• ×

08:15 مساءً , الأربعاء 22 نوفمبر 2017

قائمة

انقسامات دولية بسبب أزمة الروهينغا.. التخاذل الدولي ليس جديدا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 أعلنت الأمم المتحدة عن افتتاح الدورة الـ72 للجمعية العامة، فيما ستكون المناقشة العامة يوم 19 سبتمبر وتستمر إلى غاية 25 سبتمبر بحضور رؤساء الدول والحكومات وغيرهم من كبار المسؤولين لعرض آرائهم بشأن القضايا العالمية الملحة. يأتي ذلك في خضم التركيز الدولي على ما يجري في بورما (ميانمار) مما أطلقت عليه الأمم المتحدة “نموذج كلاسيكي للتطهير العرقي” وسط دوامة عنف مشتعلة. لكن لا يتوقع المراقبون أن تخرج الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي عموما، عن نطاق التنديد والتعبير عن “القلق الشديد”، مخاطران بمنح الجماعات المتشددة فرصة لتحويل المنطقة إلى نقطة استقطاب جديدة.

العرب طارق القيزاني
الهرب من مأزق إلى آخر

برزت انقسامات دولية عشية اجتماع لمجلس الأمن الدولي (الثلاثاء 12 سبتمبر 2017) بشأن أزمة الروهينغا المتفاقمة في بورما (ميانمار)، مع إعلان الصين مساندتها للعملية العسكرية التي انتقدتها واشنطن فيما وصفتها الأمم المتحدة بأنها “تطهير عرقي” وأجبرت 370 ألفا من أبناء هذه الأقلية على النزوح إلى بنغلادش المجاورة.

يبدو أن التدخل الصيني يهدف إلى قطع الطريق على أي محاولة لفرض عقوبات على بورما في مجلس الأمن الذي يجتمع الأربعاء (13 سبتمبر 2017)؛ لكن وبغض النظر عن الموقف الصيني المستمد من علاقة الصين السياسية والتجارية ببورما، لا يعد مثل هذا الانقسام أمرا جديدا على المجتمع الدولي الذي ظل صامتا لمدة سنوات على ما يجري ضد مسلمي الروهينغا.

تكشف أزمة بورما عن معضلة عميقة يتخبط فيها المجتمع الدولي الذي ينادي من جهة بالقضاء على أسباب التطرف والإرهاب والمشاعر المعادية للآخر، لكنه يقف مكتوف الأيدي إزاء إخماد الصراعات الطائفية والعرقية المغذية للإرهاب الدولي.

وللمجتمع الدولي تاريخ طويل من التخاذل والتقاعس المتعمد أحيانا، ما تسبب في مناسبات عديدة في أن تأخذ مذابح وأعمال عنف ضد أقليات دينية وعرقية منحى أكثر مأساوية. واليوم يخاطر العالم بموقفه المتقاعس مما يحدث في أرض ميانمار بصناعة مأساة جديدة في وقت لا تزال ذكرى سربرينتشا ومذابح رواندا تلطخ سمعة المنتظم الأممي.

استثمار الأزمة

لا يخاطر المجتمع الدولي بموقفه المتردد بتوسيع نطاق الأزمة في شرق آسيا فحسب وإنما أيضا بمنح الجماعات المتحفزة للعمل المسلح استثمار الأزمة وتحويل المنطقة إلى نقطة استقطاب جديدة عالميا على الحدود بين بنغلاديش وبورما، وفي عمق بنغلاديش، البلد الذي يترنح أصلا في حربه ضد الإرهاب.

ولا يخفى وراء ذلك النفوذ المتزايد لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش الطامح إلى تثبيت قدم له في بنغلاديش وشرق آسيا عموما، وهي من الوجهات المرشحة لأن تكون بديلا لمنطقة الشرق الأوسط مع انحسار نفوذ داعش هناك.

لكن المخاوف تنبعث من دول المنطقة أيضا، فحتى وقت قريب نجحت إندونيسيا أكبر بلد مسلم في العالم والقوة الإقليمية في تحجيم أنشطة جماعات متشددة مثل جماعة “الحسبة” وأخرى تجاهر باستلهامها أساليب الدولة الإسلامية. ولا تبدو جاكرتا اليوم راضية عما يحاك حاليا من تهجير وقمع لأقلية الروهينغا بجانب المخاطر التي قد تؤدي إلى تأجيج المشاعر الانتقامية وإلى خروج المتشددين من القمقم. كما تنظر الفلبين بقلق بالغ إلى ما يحصل في راخين، أو أراكان كما يسميها مسلمو الروهينغا، وهو يكاد يكون نسخة من ذات القلاقل التي حصلت سابقا في جنوب البلاد مع الأغلبية المسلمة بجزيرة مندناو تحت إدارة جماعة أبي سياف.
بورما بلد التعقيدات الإثنية والسياسية

بورما بلد يقع في شرق جنوب آسيا على مساحة تمتد لنحو 680 ألف كيلومتر، يقطنه أكثر من 50 مليون نسمة، من بينهم أكثر من 10 بالمئة مسلمون، ويعرف الكثير من التعقيدات السياسية والإثنية.

يرقد البلد الآسيوي على تاريخ مظلم من الحكم العسكري (2011-1962) بجانب الصراعات الداخلية ومعارك التحرر مع المستعمر البريطاني، فضلا عن أنه كيان يتألف من إثنيات عديدة تقارب 140 إثنية في مقدمتها إثنية البرومان ذات الأغلبية العددية في البلاد، بينما تبرز أقلية الروهينغا المسلمة كإحدى أكثر الأقليات فقرا في بورما.

تعتبر بورما أقلية الروهينغا مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش رغم أنهم يقطنون بهذا البلد منذ عقود طويلة وتفرض الدولة عليهم قيودا في التنقل بجانب الحرمان من حقوق مدنية أساسية مثل الجنسية والعمل والخدمات الاجتماعية. وتمثل راخين معقل الروهينغا بؤرة للعنف الديني والطائفي في بلد يغلب عليه البوذيون بنسبة 90 بالمئة. يتحدث مسلمو الروهينغا الهاربين من الإقليم عن عمليات قتل ممنهجة يمارسها الجيش البورمي وجماعات بوذية.

يقطن في بنغلاديش المجاورة 300 ألف من لاجئي الروهينغا قبل تصاعد موجة العنف في أغسطس. وإذا استمر النزوح الجماعي للروهينغا بذات النسق نحو بنغلاديش فإنه يتوقع إفراغ بورما تماما من هذه الأقلية التي تشكل مع الأقلية المسلمة ككل 10 بالمئة من السكان بينما يقارب عدد الروهينغا المليون نسمة، عدا القليلين الذين التحقوا بـ”جيش إنقاذ أراكان”.

ومع أن الأزمة في بورما تعود إلى سنوات إلا أن موجة العنف الأخيرة لفتت بقوة أنظار المجتمع الدولي وأيقظت مشاعر غضب في العالم الإسلامي، خصوصا لدى الدول الإسلامية بشرق آسيا حيث شهدت ماليزيا وإندونيسيا مظاهرات منددة بأعمال العنف في بورما.

وبخلاف القلق في جاكرتا ومانيلا، فإن حالة السخط الإسلامي في شرق آسيا تزداد اتساعا من إيران وباكستان إلى ماليزيا، بينما يثير تحفظ القوتين الكبريين في المنطقة، الهند والصين، مما يحصل في ميانمار تساؤلات حول مستقبل المنطقة كما ينذر أيضا بحالة من الاصطفاف الطائفي والعرقي المخيف.

حتى الآن تتحدث زعيمة ميانمار الحائزة على نوبل للسلام أونج سان سوتشي عن حملات ممنهجة من التضليل بشأن مزاعم عن عنف مفرط في ولاية راخين وعن أجندات خارجية تروج للتشدد، وهو أمر وقفت على جانب منه عدة وسائل إعلام دولية وحتى وسائل التواصل الاجتماعي، غير أنه من غير المنطقي الذهاب بعيدا خلف نظرية المؤامرة في ظل فرار أكثر من 270 ألفا من أقلية الروهنيغا من البلاد منذ تصاعد الأزمة في أغسطس الماضي، إذ لا يبدو هذا متناسقا بشكل كامل مع التحفظ والتشكيك اللذين تبديهما حكومة ميانمار.

الأزمة الطائفية تضرب بأطنابها فعلا منذ سنوات في البلاد مع ما يرافقها من أنظمة فصل عنصري شبيهة بالأبارتهايد تستهدف الأقلية المسلمة وفي ظل قيود صارمة على حرية التنقل والتمتع بالحقوق المدنية. كما يواجه الجيش البورمي الذي يتمتع بسلطات دستورية واسعة اتهامات بانتهاج رد فعل غير متناسب مع ما يصفه بالهجمات “الإرهابية” من قبل “متمردي” الروهينغا من بين الذين اختاروا حمل السلاح.

في تقدير أولي للأمم المتحدة فإن سلوك الجيش البورمي يرتقي إلى حملات تطهير عرقي وجرائم حرب ضد الإنسانية، لكن من السابق لأوانه الحديث عن وجود احتمالات بالدعوة إلى إجراء تحقيق دولي مستقل أو إقرار تدخل دولي برعاية أممية من أجل منع سقوط المزيد من الضحايا في تلك المنطقة.

تلاحق الأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أساسا إلى بلجيكا، المستعمرة السابقة لوراندا، حتى اليوم اتهامات بالتواطؤ وتهيئة المناخ السياسي المضطرب لاندلاع أسوأ مذابح عرقية شهدها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين والتي راح ضحيتها 800 ألف رواندي في صراع قبيلتي الهوتو والتوتسي، مات أغلبهم طعنا وذبحا بالسواطير.

في ذروة المذابح سحبت الأمم المتحدة الجزء الأكبر من قواتها التي كانت مكلفة بتأمين المدنيين في عدة مناطق خطرة وتركت الآلاف من العائلات من النساء والأطفال تواجه مصيرها المأساوي لوحدها، رغم نداءات قائدها رويمو دالير بتعزيزها آنذاك.وللوقوف على المزيد من التواطؤ الدولي كشفت الإندبندنت البريطانية أثناء إحيائها الذكرى العشرين للمذابح، نقلا عن أرشيف الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن، عن وجود برقيات دبلوماسية بين الأمم المتحدة وأميركا وبريطانيا في ذلك الحين تحذر صراحة من مذابح وشيكة في رواندا.

وأظهرت الرسائل الدبلوماسية التي تم تبادلها في 25 فبراير 1994، قبل أسابيع قليلة من اندلاع عمليات القتل الجماعية في السادس من أبريل، أن الخارجية البلجيكية قد حذرت من تدهور الوضع الأمني في كيجالي من خلال برقية موجهة من رئيس البعثة البلجيكية في رواندا إلى بول نوتر دام سفير بلجيكا في الأمم المتحدة، وطالب رئيس البعثة في البرقية بزيادة قوات حفظ السلام. لكن جاء في رد نوتر دام على البرقية أن كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لا ترغبان في ذلك، وأنهما تدرسان سحب بعثة حفظ السلام الموجودة في روندا.

لم يكد العالم يستفيق من هول ما حصل في رواندا حتى جاء فصل جديد من التخاذل الأممي ليدفع مسلمو البوسنة ضريبته غاليا في إحدى أكثر المجازر فظاعة في الربع الأخير من القرن 20، حيث سقط ثمانية آلاف مسلم.

كانت مسؤولية الميليشيات الصربية واضحة في تفاصيل المجزرة غير أن المسؤولية الأخلاقية تلقى بدرجة أولى على الأمم المتحدة والقوى الكبرى كونها لم تبادر إلى اتخاذ إجراءات وقائية على الرغم من توافر كل عوامل الإبادة المنتظرة.

نظام إنذار بإبادة جماعية

في مسعى لاستخلاص الدروس قامت الأمم المتحدة خلال فترة رئاسة كوفي أنان بإنشاء منصب المستشار الخاص المكلف بمنع الإبادة الجماعية ووضع خطط وقائية منذ 2004 تكون بمثابة نظام إنذار بحدوث إبادة جماعية. ويتضمن النظام الإشارات التالية:

◄أن تكون للبلد حكومة شمولية أو قمعية لا تقبض على زمام السلطة فيها إلا فئة واحدة.

أن يكون البلد في حرب أو أن تسوده بيئة من عدم احترام القوانين يمكن أن تحدث فيها المذابح دون أن توثق بسهولة.

◄ أن تكون جماعة أو أكثر من الجماعات الوطنية أو العرقية أو العنصرية أو الدينية هدفا للتمييز أو تستخدم كبش فداء لتحميلها مسؤولية الفقر أو غيره من المشاكل الاجتماعية التي تواجه البلد.

◄ أن يوجد نظرية تقول إن الجماعة المستهدفة أقل من مستوى البشر، فهي “تجرد من الإنسانية” أعضاء هذه الجماعة وتبرر ارتكاب العنف ضدهم. وتنشر الرسائل والدعاية التي تدعم هذا الاعتقاد.

◄ أن يوجد قبول متزايد للانتهاكات المرتكبة ضد حقوق الإنسان للجماعة المستهدفة.

باعتماد هذه الإشارات يمكن ملاحظة أن أحداث بورما تشكل جرس إنذار لمستقبل مظلم في المنطقة حتى وإن كانت الحكومة المحلية تبدي عكس ذلك، لكن في كل الحالات فإنه يلقى على عاتق الأمم المتحدة تقدير مدى جدية الأخطار المحدقة بالأقليات المسلمة هناك وتداعيات ذلك على دول الجوار على المدى المنظور.
بواسطة : admin
 0  0  992