• ×

06:30 مساءً , الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

قائمة

عن صراحة بكري صالح او (انقلابات وانقلابيون)!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم
عن صراحة بكري صالح او (انقلابات وانقلابيون)!!

عبدالله مكاوي

اعتقد ان جزء اساس من ازمتنا الراهنة، يرجع لتصديق او التعايش مع الاجسام المزيفة القائمة، من برلمان ومؤسسات واجهزة وغيرها. وتاسيسا علي ذلك، كل ما يتم تعاطيه من اخبار وتعليقات وتحليلات تنخرط في ذات الاتجاه، اي كرد فعل علي ما يصدر عنها من اقوال واعمال وخطط ونيات مستقبلية، تصبح نوع من التضليل الطوعي او صناعة حقائق (بدائل) وهمية، تسمح بنوع من التواجد من اجل التواجد او التعبير الخافت (باهت الاثر)، والاصح التغطية او التستر علي حالة العجز العام الذي يحكم الواقع المعاش. ولكن من ناحية اخري، احتمال هذا الزيف العام والخداع المتبادل، يمثل حاجة ضرورية للبقاء، او للتحايل علي مخاطر المواجهة، وما يترتب عليها من احتمالات الخسران وصولا للفناء، وذلك حتي الوصول الي النقطة الحرجة، التي تتعادل فيها الكفتان، واحتمالات ترجيح كفة المخاطرة، عبر كسر حاجز الخوف، وعندها ينفجر البركان الثوري، بكل ما يحمله من وعود وسيولة وقلق صناعة الوجود، وفق معايير طموحة ليس اقلاها حفظ كرامة المواطن، وهو بطبعه قلق محفوف بالمخاطر، بسبب ارتفاع سقف الامنيات واتساع مساحة التعبير والممارسات، وذلك بالتوازي مع غياب الدروب الواضحة والمخارج الآمنة، وهشاشة الحوامل الديمقراطية في طور التكوين، وهذا ناهيك عن عبء التركة الكارثية للانظمة الانقلابية، الشئ الذي يستدعي توافر نخب مستبصرة قلبها علي الوطن وليس السلطة، وجمهور واعٍ بمتطلبات المرحلة، وقادر علي منح صبره ورقابته السلمية للتطور البطء.
إذا صح ذلك، يصح تناول تصريحات بكري، كغيرها من التصريحات والممارسات الانقاذية، في ذات الإتجاه، وتاليا لا تشكل اي اضافة نوعية او خط رجعة، رغم ما فيها من صراحة تناقض حالات الالتفاف والانكار والمكابرة، التي تعودنا عليها من رموز الانقاذ، سواء كانوا ملتحين او علي كتوفهم النياشين! ولكن ذلك لا يمنع استقصاء سبب صراحة بكري الاخيرة، بعكس رفيقه البشير الذي ما زال في غيه او وهمه الكبير. خاصة وان صراحة بكري واعلانه عن حالة العجز وقتامة الاوضاع الاقتصادية، وصعوب معالجتها عبر دعاية رفع العقوبات الامريكية وغيرها، امر غير معهود! ولكن بالطبع هذه الصراحة وحدها غير كافية، طالما لم تستدعِ الاستقالة او المغادرة الفورية! والحال، انها لا تجري في سياقات طبيعية، او هي نابعة من وعي سياسي او التزام وطني. ولأن الحال ليس كذلك، وانَّي له؟ فيبدو ان هذه الصراحة مرجعيتها تكوين بكري العسكري، اي علي اعتباره عسكري قح اكثر من كونه سياسي محترف، وذلك بمعايير الانقاذ للسياسة، والتي تنحط الي حالة من الانكار والمكر والاحتيال والكذب المشهود والانتهازية المقيتة! وهذه الصفة في بكري كان يمكن ان تكون محمودة، لو كانت محصورة في مجالها، اي النهج العسكري الواضح داخل المؤسسة العسكرية، دون ان يتخطاها قيد انملة! ولكن عندما يتجاوز هكذا تكوين حيزه الي حقل آخر (السياسة والسلطة) له متطلبات ووظائف اخري، ينقلب هذا المدح الي ذم صراح! وتاليا، يصبح تورط هكذا نموذج في الشأن السياسي والسلطوي لهو اكثر خطرا وفسادا، ليس لان التكوين السالف الذكر يملك الشوكة، ومن ثم في مستطاعه فرض جهله السياسي وصلفه العسكري علي مسألة السلطة البالغة التعقيد والحساسية، ولكن الاسوأ، انه يؤسس للتحلل البنيوي والانتهاك الدستوري للدولة واصول الحكم، عبر خلط الوظائف والمهام والتلاعب بالتوازنات السياسية والروابط الاجتماعية، وقبلها تقديم المصالح الخاصة والفئوية علي المصلحة العامة والغالبية من المواطنين. والحال كذلك، تنحط السياسة، من خلق للفرص والبدائل والتنافس الحر بين البرامج والمشاريع، الي سبة في جبين السياسين، قبل ان تعبر عن حالة السفسطة الكلامية والرخاوة السلطوية في وعي العساكر والنهج العسكري! والمحصلة، بدلا عن ادارة البلاد علي نهج المشاركة والتسويات، تتم ادارتها عبر البيانات والفرمانات والقرارات الفوقية غير المدروسة، او اقلاها يتمكن منها قصر النظر وتتحكم فيها العشوائية، خصوصا عندما يتم النظر للدولة ومواردها والمجتمع وحاجاته، عبر منظار حماية سلطة الامر الواقع، وتكريس بقاءها، باي ثمن وكيفية ووسيلة، وهو كما هو معلوم ديدن الانقلابات في كل زمان ومكان.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه، إذا كانت الانقلابات تفضي للاستبداد الذي يؤسس للفساد، وتاليا كلها شر، وذلك قبل ان تعيق اي فرصة امام الاصلاح ناهيك عن التحول الديمقراطي، لماذا تتم المفاضلة بينها، وكذلك بين الانقلابيين؟ الشئ الذي يسبب نوع من تغبيش الوعي، باعتبار المفاضلة تحمل شبهة تميُّز لاحد الاطراف؟ بمعني آخر، وبصورة اقل تعميم، لماذا يري نموذج النميري واعوانه افضل من البشير وزبانيته، وكذلك نظام عبود وزملاءه افضل من النظامين التاليين، رغم انها في الاصل كلها شر وخسران مبين، فوق انها تمنع حركة تطور المجتمع الطبيعية؟ للاجابة علي هذا السؤال، هنالك سببان للاختلاف بينها (وليس المفاضلة)، احدهما موضوعي والآخر ذاتي. اما بخصوص الموضوعي، فنلاحظ ان نظام عبود (الافضل) بينها (حسب المعايير المتبعة، وهي قطعا معايير ينخفض سقفها، للمفاضلة بين السوء والشرور، وهي بطبعها معايير في غاية التدني ولا تحمل اي طموحات تحرر حقيقية او انعتاق من ربقة الاستعباد بصورة جذرية، وغالبا ما تصدر عن من لهم قابلية للاستبداد) والذي قد يبكيه البعض ويحن اليه البعض الآخر! استفاد من اوضاع عامة تتصف بانها جيدة، سواء في الداخل او الخارج. فعلي مستوي الداخل، استفاد نظام عبود من ارث الاستعمار او بناه التحتية، التي خلعها علي الدولة السودانية الحديثة، وعلي راسها جودة الخدمة المدنية. كما ان المستوي الاقتصادي عموما كان جيد، ليس لان الاقتصاد كان بطبعه اقتصاد انتاج فقط، ولكن لان تطلعات المواطنين وعددهم كان اقل، والاهم من ذلك، ان معظم متطلبات الحياة يتم توفيرها داخليا، اي كان هنالك نوع من الاكتفاء الذاتي، الذي يبعث علي الطمأنينة في الحاضر والمستقبل، وانعكاس ذلك ايجابيا علي مجمل الحياة، وتمظهراته علي القيم والابداع ..الخ. اما خارجيا فنسبة لظروف الحرب الباردة، فقد كان هنالك هامش حركة للدول النامية، يشكل نوع من الوقاية لحد ما من علاقات التبعية! لان خطورة التبعية لا تتمثل في فقدان الاستقلالية فقط، ولكن الاخطر تحكم الآخرون في مصيرك، وهم بطبعهم لا يكترثون الا لمصالحهم. وخلاصة هذا التقييم المبتسر، ان مصدر جودة الحياة لا ترجع لنظام عبود، ولكنها جزء من حالة جودة عامة ونادرة اجتاحت العالم.
اما انقلاب نميري الذي اعقب انقلاب عبود، فهو يوصف عادة بانه اسوا من نظام عبود، وافضل من نظام البشير! والسبب ان نظام نميري داخليا، بقدر ما استفاد من بنية الدولة شبه الجاهزة (لم يطالها التحطيم) والتي مكنته من تقديم خدمات علي مستوي مقبول، إلا ان مستوي تدخله في الدولة وتغيير تركيبتها كان بصورة اكبر، وهو ما ترتب عليه، التدهور بصورة مطردة، ليس علي مستوي تقديم الخدمات فقط، ولكن للاسف حتي علي مستوي فقدان الاستقلالية، ليتقلب من حضن لآخر، ابتداءا من مصر ومرورا بالولايات المتحدة وليس انتهاءا بالوقوع في براثن الاخوان المسلمين بطابعهم الاممي، وما يعنيه كل ذلك من اختراق خطير للدولة السودانية والتغول علي مصالح مواطنيها! لتبدأ واحدة من علامات ليس انهيار السلطة الحاكمة ولكن تآكل الروح الوطنية.
وبما ان ذات الفترة عاصرت بروز الشركات العابرة والنزعة الاستهلاكية، والتوجه الدولي نحو نهب ثروات الدول النامية، مستفيدة من وجود انظمة انقلابية استبدادية لها استعدادات مسبقة للفساد! فقد شهدت هذه الفترة بداية ظهور العلاقات الزبائنية، والتي توفر فيها الدول الكبري الحماية لانظمة غير شرعية، نظير تقديم تسهيلات وتنازلات تخدم مصالح تلك الدول، والتي حكما تتعارض مع مصالح الشعوب. وابرز ملامح تلك المرحلة الاستفادة من السلطة لمراكمة ثروات خرافية، وجذب اللصوص الدوليين من كل حدب وصوب، ودخول اموال الاخوان المسلمين، التي عبثت بالاقتصاد الوطني كيفما اتفق! خاصة وقد تزامن ذلك مع تدهور الاقتصاد وتردي الخدمات وتكاثف الضغوط السياسية علي السلطة الحاكمة، لينفتح المجال واسعا للدخول في دوامة الديون او مصيدتها العنكبوتية، والاسوا انه تم صرفها علي تثبيت اركان النظام متصدع، او في مشاريع ذات جدوي اقتصادية مشكوك فيها. والخلاصة، ان مرحلة النميري شكلت ضربة البداية للانهيارات التالية، ليس بسبب الاستبداد والفساد فقط، ولكن لصعوبة علاج الاخطاء والازمات التي خلفها نظام نميري، ناهيك عن انتاج مشاريع متجاوزة ومتجاوبة مع هموم المواطنين. وهذا سبب ظهور نظام نميري وكانه مرحلة انتقالية بين انقلاب سيئ وانقلاب كارثي، الشئ الذي جعل المقارنة دائما تصب في صالح نميري عند مقارنته بالبشير، وهي نفسها (المقارنة ومنح افضلية لانقلابي كالنميري) جزء يسير من مساوئ البشير التي لا حصر لها.
اما انقلاب البشير عندما حدث، وبغض النظر عن التيار الاسلاموي الداعم، فقد كانت خلفه تجربتين انقلابيتين قامتا ضدهما ثورتان لاقتلاعهما، ولذا كان اول توجه لانقلاب البشير هو قطع الطريق علي الثورة المضادة، ومن ثم اندفع لتحطيم النقابات والاتحادات والاحزاب، وقبلها حتي الكيانات (مؤسسات مشاريع) التي تحتويها! بمعني آخر، حاول انقلاب البشير قطع صلاته مع الجمهور من خلال تحييده (لا يعتمد علي جهده او مناصرته، وذلك يتم عبر اختراقه بالارزقية والامنجية والانتهازية، او ضربه من الدخل عبر قانون فرق/احبط/اشغل تسُد، او ابعاده عن كل المناصب والاجهزة الحساسة) او بتخويفه عبر الرعاية الخاصة التي يغدقها علي الاجهزة الامنية والشرطية والعسكرية والقوات غير النظامية. ومن هنا يبرز الفارق الحاسم بين انقلاب البشير والانقلابات السابقة له، فانقلاب عبود لحدٍ ما كانت دوافعه وطنية، والنميري دوافعه ايديولوجية، وان كانت الوسيلة (انقلابية) خاطئة، وهو بطبعه خطأ مكلف جدا ان لم يكن قاتل! ولكن نظام الانقاذ كانت دوافعه شريرة، ونواياه يشوبها الحقد والتخريب المتعمد، وعندما يضاف لها الوسيلة (الانقلابية) الخاطئة، يكون قد جمع الشرور من كل اطرافها. وبكلام مختصر، إذا كان نظام عبود احتكر السلطة للتحكم بالمواطنين، ونظام نميري سيطر علي الدولة للسيطرة علي للمواطنين، فنظام الانقاذ صادر السلطة والدولة، بغرض الغاء هؤلاء المواطنين من حساباته! وهذا ما يبيح وصف الانقاذ، بانه مجاهر بالمعصية السياسية، بل والفسوق السلطوي، قبل ان يستعبد المواطنين الاحرار! والحال، ان هذا يبرر اخراجه حتي من المقارنة بين درجات السوء، بل ووضعه وحده في كفة ليس لها نظير، لتجاوزه حتي نوعية الانقلابات المعهودة، مما يصح وصفه بالانقلاب المستطير! ولذا ليس غريبا ان يكون شاذا في كل شئ، من ايديولوجية اسلاموية مشرعنة لكل خطيئة، ومنهجية عسكرية فاقدة لاي بصيرة، الي ممارسة كارثية مستبيحة لموارد الوطن ومنتهكة لحقوق المواطنين! والحال كذلك، ليس هنالك اهمية لذكر ظروف داخلية او خارجية او حتي مجرد امثلة، تشير الي هذا الانحطاط.
اما بخصوص الناحية الذاتية، فنجد ان الفريق عبود واعوانه تربوا في ظروف افضل، سواء من ناحية سلوكية او مهنية او وطنية، وهو ما انعكس ليس علي طهارة اياديهم، ولكن ايضا في تدني منسوب الخراب الذي خلفوه وراءهم. اما ما يخص النميري وشلته، فقد كانوا اقل التزام اخلاقي ومهني ووطني، وقد تضاءل هذا الالتزام مع زيادة جرعات الاستبداد والمكوث في السلطة، اما ما يحكي عن قصص بطولية وانسانية ووطنية تلصق بالنميري بالحق او الباطل، فهي انعكاس لتراث قيمي كان متوافر في المجتمع، واذا كان نميري قد اخذ منه القليل، فالمؤكد انه رمي الكثير خلف ظهره، وما ساعده علي ذلك الطريقة الرعناء التي كان يدير بها الدولة. وعلي العموم، هذه الروايات اذا صدقت وهو ما اشكك فيه، اقلاه عندما ترد في سياق المقارنة مع البشير، الشئ الذي يضفي عليها الكثير من الاعجاب! إلا انها لا تسوي مثقال ذرة في كم الفساد والمآسي والانتهاكات، التي تسبب فيها للوطن والضحايا، والتي كان في امكانه تلافيها، لو اتخذ قرار واحد صحيح، وهو تنحيه عن سلطة مغتصبة، وارجاعها الي اصحابها، وقبلها عدم التورط في القيام بانقلاب اصلا.
اما البشير وجماعته الاسلاموية، فهم اصلا لا يتمتعون باي التزام لا اخلاقي ولا مهني ولا وطني، والاصح انهم يحاربون هذه الإلتزامات، حتي لا تقف قوة واحدة صالحة ضدهم! اي افساد الحياة العامة كوسيلة لتبرير او التعايش مع فسادهم.
ولكن هنالك راي او نظرية، ان الانقلابات تخلق الاستقرار وتجلب العمران اكثر من غيرها! ولكن ما يفوت علي هذه النظرية القاصرة، ان الاستقرار الذي تجلبه هذه الانظمة بالقوة، هو استقرار ظاهري، وفي حقيقته تغطية علي الاشكالات المجتمعية والسلطوية! الشئ الذي يتسبب في مضاعفتها ومفاقمتها بدلا عن حلها. لتنفجر مباشرة بعد زوال القوة الحابسة، في وجه مشروع التغيير المفترض، لينشغل عوضا عن البناء، بمعالجة آثار النظام الانقلابي. اما العمران الذي يحدث في ظل سنواتها الطوال، وفي غياب اي اعتراض جدي لنشاطاتها! فغالبا ما يتم انجازه عبر ديون مؤجلة ومركبة، ودون دراسة جدوي تستصحب كل الآثار المترتبة علي المدي المتوسط والطويل، وعادة يشوبه النهج الدعائي، والمنْ كمكرمة رئاسية! وهذا عندما لا ينخره سوس الفساد، من عمولات وسيطرة العلاقات الفردية والتنظيمية بالسلطة الرئاسية. وبكلمة مختصرة، استقرارها كاذب وعمرانها يفتقد المضمون الاجتماعي. وهذا دون الحديث عن الاضرار الجانبية، التي يفرزها النظام الانقلابي، علي منظومة القيم وفرص النهوض الحقيقية! بمعني، الانقلاب لا ينفتح علي اصلاح او تطور ذاتي، والارجح انه يزداد سوءا وخطرا (استبدادا وفسادا) مع مرور الايام، وبما يوازي فشله المحتوم علي كافة الاصعدة! اما اردأ ما يقوم به الانقلاب، غير الوصاية التي يفرضها علي الشعب، بكافة اطيافه ومكوناته وقدراته، فهو التفريط في مصالحه من خلف ظهره، وهو يقوم بابرام العقود والتعهدات الدولية الملزمة، التي تعرض حقوق ومصالح اجيال الحاضر والمستقبل للضياع! والحال، ان ذلك يتم بابخس الاثمان، وتبلد حس وطني يندي له الجبين! وكذلك الافراط في الديون المتراكمة وفوائدها الخرافية، التي تبتلع ليس فوائض الانتاج، ولكن الدخل القومي بمجمله، وتاليا وضع مصير البلاد والعباد تحت رحمة الدائنين، ويا لها من رحمة بمذاق العذاب الشديد.
في ذات السياق ينطرح كلام صحيح، عن مسؤولية الاحزاب السياسية في ضعف التجربة الديمقراطية التي تمهد للانقلابات، من خلال افتقادها للنهج الديمقراطي، سواء علي مستوي ادارة الحزب او من خلال وجودها علي سدة السلطة، خصوصا وان قادتها يفتقدون للمضمون والثقافة الديمقراطية التي يتشدقون بها، بدلالة احتكارهم منصب القيادة، ومصادرتهم مجمل توجهات واهداف الحزب، والادهي انهم يستمدون شرعيتهم من مصادر خارجية، يمكن ان يقال عنها كل شئ، إلا انها ديمقراطية! ولكن الاكثر صحة، ان الانقلاب علي الاحزاب وحرمانها شرعيتها في السلطة، ليس هو العلاج باي شكل من الاشكال، وهذا عندما لا يضعف حتي هذا الضعف الذي يسكنها ويشل فاعليتها! وهو يفرض (جهله النشط) علي الدولة والمجتمع، وعلي راسها الاحزاب مدار الشكوي ومبرر الانقلاب! خصوصا عندما يصادر حق الاحزاب في التجربة الكاملة للحكم، ويحرم الجمهور من حقه في محاسبتها عبر صناديق الاقتراع. بمعني، التجربة الديمقراطية هي الآلية الوحيدة للنضوج الديمقراطي، وهي عملية متكاملة، لا تخص الاحزاب وحدها ولكن يلعب فيها المجتمع الدور الاساس، عبر المشاركة والمراقبة والمحاسبة، والاهم عبر التمسك والدفاع عن آليات النقد وحرية التعبير والشفافية..الخ، كمعايير وضوابط لسلامة العملية. وبكلام واضح، اصلاح الاحزاب مسؤولية اعضاءها بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة. وإلا ما معني الديمقراطية اصلا وما هي اهميتها، ان لم تكن المسؤولية الجماعية والمشاركة في، معالجة الاخطاء ومسألة السلطة وادارة شئون المجتمع، عبر الحوار والتنافس السلمي! وتاليا انقطاع التجربة الديمقراطية في كل مرة عبر الانقلابات الهوجاء، يرحل مشاكل السلطة والمجتمع وكذلك ضعف الاحزاب وقصورها من مرحلة لاخري! والحال، ان ضغط الانقلاب يحفز لدي الاحزاب مِكنزمات الدفاع عن النفس ضد الفناء، وفي هكذا اوضاع، تتحول مسألة الحرية والديمقراطية (وهي بطبعها نشاطات تدريبية وتوعوية وتربوية) داخل الاحزاب الي ترف، ومن ثم تنزاح جانبا، تاركة المجال امام مواجهة الازالة من الوجود (كنزعة غريزية لها الاولوية)! اي بدل الانفتاح علي تبني برامج طموحة للنهوض بالبلاد، نجدها عالقة في متاهة، اما المحافظة علي البقاء، او استنزاف طاقتها في كيفية التخلص من عبء الانقلاب. والامَرَّ من ذلك، ان الانقلابات كرست لواحدة من اسوا امراض السياسة السودانية المزمنة، وهي التركيز علي السلطة بمعناها الضيق (احتكار الامتيازات المادية والسياسية والاجتماعية) كغاية للاحزاب وقادتها، وليس وسيلة لادارة الدولة، وترقية الخدمات المقدمة للمجتمع.
والخلاصة، ان الانقلابات المفضية لمتلازمة الاستبداد، هي اس الكوارث، ودون وضع حد لهذه الثقافة العدمية، لا مخرج من هذه النكبات الوطنية المتتالية.
آخر الكلام
تدخل المؤسسة العسكرية بحجة الاصلاح وتقويم العملية السلطوية، وحماية مصالح الوطن ومحاربة الفساد والعادات السياسية الضارة، وغيرها من خطرفات الجهل العسكري والغرور الايدويولوجي، ليس منافٍ للنهج الديمقراطي والتعهد الدستوري الملزم، وتاليا مكرس للاستبداد والفساد فقط، ولكنه في الاساس ينفي عن التجربة الانسانية حكمتها ويجردها من مكاسبها، قبل ان يستهين بكم التضحيات والاكلاف التي قدمت فداءً لذاك النهج وتلك الضمانات والممارسات العملية، اي علي اعتبارها افضل الحلول المطروحة للتعاطي مع مسالة السلطة وادارة الشان العام، التي ارقت الجنس البشري منذ ظهوره علي ظهر البسيطة، كاجتماع لابد منه، او كجنس محكوم بالتعايش والتواجد معا. والحال، ان انكار هذه البداهة او الالتفاف عليها باي مبرر كان، لا يعني اكثر من اعادة العلاقات البربرية وقانون الغاب وانتاج مرحلة العصور الوسطي، بكل ما تحمله من فظائع وتخلف وهمجية، اول ما تهدر قيمة الانسان، قبل ان تعرض البيئة والعمران للدمار.
واخيرا، الديمقراطيون الحقيقيون، هم الذين يناضلوا من اجل الديمقراطية بوسائل اكثر ديمقراطية، ولا يتوهمون ولو لمرة ان الديمقراطية معطي متاح مجانا، او منجز كامل، ولا كذلك تولد ناضجة، لدي كل من ينادي بها، سواء كان حزب او منظمات مجتمع مدني او افراد او غيرها، ولكنها فعل تجريب وممارسة وتعلم مفتوح علي التراكم والتطور! وعليه، يصبح الانحياز للاحزاب المعارضة، هو مبدأ ديمقراطي بغض النظر عن عيوبها! اما معالجة هذه العيوب والاخطاء والقصور، فهذا عين مدار النضال وليس مقارعة العسكر فقط، اي هو التعبير الايجابي الذي يخلِ طرف الديمقراطي من المسؤولية، وليس التعبير السلبي برفضها او سبها التبرؤ منها، لان البديل هو العسكري او المغامر من كل صنف ولون، وهذا غير انه معادٍ للديمقراطية وثقافتها حكما، إلا انه هو عينه من يورد البلاد والعباد موارد الهلاك. ولحسن الحظ ليس هنالك منطقة وسط بين الاستبداد والديمقراطية، إلا للتحايل والتهرب من المسؤولية. ودمتم في رعاية الله.

عبدالله مكاوي
بواسطة : admin
 0  0  391