• ×

06:27 مساءً , الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

قائمة

الانقاذ وتحولات العقيدة!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم
الانقاذ وتحولات العقيدة!!

عبدالله مكاوي
بالعودة الي الوراء وصولا لميلاد الجماعة الاسلامية السياسية، وبعكس ما يروج عن ارتباط ذاك الميلاد بافول (دولة) الخلافة، نجد الارتباط الاوثق يتعلق ببروز منجز الحداثة، وفرض سطوتها المادية والمعنوية علي ارجاء المعمورة. والحال هذه، تصبح هذه الجماعات ردة فعل عكسية او استجابة سلبية لتلك الواقعة. وليس ادل علي ذلك، ان هذه الحركات تأسست وانتشرت في بيئة تعليم حديثة، وليس في معاهد دينية تقليدية، وهذا في حال لم تنال الاخيرة الازدراء واستصغار الشأن من الاولي. وهذا غير ان الخلافة التي تم ابعادها من الشأن السياسي علي يد اتاتورك، لم يكن لديها ما يغري بالامتثال لشروطها او الاقتداء بنموذجها (خصوصا نسختها التركية التي اتسمت بطغيان الخلفاء وعسف الرعية واضطهاد العرب!) إلا عندما تتخذ كرد فعل او بديل ضد الدولة، كاحد افرازات الحداثة المغضوب عليها.
اي الخلافة في المنشأ (الاخوانية) وحديثا(الداعشية)، وكذلك الدولة الاسلامية الاممية التي لا تعترف بالحدود، هي نوع من الانكار المَرضي او ردة الفعل الانهزامية، علي واقعية وفاعلية الدولة الحديثة. اما مصدر هذا الارق السيزيفي، فهو وهم تمثل عقيدة (مشروع) يفترض انها مثالية، ولكن هذا الوهم يصطدم بحقائق مغايرة علي ارض الواقع، من خلال دخوله في معارك خاسرة، ضد منظومة حداثية متفوقة بامتياز وعلي كافة الصعد، قبل ان يكون اصلها مدنس ومرجعها دنيوي. وهذا الارباك هو ما زود هذه التيارات، بنزعات العنف والتشنج والانغلاق في دوامة الوعي الدُغمائي. وهذه الارضية المشتركة، هي ما تجعل الفوارق بين الجماعات الاسلامية غير نوعية، بغض النظر عن طبيعة هواجس كل تيار. حيث نجد الاخوان المسلمين يسعون الي الحكم بكافة الوسائل، اما السلفية فهي مهمومة ببرمجة المجتمع علي طريقتها الخاصة، والدواعش كسلفية غير منضبطة او سلفية فائقة، فهي حريصة علي ابادة كل من ليس بداعش، من حجر او بشر. اما ما يجمع بينها جميعا، فهو التحايل علي ازمتها مع الحداثة، بتبرير الاستفادة من تسهيلاتها و تحليل استخدام وسائلها وادواتها.
وما يهمنا في هذا السياق، هم الاخوان المسلمون او الجبهة الاسلامية القومية، وتبنيها لعقيدة الدولة الدينية، المستهدية بالشريعة الاسلامية، والهادفة لاسلمة المجتمع والحياة! وهذا يعني فيما يعني، انها واحدة من روافد الجماعة الام (المصرية) او كصدي لدعوتها، ولذا نجدها تعاني من ذات امراضها وعللها، وبما فيها رفض كل خطوات التحديث التي كابدت الدولة السودانية في الوصول اليها. وباختصار، النظر للدولة (احد تجليات الحداثة) كعدو، والمجتمع المعاصر كجهالة (حسب وجهة منظرهم سيد قطب)، وحتي عندما لا يتم التصريح بذلك بوضوح، فطرح الجبهة الاسلامية يستبطن ذلك ( وما اعادة صياغة المجتمع/الانسان السوداني، إلا الوجه الآخر لتجهيله). والمحصلة، ان السلطة في عقيدتها ليست غاية فقط، ولكنها ايضا وسيلة انتقام من الدولة (ككيان واجهزة ومؤسسات) ومن المجتمع (كثقافة وروابط وعلاقات). وعليه، فعملية الاستيلاء علي السلطة، والسيطرة علي المجتمع بالقوة، كانت في صلب عقيدة الاسلاميين، وليس وسيلة عرضية يتم اللجوء اليها اضطراريا او عند انعدام البدائل! ونخلص من ذلك، ان تحطيم الانقاذ للدولة كمؤسسات واجهزة ومشاريع انتاجية وخدمية، وضرب المجتمع من الداخل، هو عملية متعمدة وعن سبق اصرار وترصد؟ وعليه، يصعب تسمية ممارسات الانقاذ بالاخطاء، ولكنها بالاحري جرائم مكتملة الاركان. بمعني، عقيدة الجماعة (مشروع الجبهة الاسلامية) هي في اصلها عقدة من الحداثة! والحال هذه، هي في الخلاصة حملة انتقام علي منجزات الحداثة، اولا، كوعي وثقافة، بفرض منطقها الخاوي وقيمها النفعية الغرائزية. وثانيا، كوسائل وادوات بديلة، وذلك، اما باستبدال ما هو قائم وموجود من هياكل او مكونات الدولة الحديثة، ببدائل متخلفة وبدائية، او بافراغ ما هو موجود من مضمونه الوظيفي وطبيعته المحايدة، ومن ثم اعادة توظيفه لاهداف خاصة بالجماعة واعضاءها. ومن هنا كان المدخل لظهور فقه التمكين الذي ابتدعته الجماعة، وشيوع ثقافة الغنيمة في التعاطي مع كل متعلقات الدولة ومواردها! وبكلمة مختصرة، تحولت دولة السودانيين لدولة الاسلاميين، وثقافة المواطنة الي غريزة ولاء للجماعة والاعضاء والبراء من بقية المواطننين.
المهم، هذه الفترة الاولي تجسيد لمرحلة العقيدة الدينية، وهي ما يمكن تحديدها بالفترة من (89 الي 93/94م). وقد اتسمت كما سلف بالنزعة الانتقامية من الدولة والمجتمع، والتي تمظهرت في الصالح العام وبيوت الاشباح وثورة التعليم وتجهييد (جهاد) حرب الجنوب، مرورا باعادة هيكلة الدولة ووظيفة اجهزتها ومؤسساتها، وليس اخيرا بانتهاج سياسة التحرير الاقتصادي (التي استباحت الممتلكات العامة ورفعت حماية/مسؤولية الدولة عن المجتمع). وايضا هي الفترة ذاتها التي شاعت فيها الخطابات والشعارات والمظاهر والمسميات الاسلامية من كل صنف ولون، علي الاشكال والالسن والمؤسسات والطرق، ولم تنجُ منها حتي المتاجر الصغيرة و وسائل المواصلات وعربات النقل (واحتمال صالونات التجميل وبوتيكات الملابس ومحلات الكيف؟!). وما تلي هذه الفترة من اوضاع، اي منذ العام (94 الي 2002/2003م) كان انعكاس لتلك المرحلة! اي ما احدثته من فراغ/خراب مؤسسي (بسبب تشريد الكوادر المؤهلة وتسفيه اللوائح والقوانين الضابطة للعمل) وتجفيف مصادر الانتاج، وحصار دولي بسبب السمعة السيئة في ملف حقوق الانسان ودعم الارهاب، ومن ذلك ايضا التقارب مع الدول والتيارات المنبوذة وتوسيع نطاق الحرب، واقصاء القوي المعارضة من المشهد السياسي. ليخرج بعدها الصراع علي السلطة الي العلن، ويُحسم لصالح البشير وليس الترابي؟! وهذا بدوره يعني، التشييع الرسمي لمرحلة العقيدة الدينية، وبداية الارهاصات لتبني العقيدة التالية، وهي العقيدة المالية، التي تزامنت مع انتاج البترول بصورة تجارية. وفي مرحلة العقيدة المالية لم يتم الاكتفاء باموال البترول فقط، ولكن ايضا تم الانفتاح بشراهة علي الاستدانة من الخارج، بعد ان فتحت اتفاقية السلام الشامل وضمانات اصول البترول والارض، بعض الابواب المغلقة امام الانقاذ. المهم، اهم سمات عقيدة المال الممتدة من (2003 الي 2011م) هي الصرف البذخي علي المناصب الدستورية والاجهزة الامنية والعسكرية والشرطية والجهادية، وشراء الانتهازية السياسية، وتدجين موظفي الدولة، وتشييد بعض المشاريع السياسواقتصادية الدعائية كسد مروي، وكذلك برز في هذه المرحلة بشكل واضح، استثمار مناصب و وظائف ومؤسسات الدولة بعد تحولها للانشطة الاقتصادية! وباختصار شديد، تم استبدال شعار الدين (هي لله) بشعار المال (هي للدولار)، وذلك تم دون ان يرف لهم جفن او ينكسر لهم خاطر! اما اهم افرازات هذه المرحلة (العقيدة المالية) فهي فتح المجال واسعا لعمليات النهب المنظم للدولة ومواردها، و وصول الفساد المالي المدي المافيوي، الذي لا يمكن السيطرة عليه او علي تبعاته.
ولكن بعد انفصال الجنوب العام 2011م، وانحسار الموارد المالية، ومن ثم عجز العقيدة المالية، عن تلبية الرغبات والطلبات والتطلعات غير الطبيعية، كان لابد من استبدال عقيدة المال بعقيدة اخري، تكون اكثر مقبولية، لتفادي غضب الشعب بسبب الضائقة المعيشية، خصوصا وقد تزامن ذلك مع اجواء التحرر الجزئي للشعوب العربية، بعد كسرها حاجز الخوف، وخروجها الي الشوارع، لتعبر عن رايها الحقيقي في حكامها الفاسدين وانظمتهم المتهتكة! ومن هنا كان ميلاد العقيدة السياسية. وبما ان اللجوء للعقيدة السياسية كان اضطراريا! فتاليا اكتنف تلك العقيدة كثيرا من الزيف وعدم المصداقية او القدرة علي الاقناع، لذلك تميزت هذه العقيدة، بالتهافت علي طرح المبادرات السياسية الفطيرة، والحرص علي استقطاب عناصر المعارضة الهشة او صناعة معارضة (تايوانية/تقليد) موالية، وتقديم عديد التنازلات للغرب وبصفة خاصة امريكا. ومن اهم ملامح هذه المرحلة، انعقاد ما يسمي بالانتخابات، وهي كالعهد بها تندرج في خط الاستفتاء، علي شرعية سلطات غير شرعية، ومقبولية اوضاع لا تطاق. اي انتخابات محسومة النتائج سلفا، وتاليا ليس لها قيمة، إلا في هدر الموارد، التي تتسرب الي جيوب وارصدة ترزية العملية الانتخابية وسماسرة حملاتها الدعائية! ولكن الاسوأ من ذلك، اتسامها بالادقاع التنظيمي وسوء الاخراج الفني، ليصدق عليها وصف الانتخابات المخجوجة، او الصناديق المحشوة التي وصل بها الحال للاستعانة باهل المقابر. وكان قد تزامن في ذات المرحلة، الدخول في متاهة حوار الوثبة، وما صاحبه من ترهل وثرثرة (طق حنك) وصمم، حتي كلَّ متن، كل من يطرق بابه بالنصح المبين قبل ضحي الغد! ليفضي في خاتمة المطاف الي محاصصة سلطوية في غاية البؤس، وهي تضع كل السلطات والامتيازات، بصورة صريحة او ملتوية، في يد البشير وزبانيته! اي تمخض حوار الاستبداد ليلد طاغية، تملك كل اسباب الديمومة في السلطة، وادوات البطش والتنكيل بالاخرين. وكل ذلك يحدث بالتوازي مع حالة تدهور عامة بل وغير مسبوقة، طاولت السياسي والاقتصادي والامني والاجتماعي والصحي والبيئي..الخ، وكأن الدولة تقاد بواسطة عميان الي هاوية ليس لها من قرار؟ وعموما خلاصة هذه العقيدة، هي التسويف وشراء الوقت والالتفاف علي امهات القضايا والحاجات، والامتناع عن الاستجابة لصوت العقل والتجاوب مع مصالح الدولة العليا.
والسؤال الذي يطرح نفسه، بعد رفع العقوبات الاقتصادية المشروط والتهليل المصاحب لها، هل دخلنا حقبة العقيدة الامريكية، التي تري في يد (ارادة/قدرة) امريكا كل الاوراق والحلول، وتاليا الاكتفاء (الايمان) بامريكاء وشراء رضاها باي ثمن، عوضا عن تقديم تنازلات حقيقية لصالح اعادة ترتيب الدولة السودانية علي اسس حديثة، تستوعب كل مواطنيها وتكويناتها في علاقة من التراحم الاجتماعي والتراضي الوطني. ام ان الامر لا يعدو كونه واحدة من افرازات العقيدة السياسية الباهتة، وتاليا رفع العقوبات الاقتصادية وتحسين العلاقات مع امريكا، وبغض النظر عن حجم التنازلات وطبيعتها، هو ما يمثل المقوي (فيتامين/جلكوز) المنعش للعقيدة السياسية المريضة، عسي ولعل يرفع عنها القدر المحتوم.
يتضح مما سبق ان عقائد الانقاذ المختلفة، هي عقائد مصطنعة، تستفيد من المعطيات، والاصح تنتهز الفرص المتاحة، لخدمة اغراض آنية تتعلق بالمحافظة علي السلطة واحتكار الامتيازات! والحال هذه، تصبح السلطة وامتيازاتها هي العقيدة الثابتة او الايمان الراسخ، وما دونها عقائد متحولة بتحول الظروف وتباين المصالح، وبما في ذلك العقيدة الدينية (مشروع الجماعة ومبرر شرعيتها؟)، بل الارجح انه بسبب هذه العقيدة النفعية الانتهازية المراوغة، يتم التلاعب بالمبادئ والقيم، ومن ثم الانفتاح علي التبدل والتحول العقدي المصلحي باستمرار. والحال كذلك، تصبح اهمية تبني العقائد بديلا عن البرامج، هي اضفاء مسحة من القداسة علي الرغبات الجامحة والتبرير للجرائم والانتهاكات والفساد، لقطع الطريق امام التساؤل والمساءلة والاهم التطلع للبديل. والدليل متي كانت القداسة تسمح بالتغيير؟ وإلا ما هو المقدس فيها تحديدا؟ وهذا ما يستوجب ازاحة القداسة من السياسة بصورة حاسمة، شأنها شان الامور المصيرية التي لا تحتمل التردد او التلكؤ، وإلا اضطربت الاحوال وعمت الفوضي.
وعلي كل عقائد الانقاذ ليست فاسدة فقط، ولكن لها قابلية افساد كل شئ! وتاليا لا تكمن الخطورة في اعتناقها او الاستفادة من فرص الفساد التي تتيحها، انما الاسوا من ذلك، انها تضعف شروط مقاومتها، عبر مصادرتها الوعي والامل والارادة، او فاعلية الشرائح الناشطة في المجتمع، قبل ان تكرس جهدها في ضرب المعارضة وتشتيت شمل المعارضين، ودفع الشباب او القوة الحيوية لمغادرة البلاد. وهذا بدوره ما يستدعي العمل علي جبهتين، اولا، العمل داخل المعارضة عن طريق، تجديد شعاراتها ووسائلها ونشاطاتها او مضاعفة جهدها لصنع البرامج البديل، اي تحويل العمل المعارض الي نشاط جاذب وباب امل ووسيلة عملية، لاحداث تحول جذري في اوضاع البلاد المزرية. وثانيا، محاصرة الانقاذ في مستنقع فسادها، وعدم مد طوق النجاة لها باي وسيلة، سواء عبر اجراء حوار معها، او تصديق رغبتها في اجراء اصلاح داخلي هكذا ضربة لازب، او عبر مشاركتها فخ الانتخابات المنصوب. لان الاكرم لنا في اعتقادي، هو اعلان العجز عن مواجهة الانقاذ والتسليم او الاستسلام لها، من خداع الذات، عبر الحوار او المصالحة او المشاركة في الانتخابات؟ وذلك لانه رغم تصديقنا لنيات من يتبني هكذا خيارات تجاه الانقاذ، إلا انه لا يمكننا الغاء عقولنا وخبراتنا وتجاربنا المريرة مع الانقاذ، وتصديق ان هكذا نظام يفتقد المصداقية والالتزام ويدمن الغش والخداع، وقبلها يؤسس منظومته علي الاستبداد والفساد، يمكن ان يسمح بانجاز حوار ذي جدوي (يستهدف وجوده وإلا فقد مبرره!) او اجراء انتخابات شفافة تطيح به! والسبب كما سلف ذكره، ان الانقاذ لم ترتكب اخطاء في حق البلاد والعباد، ولكنها اقترفت جرائم وانتهاكات، وهذا ما يستوجب المحاكمة والعقاب، وإلا اصبح لا معني لقيم العدالة ومطلب الانصاف! بمعني، الانقاذ واهلها مدركون لطبيعة مصيرهم، سواء عبر الانتخابات او غيرها من الوسائل، اي المحاسبة والملاحقات الجنائية، وعلي راسهم البشير الذي وفر لهم بيئة الفساد وارضية الجرائم والانتهاكات. وخلاصة ذلك، الانقاذ لا يسعها ترك السلطة بصورة جزئية، ناهيك عن تقديمها للغير كاملة بطيب خاطر، الشئ الذي جعل ارتباط الانقاذ بالسلطة اقرب للرباط الكاثوليكي، وتاليا لا يفصلهما إلا الازاحة الجبرية! اما كيف يتم ذلك ومتي؟ فهذا واجب ومسؤولية كل من يري في الانقاذ كارثة، جاثمة علي صدر الوطن وكاتمة لانفاس المواطنين.
آخر الكلام
الالتقاء مع النظام في حوار او مصالحة او انتخابات، هو بمثابة شهادة زور علي جريمة كاملة الاركان. وهذا ما لا يتصور في حق من يحمل مشروع او مجرد رؤية موضوعية للتغيير، او للتأسيس لدولة المواطنة والديمقراطية السودانية، والتي من دونها لا معني لكل هذه التضحيات والخسائر والصبر المرير. وبكلام واضح، لا فائدة ترتجي من اي عمل او نشاط معارض، إذا لم يتعلم من كل هذه الاخطاء والتجارب الفاشلة، ويتوصل للقناعة التامة بفشل مشاريع الاستبداد، بمختلف تشكلاتها واسماءها واطوارها، وخطورة ترقيعها او تصديق وعودها او قبول التعايش والتصالح معها، وتاليا اليقين القاطع باستحالة اصلاحها، لافتقارها مسبقا لمقومات الاصلاح! لانه ببساطة، الاصلاح يعني تفكيكها ونفيها واخراجها من اللعبة! من يتصور ذلك، طالما كانت تملك ادوات دفاعها؟! واخيرا، مع متلازمة الاستبداد، لا فرصة للنجاة او المستقبل او الحياة الكريمة.
بعيدا عن الموضوع قريبا من سويداء القلب:
شاهدت علي قناة ام درمان برامج، استضاف الطبيب راشد اللدر، مدير مركز نورة لامراض وزراعة الكلي للاطفال، وهو تابع لمستشفي سوبا التعليمي، واول ما لفت نظري، بل سبب مكوثي حتي نهاية اللقاء، هو وقار وتواضع وسماحة نفس هذا الطبيب الرائع. فهو والحق يقال، النموذج للطبيب الانسان والمواطن الصالح، ولا اتجاوز الحقيقة عندما اقول ان هذا الطبيب المميز رد ثقتي ليس في مهنة الطب التي خالطتها التجارة، وفي الاطباء الكبار الذين طاولهم الجشع فقط، ولكن اكد لي ان الوطن مازال بخير، وهو يحتضن بين جنباته هكذا نموذج، قابض علي جمر المهنة، وساهر علي راحة المرضي، ومهموم بترقية المهنة وايصالها لكل صاحب حاجة، وذلك في احلك الظروف. بل يتجاوز ذلك للاهتمام بجوانب اخري تتعلق بمستقبل المرضي (الاطفال). واقصد بذلك، ان المركز عمل ما بوسعه وما زال يسعي لاتاحة التعليم للاطفال المرضي، حتي لاتفوتهم فرصة التسلح للمستقبل. وكذلك فهمت من حديثه ان هنالك نماذج زرعت كلي و واصلت حياتها بصورة طبيعية بما فيها اكمال التعليم، مما يشير بدوره للصلة والترابط بين المركز والمرضي، حتي بعد اكتمال شفاء المرضي ومغادرتهم المركز. وكذلك اشارته لجهود ومساهمات طوعية من شباب وجهات داعمة، وهذا بدوره يؤكد بقاء القيم والنشاطات الخيرة وبالطبع الخيرين وسط كل هذه الانهيارات. واخيرا ليس في وسع المرء إلا شكر الدكتور راشد اللدر وكل المتطوعين بالمركز، ويمتد الشكر لشباب شارع الحوادث ونفير وقرفنا وشباب 27 نوفمبر وشهداء سبتمبر وشباب حزب المؤتمر السوداني وطلاب دارفور والجامعات بصفة عامة، ولجنة اطباء السودان المركزية، وكل من يسلك دربهم او يستن بسنتهم، وهم يقاومون هذا الاحباط والتردي، بالمزيد من العمل الايجابي وقبول التحدي، ويثبتون ان العمل ممكن والمحاولة شرف والخلاص بايدينا. وننتهز هذه الفرصة ونطلب من الجميع التوثيق لهذه النماذج المضيئة، والمختبئة في الامكان المعتمة، اقلاه حتي ننظف سمعنا ونطهر اهتماماتنا، من سيرة اساطين الفساد كطه عثمان ورهطه، ولينعم وجداننا الوطني الشقي، بلحظة رطبة وسيرة عطرة يجسدها اولئك النبلاء. ودمتم في رعاية الله.

عبدالله مكاوي
بواسطة : admin
 0  0  552