطنيا، لتصحيح الاخطاء او لترميم الخراب الذي اقترفوه بايديهم وبمحض ارداتهم، ولا في وسعهم رد الانتهاكات والمظالم عن الضحايا، والفساد عن تسميم البيئة العامة! وعليه، كل ما عليهم فعله حتي ياتي يوم الحساب الوطني، هو كف وصياتهم وادعاءتهم عنا، وكفانا تنطُّع و وهمّ؟!
وفي اتجاه آخر مغاير، او عن فاطمة السودانية او فاطمة الوطن:
قد يكون الحزن، خاصة عندما يكون مصدره الموت تحديدا (بوصفه تكثيف للحزن) غير موضوعي في تقييم مسيرة الفرد، ولكن مع المرحومة فاطمة احمد ابراهيم قد يكون الاختلاف، بحكم مخالفتها للعادات الانثوية والتقاليد السودانية، وانخراطها في الشان العام منذ نعومة اظفارها، بل ومن الوجهة التقدمية الاكثر صعوبة في مجتمع محافظ، وفي فترة اشد محافظة وتشدد مع النساء! وايضا ما يجعل الذاتي يختلط بالموضوعي، هو اختلاط حياتها الخاصة بالحياة العامة، لدرجة تنمحي فيها الحواجز والحدود. لذلك ما تم سرده من سيرتها المفعمة بالاسي والتحمل، حمل الكثير من المحطات المضيئة، التي تجعلها نبراسا لاجيال لاحقة. اي بوصفها تشكل رصيد مهم في بناء الشخصيات الملهمة (حتي لو كانت مجرد سيرة)، التي لكم تحتاجها كل الاجيال، خاصة في زمن غابت فيه هكذا ايقونات (نضالية وطنية تحررية اصلاحية) ليس مصادفة ان غيابها لعب الدور الاكبر فيما نعيشه الآن، من انصراف قطاع عريض عن الشأن العام. اي فاطمة ليست فرد عادٍ ولكنها تجربة ثرة، تعين علي المقاومة والانتصار علي كافة الظروف ومجابهة كافة التحديات، مهما كان حجمها او قلة المعينات والانصار. من هذه الوجهة الخاصة، فالمرحومة فاطمة نفسها كانت محظوظة، وهي تتلمذ علي قامات سياسية وفكرية واسرية، قل ان تتوافر بسهولة للكثيرين، وبكل ذاك الزخم والاشعاع. ولكن الاكثر تاكيد ان استعدادت فاطمة الذاتية، هي صاحبة الدور الاساس، خصوصا عندما صاحبت تلك الاستعدادت، حرص علي التطوير والتجريب وركوب الاهوال. لكل ذلك، شكل موتها الفاجع نوع من الصدمة، قبل ان يفجر ينبوع الذكريات العطرة والمواقف الشجاعة والخصال النبيلة والسيرة الجسورة، التي وسمت مسيرتها الطويلة. والجميل في ذلك، ان نموذج فاطمة خرج من هذه الارض ومن ذات المجتمع، مما يمنح الامل بانتاج نماذج مماثلة وان بشكل مغاير، تتواكب وتغاير الاجيال والاحوال والقضايا. وهو ما لم يتأخر كثيرا، و(حسن حظنا) يمنحنا مجموعة من الناشطات السودانيات، في مجالات الدفاع عن حقوق الانسان والديمقراطية، وغيرها من (مُدَافعات) قضايا الاستنارة والحداثة، في اوضاع ممانعة تفرضها سلطات بربرية انقاذوية متوحشة بامتياز، بل واكب هذه النضالات استعدادت اريحية لدفع كافة الاكلاف. وعلي العموم، نموذج فاطمة هو عين ما عايشناه في قصائد وشخصيات حميد الرمزية او المباشرة (اي المرأة الوطن القضية القيم الاصيلة..الخ، وبصفة عامة الانسان الانسان وليس الانسان النوع).
واخيرا، من الاهمية بمكان، تحويل حالة الحزن والسيرة العطرة للمناضلة فاطمة احمد ابراهيم، الي نوع من الجمعيات والمنظمات والمبادرات الاجتماعية، الحاملة لاسمها بكل رمزيته المشعة، والتي تستهدف مثلا التخلص من العادات الضارة كالختان وزواج القاصرات والصرف البذحي علي المناسبات الاجتماعية، وكذلك مساعدة النازحين والشماسة وغيرهم من الفئات الضعيفة والمهمشة، حتي يحين اون التخلص من اسباب الضعف، والتحرر من الظروف المنتجة للتهميش. وذلك لأن فاطمة التي علمنا وتعلمنا من سيرتها، مؤكد انها تكره لطم الخدود وشق الجيوب، لا لشئ إلا لانها اختارت الجانب الايجابي من التاريخ، او انحازت للقضايا الجوهرية والمبادئ الكبري، رغم اكلاف هذا الانحياز الباهظة. وعلي كلٍ يبدو ان هذا قدر العظماء. المهم، انجاز قدر ولو يسير من هذه الطموحات، هو ما ينصف مكانة ورمزية انسانة بكل هذه الروعة والسخاء، وعندها عندها فقط يمكن ان نقول اوفينا فاطمة حقها لترقد بسلام. وختاما، طبتِ حية وميتة امنا فاطمة، ومع قوافل الشهداء والصديقين وحسن اولئك رفيقا، بإذن الله.
آخر الكلام
يبدو ان الحياء غائب تماما عن الانقاذيين، فهم بكل بساطة يقتلون القتيل ويمشون في جنازته، وبراءة الاطفال علي محياهم! وهم كالعادة يراهنون المرة تلو الاخري علي ضعف الذاكرة الوطنية و(استغلال طيبة السودانيين، في امتهان رخيص لرخصة عفا الله عما سلف) وفي كل مرة يفشلون يعيدون الكرة بذات السيناريو المبتذل، ما يثبت صلتهم الوثيقة بروح واسلوب آل البوربون! ولكن طرد الجنرال الصغير والعوير الكبير والمجرم الطريد، من مراسم التشييع، يرسل رسالة واضحة للجميع، ان واقعة الانقلاب الدامية، وما اعقبها من جرائم وانتهاكات وفساد، مطبوعة في ذاكرة الامة، وتطعن بمخازيها (اللحم الحي) للوعي والقلب والوجدان، وان لهيب مطلب المحاسبة وانصاف المظاليم ورد حقوق الدولة وكرامة المواطنين، لن يخفت او يموت.
خارج النص
كلما تقترب مناسبة عيد الاضحي، إلا وتعود بي الذاكرة لنص الدكتور المحترم عمر القراي، عن ذات المناسبة. واشعر بمرارة العبء العجيب الذي تضعه هذه المناسبة، علي كاهل الفقراء، وهم اصلا ما ناقصين، وكأنه عيد وخراب بيوت! ونسبة لمحدودية قراء الصحف الالكترونية في الداخل او انحصارهها في شريحة الشباب كما اعتقد، لكم تمنيت ان يتوسع الدكتور القراي في هذا الموضوع، ويحوله لدراسة مستوفية كافة الجوانب، ويصدرها في شكل كتيب صغير، يوزع مجانا كل عام مع اقتراب هذه المناسبة/العادة المنهكة، التي تم تلبيسها لباس السنة، لتمنحها هذه الاخيرة كالعادة شروط الالزامية الدينية، التي يؤجر آتيها ويؤثم عاصيها ويحرج عاجزها. ولا ادري اي سنة تلك التي تعاقب الفقير علي فقره، وتجبر المسكين الذي لا يملك قوت يومه علي الاستدانة، او تقصيِّد ثمن الاضحية لمدة العام، في الوقت الذي لا تخدم فيه إلا الراسمالية المظهرية وسماسرة المواشي لتسويق بضائعهم باغلي الاسعار؟! اما مهمة الطباعة والنشر او التوزيع المجاني، بعد اخذ الاذن من/والتنسيق مع الدكتور القراي، فمتروكة لمساهمة وابتكارات كل من يسعي بحق لخدمة المواطن البائس (بغض النظر عن منطلقه او توجهه، وإلا ما هي مسؤوليته بالضبط تجاه المواطن والوطن) ليساعد في رفع الحرج عنه (المواطن)، بتوضيح زيف هذه العادة الضارة، وعدم صلتها لا بسنة ولا بمنطق ولا بمراعاة لوضعية الدولة الضائعة و اوضاع المواطنين المعدمين. واحتمال نجاح مشروع كهذا، يكون فاتحة خير للمساعدة علي نشر المزيد من الكتب، وتوسيع نطاق القراءة، بتقليل عبء نفقات الطباعة والتوزيع، عسي ولعل يعاد مجد القراءة وثقافة المكتبات العامة من جديد. والاهم، ان لا يترك المواطن البسيط نهب لخطرفات علماء السلطان الاثرياء، ومطرقة العادات الضارة وسندان التقاليد البالية، الجالبة للحرج والفتنة قبل الديون والسجون، ويا لها من اعباء يشيب لها الولدان وتنوء من حملها الجبال. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ودمتم في رعايته.
Name عبدالله مكاوي
بواسطة : admin
 0  0  243