• ×

10:58 مساءً , الخميس 19 أكتوبر 2017

قائمة

بدرية سليمان (اللي اختشو ماتو)!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم
عبدالله مكاوي
بدرية سليمان (اللي اختشو ماتو)!!
السيدة بدرية سليمان، قد تكون الوجه المعاكس للمرحومة فاطمة ابراهيم، وذلك بالنظر لاسهام كل منهما في الشان العام! فحين نجد الثانية قضت عمرها تدافع عن المظلومين وتعمل لتحسين اوضاع المسحوقين، وتنافح عن الديمقراطية وحقوق الانسان، وكل ما يمت بصلة لترقية الحياة وتقدم الدولة، اضافة الي نكبتها الخاصة (سحل زوجها بطريقة وحشية) بواسطة نظام غشيم (انقلاب مايو)، اي نالت العبء الاعظم من كارثة الانظمة الشمولية. نجد الاولي انفقت عمرها وكل مواهبها وقدراتها، في نصرة النظم الشمولية والتمرغ في نعيمها، ولو كان ذلك علي حساب حقوق الضحايا وفساد الحياة العامة، ومن ثم قيادة الوطن الي دروب التيه والضياع! بل لا نتجني علي بدرية سليمان عندما نتهمها بانها واحد من الذين اسسوا لاكبر مهذلة تواجهها الدولة ومحنة تذل المجتمع! اي تشرعن للهمجية وتبرر للسطان قهر المعارضين واستحلال املاك الدولة واجهزتها ومؤسساتها، ليس من دون حساب، بل وتكسب هذا القهر والاستحلال مسوح دينية يؤجر مرتكبها! والمقصود ما يسمي بقوانين سبتمبر الشهيرة، التي ابتذلت الدين وصادرت السياسة وانتهكت حق المواطنة، وما زالت ذيول كوارثها تلاحق الدولة والمجتمع حتي الآن! في هذا المعني، قد نجد واحدة من المفارقات، التي تصدق عليها كلمة المحنة، التي جذرها في خطابنا الاعلامي استاذنا شوقي بدري، اي ما لا يمكن ان يحدث إلا في دولة كدولتنا المتقلبة (محكومة بثقافة الامزجة/العواطف وليس العقلانية/الموضوعية، مما يصح وصفها بالدولة غير الحكيمة، ومسيرتها السياسية بانها منزوعة النضج والرشاد، الشئ الذي جعل عاقبتها، والاصح عقوبتها العروش الخاوية!). اي ان تصبح كارثة الدولة الاسلامية، التي كانت جزء اساس من وصول الاوضاع المتردية الي مستويات غير مسبوقة، وتاليا احد اسباب ثورة المواطنين علي مايو (وهو ما كان يستدعي المحاسبة العسيرة للمتسببين فيها، ومن ثم اخذ الحيطة والحذر بقطع الطريق علي اي شبهات ناهيك عن احتمالات راجحة لعودتها!) هي نفسها ما يحكم البلاد بعد اقل من اربع سنوات، وكأننا في حاجة لتجريب المجرب (الساقط) لتحيِّق بنا واحدة من اكبر (الندامات/الكوارث) في تاريخ الدولة السودانية.
ولسوء الحظ، جثمت النظم الشمولية علي صدر الوطن معظم سني الاستقلال، وهي كعادتها شمولية محمولة علي اسنة الانقلابات، والاسوا ان من يقف علي راسها اقل اهل المؤسسة العسكرية كفاءة قيادية ودراية ادارية، وما نموذجي النميري والبشير إلا خير مثال، خاصة انه يجمع بينهما خليط من الجهل والغرور والطيش، ولو ان البشير يفوق صاحبه فسادا وخوارا! باختصار هكذا نماذج مفلسة، يستحيل في حقها مجرد ادارة ناد مغمور او جمعية تعاونية، ناهيك عن تسنم سلطة في دولة بالغة التعقيد الاداري، والحمولات الثقافية والحساسية التاريخية، كالدولة السودانية. ولكن ما يجعل هذا المستحيل ممكنا، هم نماذج بدرية سليمان واسماعيل الحاج موسي وسبدرات وغيرهم من كائنات مشوهة، استمرات التقلب بين النظم الشمولية بغض النظر عن شعاراتها المعلنة (اي لا تكترث قط، للون القط الشمولي، بقدر اهتمامها بقدراته علي منح الفرص لاصطياد الفئران، او النفاذ لموارد وثروات الدولة وتصدر المراكز الاجتماعية!) والحال كذلك، هي ليست ابنة الشمولية او نتاج لها، ولكنها في الاساس هي صانعة الشمولية، لا لشئ إلا لانها لا تقوي علي العيش إلا في مستنقع شمولي، تُغييب فيه معايير الرقابة والمحاسبة والشفافية وحكم القانون، وان كانت نماذجنا المختارة للمفارقة من اهل القانون! مما يدل علي تفشي حالة الانفصام الحاد بينها، وهي تتكون قانونيا ولكنها تفقتد لروح الانصاف وحس العدالة، وهو ما يشير بدوره الي ان منشأ العلة هو الثقافة التعليمية، التي تري في التعليم وسيلة حياة، اكثر من كونه مضمون قيمي ومحفز تحرري، ينحو نحو معرفة ظواهر الكون وموضعة تفاعلات الانسان فيه! وتاليا هي ثقافة تميل نحو تبرير استغلال الانسان، وتبديد موارد الدولة، وليس عقلنة الحياة والمحافظة علي البيئة وتنمية الموارد، كما تفترض المسؤولية التعليمية. وعليه يمكن ادراج التربية الشمولية في خانة (الثقافة الوسائلية!). وخطورة هذه الاخيرة، انها تحيل الحياة الي مشروع وسائل ممتد، تنحسر فيها الغايات الوطنية والمصالح العامة الي درجة العدم.
إذا صح ما سبق، يصح ان آلية الدكتاتورية تعمل بطريقة تبادل الادوار او المصالح المشتركة، بين الدكتاتور (الذي يجسد المنظومة) وتحركه سلوكيات جنون العظمة وغرائز بدائية، يندفع نحو اشباعها بكل الوسائل، لتفرز بعدها غرائز اكثر نهما وسلوكيات اكثر جنونا! وبين كائنات بشرية طُفيليَّة (اكثر ما يميزها ردات الفعل الاستجابية، وكانها ملائكة الدكتاتور التي لا تعصي له امرا، او ترفض ان تحقق له رغبة او تشبع له غريزة!) تقتات علي فتات هكذا منظومة موجهة بالكامل لخدمة فرد، لا يصدف انه كما سبق وصفه، نصفه مخبول ونصفه حيوان وحشي.
ولكن كيف تستمر هكذا منظومة عدمية او تخدم شريحة صغيرة من المواطنين الفاسدين علي حساب كل المواطنين؟ وحتما وواقعا لا تفتقد الشرعية فقط، ولكنها تقوم في المبتدأ علي نشر الظلم والفساد وانتهاك حق الغالبية واستباحة موارد الدولة؟! قد تكون اجابة واحدة شافية لهكذا تساؤل اشكالي، مسألة مضللة، ان لم تكن ضرب من المستحيل! بسبب التعقيد والالتباس وتتداخل عدد من العوامل، يصعب معرفة تاثير كل منها بصورة منفردة، او قياس حجم هذا التاثير، طالما الآلية الحاكم لعملها هي التفاعل او التاثير المتبادل بينها. ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو المجازفة بتناول احد هذه العوامل، وهو الشريحة المثقفة/المتعلمة الخادمة لهذه الانظمة، وتمثل السيدة بدرية سليمان افضل من يمثلها، وذلك بسبب سجلها الحافل في خدمة هكذا نوعية من السلطات الاغتصابية. فنموذج بدرية لا ينطلق في تعاطيه مع الشان العام، من اي مرجعية، لا وطنية ولا انسانية ولا مبدئية! وتاليا تصبح المرجعية الحصرية هي المصالح الخاص، التي لا تصدر إلا عن نفوس صغيرة واطماع كبيرة. ومن اجل تمرير هذه المصالح وتسويغ وسائلها، يتم ربطها بالشموليات والاصح باهم سماتها، وهي شعارات (وطنية او قيمية) فضفاضة، يصعب ان يختلف عليها اثنان. والمفارقة انه بقدر خواء المرجعية وفقر المحتوي، يكون حجم الشعار وشدة لمعانه وزيفه، كما انه يستخدم في ذات الوقت، لمنع الاعتراض وقمع المعترضين، ومن ثم تبرير الانتهاكات والتبذير لموارد الدولة في المتع والملذات الذاتية، من دون وازع او حساب! وهذا غير انه يسمح بتصنيع عدو وهمي، تعلق علي رقبته كل الاخطاء التي يصعب انكارها، او الفشل الذي يستحيل معالجته او تلافيه. وبما ان كل ذلك يترافق مع غياب برامج حقيقية او مشروع نهوض متكامل بالدولة، يستدعي الموضوعية والوضوح والدقة والاقناع! يتبع ذلك امتلأ الفراغ بالتضخيم المفتعل للمشاريع السياسية والتنموية الدعائية الكاذبة، وبالطبع افضل من يسوق هذه الشعارت الهراء والمشاريع الفاشلة، هم اهل الثقافة والعلم. ومن هنا كان المدخل العريض لزواج المتعة بين الدكتاتور والمثقفين (المُدَلِكين!). ولا تنبع اهمية اهل الثقافة والعلم للسلطويين من التبشير بالشعارات والتبرير للممارسات فقط، ولكن الاسوا تجميل وجه الدكتاتور، واضفاء الحكمة علي جهله والمشروعية علي نزقه! وهي في اعتقادي الوظيفة الاصعب والاكثر اهانة واذلال لاهل الثقافة والعلم، قبل ان تكون خيانة لكرامة العلم ووظيفة الثقافة ومسؤولية المثقف. والحال، ان هذا الموات الضميري، يشكل المدخل الاساس لانتهاك حقوق الضعفاء، وحرمانهم حتي من عدالة قضيتهم وحقيقة مظلمتهم، لدرجة يتحول فيها الضحية الي جانٍ بقدر قادر! وذات الشئ ينسحب علي موارد الوطن ومشاريعه، حيث يجري التعدي عليها، ليس بوصفه عمل تخريبي، ولكن لان السبيل الوحيد لحفظها واصلاحها هو التخلص منها. وبكلمة محددة، مهمة مثقف السلطة، هي قلب الحقائق وتلفيق البراهين، حتي تستقيم مع هوي السلطان من جهة، وتضليل الراي العام من جهة مقابلة.
إذا صح ذلك ايضا، يصح ان جزء اساس من جهل النميري وتهوره وفساد البشير وعنجهيته، يرجع تحديدا لنماذج كبدرية سليمان واشباهها، والذين نفخوا في جماجم فارغة (معرفيا) وغرائز منحرفة (سلوكيا)، بدلا من هدايتهم الي سواء السبيل، بأن مكانهم الطبيعي هو حضن المؤسسة العسكرية، التي شكلتهم علي هيئتها ودربتهم علي وظيفتها، ومن ثم اي تعدٍ لهذه المهام، يؤدي مباشرة لاضطراب احوال الدولة وفساد شئون المجتمع! اي يستحيل ان تقوم البندقية مقام القلم او يحل التغلب محل الديمقراطية. ويصح ان هكذا مهام في غاية الصعوبة بل والخطورة، بسبب عدم وجود ضمانات دستورية، ولكن هذا لا يبرر بحال من الاحوال، تركها او التحول عنها، او انكارها جملة وتفصيلا، والاسوا اعتبارها رجسا من عمل الشيطان.
وبناءا علي ما ذكر اعلاه، فان المثقفين والاكاديميين وكل من يشارك السلطويات المستبدة، مسؤولية السلطة المغتصبة، باي شكل كان! هم شركاء اصيلون في كل مآسيها وجرائمها، ولا تسقط هذه المشاركة او آثارها التدميرية بالتقادم. وكذلك لا اعتقد ان حكاية شهد شاهد من اهلها، او ان ياتي متاخرا خيرا من الا ياتي مطلقا، وغيرها من ذرائع عودة الحكمة متاخرة، والبصيرة بعد خراب سوبا، هي مسألة ذات جدوي او تبيح التسامح وغفران الاخطاء والتجاوز عن الجرائم والفساد! خصوصا عندما لا يتلازم مع الاعتراف، ليس الاعتذار فقط، ولكن تحمل عواقب تلك التصرفات والاعمال! وإلا لضاعت دماء الابرياء وحقوق الضعفاء واعتبارات الوطن ودروس العظة والاعتبار ادراج الرياح.
لكل ذلك لا اعتقد ان تصريحات بدرية سليمان بقصور السلم التعليمي، وتسببه في انحرافات الشذوذ الجنسي داخل الاوساط المدرسية، هي اعترافات ذات قيمة، وتاليا لا تمنحها اي نوع من المصداقية او شجاعة الجهر بالحق؟ اما إذا ما ادرجناها فيما يليق بسيرة وتاريخ بدرية سليمان، فيمكن اعتبارها نوع من الاعتزال المبكر، الذي يسبق الخروج الاجباري، من الترتيبات القادمة! والتي يبدو ان بدرية لن تجد فيها موطئ قدم، بحجة تصعيد عناصر شابة ودماء جديدة تحتاجها المرحلة القادمة، وغيرها من سياسات الانقاذ في شراء وطرح الانتهازية الثقافواكاديمية. اما مبعث سوء النية في بدرية وغيرها من الناقدين الانقاذيين، الذين ابتلينا بهم في الفترة الاخيرة، وكانها موضة انقاذية جديدة؟ انهم عندما كانوا يصمتون علي تخريب السلم والمنهج التعليمي، كان ابناءهم واقرباءهم يتعلمون في المدارس الخاصة، او يرسلونهم الي الخارج لزيادة التاهيل؟ وان من يتحدثون عن الضائقة المعيشية وشظف العيش، كانوا وما زالوا يرفلون في النعيم، ويمسكون بخيوط اللعبة الاقتصادية وادارة المال والاعمال، والدخول والخروج من البلاد كما يحلو لهم؟ وان من يشهرون ورقة الفساد في وجه الحكومة، كانوا انفسهم من وضع اسسه واعدَّ بيئته وشرع قوانينه؟ اي هم يشكون جزء اساس من الكارثة، وتاليا يستحيل في حقهم معالجة جذورها او مجرد التخفيف من اثارها وتبعاتها. واي جدالات عبثية عكس ذلك، هي ضياع للزمن، واعادة غبية لتناسل الكوارث بصورة اكثر عدمية؟!
اما ما يدعو للغيظ حقا، ان فرض هذا السلم التعليمي الاعتباطي او بدعة البكور او غيرها من التخبطات والقرارات العشوائية، تمت ببرود وغرور وعناد شديد رغم ان فشلها وعدم منطقيتها كان ملازم لميلادها، لدرجة ان الاحتجاج ضدها والاعتراض عليها وتبيان خطلها وخطورة نتائجها كان يبدو نوع البديهيات، التي لا تحتاج لاي نوع من المحاججة اصلا! وكأن نهج الحكومة الحاكم طوال هذه الفترة، هو اخذ العزة بالاثم؟! اما الاسوا من السلم التعليمي السيئ، فهو نوعية المنهج التعليمي نفسه؟ فمنهج تعليم الاساس عبارة عن نوع من التعذيب باسم حفظ السور، والارهاب باسم الفقه، والتشويش بخلط الجغرافية بالتاريخ بالعلوم؟! والمنهج بصفة عامة، عبارة عن نوع من التنظير الفطير لجماعات غير مؤهلة فنيا، وتاليا ليست لها صلة لا بالتعليم ولا بالتربية ولا بالمستقبل؟ ومرجعيتها الحصرية ايديولوجية متحجرة تمتح من تراث بائس، ويتبناها متزمتون لا يرون ابعد من ارنبة هوسهم، وكل همهم تنميط المجتمع علي ذات شاكلة، نفوسهم المريضة وثقافتهم الضحلة وعقدهم المستحكمة.
وعلي العموم، تجربة الانقاذ في الحكم علمتنا، ان لا نثق فيهم او فيمن يشاركهم او يتقرب منهم او يتزلف اليهم، باي مبرر او شكل كان! اي الانقاذ والتردي او السقوط، وجهان لعملة واحدة. والحال كذلك، يصبح المسلك الوحيد لاعادة الحياة للدولة السودانية، التي تعاني نزعات الموت الاخيرة، هي القطع مع الانقاذ كنظام ومنظومة عمل ورموز! وهذا او الطوفان، ان تبقي شئ لم يطاله الدمار او يغمره الفساد.
آخر الكلام
إذا كان للدولة السودانية ولو نصيب قليل من الحظ والتقدم، لكان نموذج بدرية سليمان يرزح في غياهب السجون منذ امد بعيد، جزاءا وفاقا لما اقترفته من جرائم في حق الوطن والمجتمع، بما يصح وصفه بجريمة الابادة الوطنية، لمقومات الدولة الحديثة، عبر مشاركتها في الازاحة للمبادئ والمناهج والقيم الديمقراطية والمؤسسية وحقوق انسان..الخ من التجربة السياسية، وقبلها جميعا المساهمة الفاعلة في تمكين دولة الاستبداد، وتجذيِّر ثقافته في البيئة العامة.
واخيرا عزيزتي بدرية الشذوذ والانحراف ليس جنسي فقط، فهذا بكل المقاييس اقلاها خطرا لمحدودية شريحته وتاثيره وسهولة علاجه! فالاسوا منه وبما لا يقاس، وفي حال لم يكن (الشذوذ الجنسي) احد افرازاته، هو الشذوذ والانحراف الفكري والوجداني والثقافي، الذي يعم بشره الجميع عندما يجد طريقه لسدة السلطة، بطريقة غير شرعية. والحال، ان هذا يشكل معظم تاريخ السلطة في بلادي، والذي للمفارقة ارتبط بتاريخ وسيرة ومسيرة السيدة بدرية. ولذا نهديها وامثالها من الاشقياء، مقطع الرائع دوما حميد مع اضافة بعض الاقواس بقصد التجاوب مع اعلاه.
اركز اركز
لا تجيب رخوة
يا متلبك بالادران
الحجر الاسود (الاعتراف)
ما هو البروة
وماها مكاوي الكعبة (الاعتذار) تجيها
حين ينكرفس توب التقوي (تتضارب المصالح وينكمش حجم الكيكة)؟!
ودمتم في رعاية الله.
عبدالله مكاوي
بواسطة : admin
 0  0  58