• ×

06:12 مساءً , الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

قائمة

أساس البراءة في قضية عاصِم !!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 سيف الدولة حمدناالله

بخلاف خطأ المحكمة في التقييم السليم للبينات (وسوف نعرج لمناقشة ذلك لاحقاً) والذي إنتهت بموجبه لتقرير إدانة الطالب الجامعي عاصم عمر بتهمة قتل شرطي أثناء مظاهرة طلابية، وهو القرار الذي سيُفضي في الجلسة القادمة إلى صدور الحكم عليه بالإعدام في حال عدم عفو أولياء الدم، بخلاف خطأ المحكمة في ذلك، فهناك أسباب حقيقية وراء ما تكوّن من عقيدة راسخة لدى الشارع بأن سُلطات التحقيق قد "لبّست" المتهم هذه القضية لأسباب سياسية، وأنها تُريد من ذلك أن تقتص للقتيل لكونه جندي يُدافع عن النظام بتقديم رقبة أي واحد من الخصوم الذين شاركوا في المظاهرة التي كانت تُندّد به - أي النظام - ليدفع ثمن وفاة القتيل.

سُلطات التحقيق (الشرطة والنيابة) لا تملُك لساناً ترُد به على هذا الزعم، فهي تفتقر للحياد والكفاءة والإستقلال المهني، إذ كيف يتفق أن تتوصل سلطات التحقيق بمثل هذه السهولة للشخص الذي ألقى بالقنينة المُلتهِبة "ملتوف" على عربة الشرطة مما أدّى إلى إصابة القتيل بحروق تسببت في وفاته والفاعِل يقف بين مئات من المتظاهرين من أقرانه وهم في هيئته وعمره فيما تفشل نفس هذه السلطات للتوصُّل لشخص واحد من بين الذين تسببوا في مقتل 210 طالب بإطلاق النار عليهم في مقتل (الرأس والصدر) برغم أن هناك شهود رؤيا ومقاطع مُصوّرة تبيّن ملامِح وهيئات الذين أطلقوا النار، وتفشل في تقديم سوى متهم واحد منهم للمحاكمة والتي إنتهت ببراءته !!

ومن قبل ذلك، عجِزت هذه السلطات نفسها في الوصول للأفراد الذين أزهقوا أرواح صبية المُعسكر الطلاّبي بالعيلفون وتقديمهم للمحاكمة، فما فعله أولئك الجنود يُعتبر جريمة قتل عمدي، ذلك أنه وطبقاً للقانون لا يجوز إطلاق النار على الشخص الهارب من حراسة قانونية إلاّ إذا كان مُتهماً في جريمة مُعاقب عليها بالإعدام أو السجن عشر سنوات فأكثر.

ثم، أين محاكمة الذين تسببوا في مقتل الشهيد د. علي فضل؟ وعلي فضل كان شاب في كامل صحته وعافيته حتى لحظة إعتقاله، وبعد أيام من الإعتقال طُلِب من ذويه تسلّم جثته من مشرحة السلاح الطبي، وقد ثبت بموجب تقرير الطبيب الشرعي أن سبب الوفاة تعرّضه لتعذيب بدني بالغ أدّى إلى حدوث تهشّم في الجمجمة وكدمات في سائر الجسد، وبالمثل، أين تحقيقات هذه السلطات في جرائم القتل التي راح ضحيتها عشرات الشهداء مثل طارق و التاية ابوعاقلة و محمد عبد السلام وعلي ابكر موسى وسوميت.

هذه حقائق تقدح في كفاءة وحياد سلطات التحقيق وعجزها وإنقيادها للإرادة السياسية، ولكنها، بطبيعة الحال، لا تعني عدم جواز مساءلة الجاني في القضية موضوع المحاكمة لمجرد أن المتهم فيها من جانب المعارضة، بيد أن هذا المَسلَب (عدم حياد وإنقياد سلطات التحقيق)، يُعتبر العنصر الأساسي في براءة الطالب عاصم عمر، ذلك أنه وفي ضوء إنكار المتهم لواقعة قيامه بإرتكاب الفعل الذي أفضى إلى وفاة القتيل (قذف الملتوف)، فإن العمود الفقري لإثبات التهمة عليه يقوم على مسألة واحدة وجوهرية وهي ثبوت (تعرُّف) الشهود على شخصية الفاعل على نحو قطعي دون أيّ شك في أن يكون الفاعل شخص آخر غير المتهم، وهذا ما لم يحدث.

القاعدة التي أرستها سوابق القانون السوداني، أن أقوال الشهود في مرحلة التحري والتي تؤخذ عادة بعد وقت وجيز من وقوع الحادث وقبل تعرّض الشهود لمؤثِرات خارجية دائماً ما تكون أقرب للحقيقة، والذي يُطالع تلك الأقوال يجد أن كل واحد من الشهود (وجميعهم من زملاء القتيل) قد ذكر أوصافاً مختلفة للشخص الذي أطلق العبوة الحارِقة على عربة الشرطة، سواء في هيئته أو الملابس التي كان يرتديها، وذكر أحد الشهود أن الذي أتى الفعل كان يرتدي غطاء رأس، وحينما أدلى هؤلاء الشهود بأقوالِهم أمام المحكمة قفزوا إلى تعيين المتهم عاصم بإسمه ولقبه دون تردد (إستبعد الإتهام سماع شاهدين لإختلاف أقوالهما).

ليس هناك شيئ يؤكد تلفيق الشهادة وكونها مُتفق عليها ومُرتّبة مثل أن تأتي أقوال الشهود مُتطابقة وتشير إلى شخص واحد يُدّعى بأنه الفاعل وقد كان بين مئات من أقرانه وفي ظروف لا يتيسّر معها التدقيق في الملامح (أثناء صدام بين طرفين ووجود الشهود في عربة مُتحرّكة)، كما أن شهود الإتهام لهم مصلحة في أن يُقتصّ من الجاني لكونهم يعتبرونه خصماً لهم إذ تعرّض الشهود أنفسهم للإعتداء الذي أسفر عن وفاة القتيل، وهو نفس الأساس الذي إستند إليه الإتهام في إستبعاد شهادة ذوي المتهم في إثبات أنه كان بالمنزل وقت وقوع الحادثة لكونهم أصحاب مصلحة في براءة إبنهم.

ثم أن هناك قاعدة أرستها سابقة قضائية منشورة بمجلة الأحكام القضائية تقول أنه ينبغي على المحاكم الحذر في الأخذ بشهادة الشرطي، ويرجع السبب في ذلك، أن الشرطي شخص يعتاد على الشهادة وحلف اليمين بطبيعة عمله، مما يؤدي بتراخي شعور بالرهبة عنده من أداء اليمين وما يترتب على شهادته من نتائج.

ثم نأتي للحديث عن إنطباق وصف جريمة القتل العمد على الفعل الذي أفضى لوفاة القتيل، سواء كان الفاعل هو المتهم عاصم أو شخص غيره من المُتظاهرِين، ذلك أن القول بوقوع جريمة قتل عمد ينعقد حينما يكون الفعل المادي الذي يتسبب في الوفاة يُعتبر شروعاً في القتل إذا لم يؤدي للنتيجة وهي الموت، ويتحدد ذلك بحسب ظروف كل جريمة بالنظر للأداة المستخدمة في الفعل والنتيجة المُرجّحة لحدوث الأثر الناجِم عنه، فإذا قام الجاني بطعن المجني عليه بسكين على صدره أو أطلق عليه عياراً نارياً (حتى لو لم يُصِبه) يكون الفعل شروعاً في القتل، وفي المقابل، إذا رمى الجاني بحجر على المجني عليه أو لكمه بضربة من يده على أنفه لا يُعتبر ذلك شروعاً في القتل.

بتطبيق هذه القاعدة على الفعل الذي تسبب في وفاة القتيل، نجد أن واقعة قذف زجاجة مُلتهبة وهي من الأعمال الشائعة في أثناء قيام المظاهرات لا تؤدي للوفاة ومن ثم لا يُعتبر الفعل شروعاً في القتل إذا لم ينجم عنه موت، فالسلطات لا تُلاحِق الذين يقذفون بمثل هذه العبوّات بجرائم الشروع في القتل، وتطبيق هذه القاعدة يصلح بشكل مباشر في نفي وجود العنصر المعنوي لجريمة القتل التي أُدين بموجبها المتهم عاصم.

في الفقه الإسلامي، يسمّى رمي الجاني بأداة كالعصا والحجر على المجني عليه "القتل بالمثقَّل" وقد قال فيه أبو حنيفة: أن القتل بمثقل يُعتبر شبه عمد ويُوجِب الديّة وليس القصاص وإستند ابا حنيفة في ذلك على حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مئة من الإبل". المرجِع: كتاب في الفقه الاسلامي وأدلته، الجزء السادس لوهبه الزحيلي.

هذه، ولا شك، قضية براءة بما يحيط بها من شكوك كبيرة حول نسبة الفعل للمتهم طبقاً لما ورد من توضيح، وإذا كان هناك ثمة جديد تكشف عنه هذه القضية، فهي أن ما كُنّا نأخذه على النظام من عدم محاسبة جماعته عن الجرائم ضد النفس والفساد قد خطى مرحلة جديدة، فها هو يتخذ من أجهزة الدولة وسيلة للنيل من خصومه وإرسالهم بإسم العدل إلى حبل المشنقة.


سيف الدولة حمدناالله

saifuldawlah@hotmail.com
بواسطة : admin
 0  0  545