• ×

11:59 صباحًا , الأربعاء 17 يناير 2018

قائمة

الدكتور صابر و(الحال الممكون صابر)!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور صابر و(الحال الممكون صابر)!!
الدكتور خالد التيجاني النور اجري لقاء مميز مع الدكتور صابر محمد الحسن، محافظ بنك السودان السابق، وهو لقاء اتاح للاخير لعب دور المُخَلص او العالم ببواطن الامور الاقتصادية، والقادر تاليا علي تقديم اجود انواع الوصفات العلاجية. وقد يكون هذا السبب هو الذي دعا الاستاذ خالد، لوصفه بالحرص علي الآراء الموضوعية والمنطقية بصورة لا تدع مجالا لاية ظلال تاويلات تنشغل بالاشخاص وتترك قراءة وعبرة ما حدث. وفي اعتقادي ان هذا الوصف، يحمل ضربا من السلفنة او الحجر علي تناول شخص الدكتور، والاكتفاء فقط بآراءه الموضوعية! والسبب، بما ان الدكتور صابر فرض نفسه علي المجال العام، ومن مدخل نظام تالف بامتياز، اورد البلاد موارد الهلاك! فيستحيل تاليا الالتزام بهذا الامر، وإلا ما قيمة المسؤولية والمحاكمات، او الفارق بين المصلحة العامة والخاصة، من ناحية موضوعية او مسؤولة. كما ان تناول الشخص لا يعني الشخصنة دائما، بقدر ما يعني دور الفرد ومساهماته في الشان العام، والتي تترك آثار لا يعلم مداها إلا الله، بناء علي طبيعة دوره ومسؤوليته. والاهم من يجزم ان الآراء حتي وان كانت موضوعية ومنطقية، لا تخالطها مصلحة او تنصل من المسؤولية، او تصفية حسابات وان بصورة مواربة، خصوصا لمن خرج، والاصح أُخرج من لعبة المناصب الفخمة نتيجة لتوازنات مستجدة، لم تسع حضوره (خدماته) او تاسف علي رحيله (ازاحته لمن هو اكثر تاثير او جلب مصلحة).
ولكن حتي لا نغمط الاستاذ خالد والدكتور صابر حقوقهما، فقد كانت الاجابات موضوعية لحد كبير حقا، ولكن للاسف تناولها الازمة في معظمها كان من الزاوية النقدية (نقود) او المصرفية، اي حسب معرفة وتاهيل الدكتور صابر. وتاليا اغفل الحوار جوانب اقتصادية وغير اقتصادية عديدة، ذات صلة بحالة التدهور الشاملة التي تعيشها الدولة، وليس الجانب الاقتصادي فقط، رغم حساسيته واهميته. وحتي من الزاوية التي تناولها الدكتور صابر، نجد احيانا بعض الاضطراب او الهروب من الوضوح، خصوصا عندما يتعلق الامر بمسؤوليات جهات بعينها، او مجال كالجانب السياسي، والتنفيذي بصورة ادق! وليس ادل علي ذلك، من حالة الاضطراب في جزئية الانفصال، فهو من ناحية يدعي انه شكل صدمة، حدوث خلل اقتصادي نتيجة لاسباب خارجية حسب تفسيره، وعندما حاصره الاستاذ خالد بان الانفصال كان متوقع، وتوافر موارد يمكن ان تقلل من تاثيره، نجد ان رده كان تلك قضية اخري، رغم انها لب القضية، وبدلا عن ذلك اسهب في توصيف الصدمة، وكأننا في محاضرة اكاديمة في قاعة الدرس، وليس امام ازمة اقتصادية استحكمت حلقاتها وما زالت تتابع استحكاماتها.
وفي جزئية اخري، تحدث عن دراستهم للجوانب المحتملة للانفصال، وتحسبوا لعدة احتمالات، وبما فيها تقليل اثاره الضارة، ولكنهم لم يفعلوا شيئا، وعندما ساله الاستاذ خالد لماذا؟ قال والله ما تسالني؟! وانتقي الجانب العام من المسالة، اي هروب متعمد من طعن الفيل والاكتفاء بتفيؤ الظلال، اي نوع من المحاكاة للسباحة في المياه الدافئة او الضحلة بحثا عن الامان (ولكن يحسب له انه في فقرات اخري كان اكثر جرأة ووضح). وخلاصة الامر ان المسالة كلها تحمل تناقض بيِّن؟ بمعني، اذا كان هنالك مجرد احتمال للانفصال ولو بنسبة ضئيلة، كان من الانسب بناء الميزانية نفسها علي هذا الاحتمال الضعيف، وليس العكس بمعالجة الآثار التي يسببها الانفصال، والتي بشكل ما، والاصح بشكل اساس، مبنية علي عدم حدوث الانفصال؟ لان الميزانية (الاقتصاد بصفة عامة) ليست لعبة قمار او (يانصيب)، يدخلها النظام وهو يراهن علي حظه، قبل ان يغرق في الامنيات الطيبة ويدمن احلام الصحيان! والاهم، ان الاسلوب الاخير (وضع الميزانية علي اعتبار حصول الانفصال) كان سيجبر صاحب القرار بشكل او آخر (نسبيا بالطبع)، علي التعامل مع الموارد المتاحة، بالرشد والتقتير او اقلاه الحد من السفه والتبذير! وهو ما اشار له الدكتور صابر بصورة جلية، عندما ذكر (تخيل ان دولة فقدت 75% من موارد النقد الاجنبي، هل من المعقول الاستمرار وكان شيئا لم يحدث؟). اما المضحك المبكي في آن، هو ان هذه الآثار المشار اليه سابقا، رغم بؤسها كخيار، لم تؤخذ في الاعتبار، كما المح هو نفسه. (فتأمل، اي دولة هاملة هذه، واي نظام لا مسؤول يديرها؟!). وبكلمة مختصرة، تم قول كل شئ إلا ما هو متعلق بلب المسالة، وهو سيطرة مؤسسة الرئاسة، وفرض اولوياتها الحمائية، وبسط رغباتها الامتيازية، علي مجمل انشطة الدولة وفضاءها.
ومن ناحية اخري، تحدث عن اساسيات غير صحية في اوضاعنا الاقتصادية الراهنة، نسبة لوجود عدد من الاختلالات، كوجود فجوة كبيرة في الموازنة الداخلية وفي الميزان الخارجي او ميزان المدفوعات. وهي عموما مصطلحات، تحتاج نفسها لشروح مختصرة، سواء من جانب صابر او خالد، حتي تضح الصورة لغير المختصين (كحالنا) والذين اصلا مستهدفين بهذا اللقاء. ولكن ما يهم في الامر، ان هذه الاختلالات وغيرها، كانت مدار هواجس المختصين بالشان الاقتصادي في بلادنا، منذ ميلاد الانقلاب المشؤوم. وقالوا بشانها ما لم يقله مالك في الخمر، حتي جفت حلوقهم وغزا الهم والمشيب رؤوسهم، وهم ينبهون للاخطاء الاقتصادية الكارثية، ويبذلون الحلول العملية باريحية طائية محيرة! ولكن كالعادة كانت كل جهودهم تقابل، اما بصم الآذان، او تعليق الفشل والخيبات بمشجب المقاطعة الخارجية او الابتلاءات القدرية، وغيرها من الخزعبلات والهوس والمغالطات. وللمفارقة، بعضها تزامن مع وجود الدكتور صابر نفسه في مركب السطة! وارشيف الصحف والندوات والمؤتمرات في الداخل والخارج، شاهد علي كل ما ذكر اعلاه.
وفي سياق آخر، ذكر الدكتور صابر ان للبنك المركزي آلية لمعرفة حجم النقود الموجودة في الاقتصاد في كل فترة محددة. وهذه الجزئية تحديدا كانت مدخل لعدد من الاسئلة الهامة، وذات صلة اساسية، بحالة التدهور المريع التي اصابت الاقتصاد الوطني في مقتل؟ والمقصود، الفساد وبما فيه الخصخصة والتصرف في اصول الدولة بالبيع والرهن وغسيل الاموال، فكل هذه تشكل مصدر للسيولة المراقبة حسب زعمه، او جرس انذار كما نزعم، ويمكن ان نضيف الي ذلك الشركات التي تتاجر بالدولار (وبغض النظر عن تبريره او احتياج الدولة للدولار!) فهي قبل المتاجرة، وجودها نفسه يشكل اكبر تشوه في جسم الاقتصاد وهيكلة الدولة السودانية، ويعكس بصورة جلية نزعة الاستباحة ووعي الغنيمة، المستحكمان في بنية هذه المنظمومة البدائية او ما قبل المؤسسية. اي بوصفها اشكال او كيانات وسيطة، تنوب عن اجهزة الدولة ومؤسساتها (رغم وجودها الشكلي!) كانعكاس لتاصيل ثقافة وممارسة سمسرية (طفيلية) في صميم تكوين الجماعة الاسلاموية! وبكلمة محددة، الجماعة الاسلاموية كمنظومة عاطلة، ليس في وسعها إلا انتاج النصب والاحتيال كطريقة حكم واسلوب حياة! ودونكم شركات الكهرباء والزراعة والصحة..الخ، رغم وجود وزارات مختصة بهذه الشؤون، واكتظاظها بالعاملين؟! وبما انها شركات تهدف حصريا لمنح (طبقة الجبهة) امتيازات مجانية، فتاليا لا مجال للسؤال عن وجود رقابة او مراجعة او محاسبة، في هكذا حالة مصادرة للدولة ومواردها. المهم، اسئلة كهذه كان بامكانها ان تميط اللثام عن فقه السترة، لتكشف عن منافذ يمكن الاطلال من خلالها، علي حالات التلاعب والنهب الممنهج والشره اللصوصي، الذي تردت اليه البيئة الاقتصادية الداخلية، وبالطبع ليس مصادفة ان يتحكم ويبرز في هكذا اجواء غائمة، راسمالية الجبهة وحلفاؤها من شبكات الفساد والاجرام في الداخل والخارج! ولكن من اجابات الدكتور صابر وهروبه من المواجهات الصريحة لجذور المعضلة، فهذا مدعاة كافية، لتوقع اجابات كسابقتها، من انه لا يرغب في الاجابة علي هذه الاسئلة؟!
وعلي العموم، يحمد للدكتور صابر تفسيره للخلل النقدي بصورة مهنية، وبدراية عالية بخفاياه! وايضا اعترافه بان المشكلة الاقتصادية، تحل بطريقة منظمة وعقلانية، وكذلك حديثه عن الاصلاح الراهن يتضمن دفع اثمان لا تقوم الحكومة بما يليها (وهذا عندما لا تضاعف انفاقها كما اشار بشجاعة يحسد عليها) في حين يقع العبء الاكبر علي الناس، بصفتهم الحلقة الاضعف، وهو ما يحتاج لسياسة حماية اجتماعية فعالة.
وما يجعل الدكتور صابر افضل من غيره (نسبيا/بين الجبهجية) عند مقارنة آراءه وصراحته، بآراء شخصيات كالدكتور عبدالرحيم حمدي، الذي يكاد يكون مفلسا اقتصاديا، وهو ما يذكر بافلاس الطيب مصطفي صحفيا، وغيرهم! بمعني، هنالك اسلاموي سيئ، ولكن بالقطع هنالك العشرات اسوأ منه بمراحل. واستدراكا وحتي لا تكون مثل هذه المفاضلة بين السيئين، مدعاة للاختباء خلفها، ومن ثم الهروب من المسؤولية السياسية، التي يشترك فيها جميع الاسلامويين، وبمن فيهم المرحوم عبدالوهاب عثمان الذي يكال له المديح حتي ظنناه (ابو حريرة!) زمانه؟ يجب الرجوع الي جذور الازمة التي قادت الي هذا المآل البئيس. فجذور الازمة تعود لمنظومة اسلاموية، استسهلت عملية ادارة الدولة، ولم تتورع عن استخدام الانقلاب كآلية وصول الي السلطة. فهذا الاستسهال (الاستهبال/الاستعباط) المستمد من اوهام ايديولوجية دينية، منقطعة بالكامل عن التجربة التاريخية، ومتعالية علي تراكم الخبرات الانسانية! افسح المجال لنوع من المغامرات الصبيانية (كوعي وممارسة)، ضربت بعرض الحائط ما تم التعارف عليه، من مقومات الدولة الحديثة (ككيان ووظيفة)! وتاليا تحولت الدولة علي ايديهم، من حيز يسمح بتواجد جماعات وكيانات متعددة (طبيعة المجتمعات)، تدير مصالحها واهتماماتها وصراعاتها، بصورة تعاقدية وعقلانية وسلمية، الي مجرد شوكة او سلطة مطلقة، يحق لاصحابها (المغتصبون) الانتفاع حصريا بكل مزايا الدولة وانشطتها، وبغض النظر عن عواقب هذه الممارسة القهرية، علي حقوق وكرامة بقية الشركاء في الوطن! وبما ان هكذا وضعية مختلة يمتنع عليها الاستقرار المبني علي الرضا العام، كان لابد من التعويض عن ذلك، بآليات حماية خشنة (العنف والارهاب) وناعمة (الاغراء والدعاية). وبناء علي هذه الخلفية (المدخل/الاصل/التكوين) تم تصميم منهج وآليات ممارسة السلطة، وذلك سواء في طبعتها التنفيذية او السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية..الخ! ومؤكد ان هكذا رغبات مرضية وسلوكيات طفولية (حيوانية/عدوانية)، ليست في وارد الالتزام باي معايير مؤسسية او قيم وطنية! وهذا ما يجعل كل الآراء والحلول المطروحة، من قبل الدكتور صابر او غيره، هي سلفا خارج السياق. والحال كذلك، يصبح الدكتور صابر ورهطه، هم صناع الازمة ونتاجها، وتاليا محكوم عليهم بالوعي المازوم، او سجن الازمة المؤبد، اذا جاز التعبير! ومجرد نسيان هذه الحقيقة المحورية، او محاولة تبسيطها والالتفاف عليها، ينسف اي امكانية لاخذ العبر، والقطع مع اعادة انتاج الازمات بصورة دائرية (بوربونية)! وكدلالة بسيطة، كيف وصل الدكتور صابر الي هذا المنصب؟ وما هي معايير الوصول؟ وما هي حدود كل دور او منصب وامتيازاته؟ وما هي آليات الرقابة؟ اي من ناحية مؤسسية، هنالك خلل يكتنف المنصب ومسؤوليته، ولا ينطبق ذلك علي الدكتور صابر او المرحوم عبدالوهاب فقط، ولكن جميع من يشارك في هكذا منظومة، لا يضبطها لا معيار ولا وازع ايٍّ كان، إلا تقديم فروض الطاعة والولاء، للترابي قبل المفاصلة والبشير بعدها، وان تعارض ذلك مع المصلحة العامة، وهو حكما متعارض! وهذا ما اشار له الدكتور صابر نفسه (بنسخته خارج السلطة!) عندما ذكر ما معناه ان القرارات الاقتصادية لا يتحكم فيها الاقتصاديون، وهكذا قس بقية المجالات؟!
وماذا يعني هذا في خلاصته، يعني ان الخلل سواء كان سياسي او اقتصادي او غيره، يرجع في اساسه الي خلل سلطوي (بنيوي) يسم هذه المنظومة الانقلابية! والحال هذه، كل حل لا يستصحب هذه البداهة الفاقعة، يصبح كالحرث في البحر او الدوران في حلقة مفرغة، مهما كانت موضوعيتة او واقعيتة في الحقل المعني. بمعني آخر، اي معالجة سواء كانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية..الخ، لا تعتمد علي مدي ابداعيتها او مطابقتها للمشكلة المعنية، بقدر ما تحتاج للبيئة الصالحة التي تساعدها علي النمو والنجاح. ويترتب علي ذلك، ان الجهود يجب ان تنصب علي تغيير طبيعة السلطة الاستبدادية، والانفتاح علي منظومة ديمقراطية شاملة، تجعل ليس للحلول المطروحة قيمة فقط، ولكن قبل ذلك تجعل لحياة المواطن ذاتها معني.
آخر الكلام
يبدو ان محنتنا ليست في سيطرة منظومة الانقاذ العدمية، التي احالت حاضرنا الي حطام، ولكن الاسوأ، بل والمهين للكرامة والمستفز للوعي والمستهين بالاكلاف والتضحيات، ان يطرح الاسلامويون انفسهم كرسل خلاص! والحال هذه، انعم بها جهنم ابي لهب؟! ودمتم في رعاية الله.
Name عبدالله مكاوي
بواسطة : admin
 0  0  408