• ×

08:21 مساءً , الأربعاء 21 فبراير 2018

قائمة

انتخابات 2020 (كلاكيت تاني مرة) !!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم
انتخابات 2020 (كلاكيت تاني مرة) !!
الانقاذ ليست قوية، ولكنها تستفيد من امكانات الدولة، وحالة الضعف والهشاشة السائدة، والتي استثمرت فيها طويلا. اي الانقاذ ليست اكثر من آفة او طفيل يعتاش علي امتصاص دم الخصوم (المواطنين) وانهاك عافية الجسد (الدولة). وبالطبع دون وضع اعتبار لآثار ذلك، ليس علي الضحايا ولكن علي بقاءها ايضا! لانه من غير شعب سليم ودولة متماسكة، لا يوجد إلا الفراغ، والذي ينتج لا محالة من تشظي المجتمع وتفكك الدولة، ومن ثم استدعاء كل من هبَّ ودبَّ، للانقضاض علي الدولة المنهارة، واخذ مصالحه منها بثمن مجاني، وهذا عندما لا تتحول الي ساحة منازعات دولية، بقدر ما يدفع شعبها الثمن غاليا (من فقدان امنه ونهب ثرواته) بقدر ما يصبح ابعد ما يكون عن التحكم بمصيره، ناهيك من الدفاع عن مصالحه.
وبما ان النظام هو القوي نسبيا في حالة الضعف السائدة، فهذا ما يجعل مبادراته هي صاحبة الصوت العالي، رغم خواءها المضموني، وعلم الجميع بمآربه من هذه المبادرات المشبوهة! والانكي وامر عندما تقابل هذه المناورات (الصفقات المريبة) بالتهليل والتكبير والمدح والتسبيح، ممن يفترض انهم الاكثر خبرة ودراية بخفايا وخبث منظومة الانقاذ، والتي لا تختلف عن الكيان الصهيوني في نظرته الاستعدائية الاستعلائية الاستغلالية للفلسطينين، ولكن من دون ان ترقي لوعي وحنكة الكيان الصهيوني، الذي يجيد قراءة الاوضاع الداخلية ويستفيد من مزايا الاوضاع الخارجية، التي تخدم اغراضه علي المدي الطويل. اي يستثمر في المعرفة والتخطيط الاستراتيجي، وليس في الدجل والفساد والشعارات الجوفاء، الوالغة فيها منظومة الانقاذ، والتي يبدو انها اخذت من الصهيونية اسوأ ما فيها. وباختصار اجتمعت في الانقاذ خصلتان، سوء الطوية (الحقد الفائض) وعدم الاكتراث لعواقب الاخطاء والجرائم والكوارث (ادمان المغالطة والمكابرة والمكاجرة).
وهذه التكتيكات المراوغة التي اتبعتها منظومة الانقاذ، منذ بزوغ نجمها المشؤوم في سماء البلاد النكدة! هي في الحقيقة لا ترقي ل(نظرية المؤامرة/الماسونية) التي تفترض وجود جهاز عقلي او منظومة مفكرة، تمتاز بالتخطيط والانضباط، وحساب كل صغيرة وكبيرة، بل علي العكس، سلوكياتها وممارساتها اقرب للنزعة الحيوانية والكائنات البدائية، التي تعتمد علي غريزتها في حماية نفسها وحفظ وجودها. بمعني، بقدر ما هي حساسة تجاه المخاطر الآنية، بقدر ما هي متبلدة تجاه الاخطار بعيدة المدي التي تستهدف وجودها! وهذا غير نفورها من العمران، واندفاعها بكل تهور وجنون لاشباع رغباتها بصورة مفرطة! وليس مصادفة ان تقوض هذه المسالك الطفيلية السمسرية الشرهة، كل ارث الماضي وفرص تنمية الحاضر. اي كما ان السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، هي ايضا غباء محكم وتبلد محير، او هي تعطيل لجهاز العقل وتدبير التعقل، وانفتاح اعمي تجاه تعظيم وسائل الحماية العارية وتكريس للقوة الخشنة، والتي لمفارقة الاقدار تصبح هى ذاتها وسيلة نهايتها الدامية، اي ردة الفعل من ذات الفعل، والبادئ اظلم، إذا ما صح استلافنا لمقاربة غرامشي الشهيرة.
المهم، ما ساعد الانقاذ علي التكسب السهل او استمرأ التكتيكات المرواغة للبقاء، هو وجود عناصر وتيارات معارضة، لها قابلية الانجذاب لهكذا الاعيب انقاذية مفضوحة! بل وللمزيد من السخرية، قد تَمنح (الالاعيب) نوع من المشروعية والنزعة الوطنية، وذلك عندما تصر علي ان الهدف من الرضوخ للمبادرات الانقاذية الكاذبة، هو المصلحة الوطنية العليا، ورفع المعاناة عن كاهل الغلابة، الذين يرزحون تحت نير الغلاء، وحذف الخدمات من ساحة حاجاتهم الاساسية! ولكن بعد الانخراط في تلك المبادرات واكتشاف (المكتشف مسبقا) من سراب الوعود والاماني السندسية، او فشل المنخرطين في قنص الفوائد المرجوة او انخفاض سقفها (وبعضهم اي فتات يرضيه لقلب مواقفه وتحوله الي انقاذي شرس)! نرجع فورا لمحطة البكاء والعويل وشتم الانقاذ ورجالاتها ووصمهم بالغدر وخيانة العهود، ..الخ مما يعلمه الكافة، من غير ان يتعظ من هم علي الدرب سائرون؟! هل نحتاج لادلة مع اختلاف مراحل الانقاذ، حتي لايذكرنا البعض باسطوانة تغير الظروف وتحول الانقاذ وضعفها وحاجتها للشركاء؟! حسنا اليكم بعضها:
بدأت الانقاذ اول خطوات التلاعب بالمعارضة والشعب، من خلال الدعوة لمؤتمر الحوار الوطني من اجل السلام، او شئ من هذا القبيل مطلع التسعينات، ودعي له افراد وكيانات من مشارب شتي، وأُدعي حينها قدرته علي تحقيق السلام واعادة لحمة الدولة السودانية! ماذا حدث بعدها؟ تم تسعيِّر حرب الجنوب بعد صبغها بالصبغة الجهادية، ذات الطاقة الهائلة لافناء الاعداء؟ وايضا تم بعدها الشروع مباشرة في تطبيق سياسة التحرير، والمراد بها اعادة امتلاك اصول الدولة وموارد المواطنين، بواسطة راسمالية الجبهة الطفيلية، وذلك بالتوازي مع حرمان المواطنين من ابسط حقوقهم الاساسية، بل تعدي الامر لتصفية الخدمة المدنية من كل العناصر المناوئة والمشتبه بها، كتمهيد لسياسة التمكين او غنم مؤسسات الدولة بوضع اليد (في اعادة لمنطق الغزو ومسلك الغارات وثقافة السلب الغابرة، اي ردة نحو التخلف والهمجية)؟! وبعدها تناسلت مبادرات السلام والحوار وغيرها عبر وساطة الايقاد وغيرها، وذلك بالتزامن مع وصول حرب الجنوب لذري عليا من العنف والعنف المضاد، وما يستتبع ذلك من اكلاف هائلة في الارواح والموارد، وآثار الحروب الاليمة، التي لا حصر لها، علي الضحايا وبيئاتهم ومستقبل الدولة ككل! وليس بمستغرب ان هنالك افراد وكيانات اسلاموية متبلدة الحس والضمير، اغتنت واشتهرت بسبب الاستثمار في تلك الحروب، والاتكاء عليها لتسويق العنصرية والفتن، من اجل التكسب منها سياسيا واعلاميا وماديا (النازيون الجدد، ولو انهم اقل مخاطرة بامتيازاتهم، واكثر شراهة لتعظيم ثرواتهم!). وهي ذات الفترة التي انفتحت فيها الحكومة علي اغراء المعارضة، بالدخول معها في اتفاقات ثنائية لا حصر لها، لدرجة انقطع فيها نفس السيد الصادق المهدي (الذي يكن نوع من المصداقية لوعود الانقاذ دون ان تردعه لدغة نكوث او لطمة غدر المرة تلو الاخري) وهو يهرول من اتفاقية لاخري ومن مبادرة لغيرها، ومن دون ان يثمر هذا الحج ولو ثمرة متعفنة، بعد كل هذا الطواف حول كعبة، لا تحوي سوي الآيات الشيطانية والشعوذة والفجور؟ بل حتي اتفاقية السلام الشامل، التي فرضتها القوي الدولية علي الحركة الشعبية والانقاذ، لم تنجُ من اساليب التلاعب في التنفيذ، واستبطان الغدر لافراغها من مضمونها! حتي تم الاجهاض عليها. وقد ساعد في ذلك، تقاعس وقلة خبرة الحركة الشعبية في امور الحكم، قبل ان تكتمل الطامة بغياب قرنق (او التغييب القسري اذا ما صدقت الشكوك حول تعمد قتله) بكارزميته وحضوره الطاغي، الذي يصعب في ظله مرور او تمرير الالاعيب بسهولة؟!
واذا تركنا كل هذا جانبا بسبب طول الفترة (والذي لا يفترض ان يكون مبرر لمن يتعاطي الشأن العام من موقعه كمثقف!) فماذا عن حوار الوثبة الذي بشرت به الحكومة والبشير شخصيا، وجُيِّشت له كل وسائل الاعلام وموارد وامكانات الدولة. فماذا كانت المحصلة ونوع الحصاد؟! فهل بعد كل هذه المسيرة المكللة بالاكاذيب والضلال، تبقت مزعة مصداقية في صحيفة هكذا نظام عارٍ من الفضيلة ومعادٍ للصالح العام؟! وهل من الناحية الموضوعية النظر للانقاذ من خلال مبادراتها المطروحة في كل مرحلة، أم النظر الي الانقاذ من خلال مجمل المراحل، خاصة وان مرجعيتها الحاكمة لكل المراحل، تتمحور حول السلطة حصريا، بغض النظر عن افرازات هذه العقيدة السلطوية، علي احوال المواطنين وتماسك الوطن؟!
بعد هذه الخلفية القاتمة، والتي علي ضوءها يعاد او من جرابها يتم اخراج لعبة (انتخابات 2020) كحيلة مستجدة، تستجيب لمرحلة الانقاذ الراهنة من التلون، هذا من ناحية، ولرهان الانقاذ علي هشاشة قطاع في المعارضة، من ناحية اخري. وكل هذا ما لا يستغرب في منظومة تعتاش اصلا، علي هكذا حيل والاعيب، لا تستحق حتي التنويه او الانشغال، من فرط ما اصبحت مبتذلة وتثير السخرية والمرارة! ولكن ما يدعو للحيرة والارتباك حقا، ان يتلغف هذه الدعوة الماكرة او التلميحات (التصريحات) البشيرية الهستيرية، فصيل معتبر ومحترم من المعارضين! بل وتجد منه كل هذا الاهتمام، قبل ان يجعل منها محور برامج او خطط عمل مستقبلية، وهذا عندما لا يحولها البعض لخطوط حرير ينسج منها قصور حالمة في جنة الاماني المخملية.
وعليه، يجب الانتباه، حتي لا نغرق في لجة هذه الاحلام الوهمية والافكار الرغبوية، او التصورات الجوفاء التي لا تسندها اي حوامل واقعية، وهذا عندما لا تكون هي نفسها، تعبير عن حالة الشيخوخة المبكرة، التي اصابت وعي وارادة قطاع كبير من المعارضين النشطين، او هي في حقيقتها خيانة لذاكرتهم او استعلاء بحكمتهم! وكأن مهمة المعارضة هي رؤية حصيلة جهدها كانجاز عاجل، وان كان مغموس في ذل التخاذل والارتهان لقانون الاستبداد العقيم، او الاكتفاء بمجرد اصلاحات شكلية لا تستهدف جوهر الاستبداد، بوصفه اساس كل المصائب التي يرزح تحتها الوطن. وغير كونها مكاسب عاجلة (اصلاحات شكلية او تنازلات صورية) ومشكوك في نجاعتها، في زحزحة صخرة الاستبداد، إلا انها تقطع الطريق امام اي احتمالات لتغييرات جذرية، مهما كانت صعبة الوصول او طويلة المسير، الا انها تظل الوحيدة القادرة علي اعادة الاوضاع الي نصابها، وتاليا ضمان سلامة الاجيال القادمة من الشراب في نفس الاناء المسموم، الذي تجرعته اجيال الحاضر واصاب حضورها بالشلل والاكتئاب.
عموما، وحتي لا نلقي الكلام جزافا، نحاول مناقشة بعض طروحات المهرولين لانتخابات 2020 ، بهمة وحماس يحسدهم عليها مناصروا البشير لاعادة الترشح؟
اولا، من هي الجهة صاحبة المبادرة او المقترح، او من اخترع هذه الجبهة المفتوحة او المصطنعة للجدال والحوار وشغل الراي العام؟ وتاليا صاحبة المصلحة الحصرية في هذا العراك من دون معترك (ما يحاكي الحبال من دون بقر في المثل)؟ بالتاكيد هي منظومة الانقاذ، المستفيد الاول من كل هذا الحراك المحتدم حول اللاشئ! وإذا افترضنا جدلا نية الحكومة الصادقة، مشاركتها المعارضة انتخاباتها القادمة، حتي تكسبها طعم ولون خاص، بدلا عن المشاركات الباهتة وعدم الاهتمام من المواطنين، الذي وسم الانتخابات السابقة، علي الطريقة الانقاذية بالطبع، والتي حاولت فيها كل الحيل لمغازلة المعارضة واغراء الجمهور بالحضور، ولكن من دون فائدة! الشئ الذي جعل فوزها في انتخاباتها الخاصة، بطعم لم ينجح احد، وكانه عزاء في جنازة وليس ثقة في فوز! بدلالة، نادر جدا ما تتحدث الحكومة عن مسالة الشرعية التي اكتسبتها عبرها، وهذا عندما لا تتحاشي ذكرها، وكانها عار وليس انتصار! وهذا ناهيك عن غياب كل يمت لتبعات العملية الانتخابية بصلة، سواء علي مستوي المؤسسات او القوانين او الممارسة او هامش الحريات..الخ، والحال كذلك، ما قيمة الانتخابات؟!
والسؤال الذي يفرض نفسه في هكذا اوضاع، ما هي نسبة فوز المعارضة في انتخابات لا تتحكم في اي تفصيل فيها، مهما كانت هامشيته (اي باعتبارها ضيف مهذب علي صاحب الدعوة)؟ خاصة، او من المعلوم بالضرورة، ان العملية باكملها مصممة لاعادة الشرعية المفتقدة والروح المعنوية للبشير بصفة خاصة ومنظومته بصفة عامة! اي اعادة تاهيلهم شرعيا ومعنويا، عسي ولعل يتم ردم الهوة الهائلة، ليس في نقص الشرعية فقط، ولكن في الفشل الذريع والشامل والاخطاء الكارثية والجرائم الممنهجة، التي تخترق منظومتهم راسيا وافقيا وزمنيا. وما يجهله المهرولون نحو المشاركة، ان هذا الانخراط في المعمعة الانتخابية، قد يجبرهم علي مهادنة الانقاذ والتخفيف من حجم اخطاءها وجرائمها، بل وقد يصل الي تملقها بطرق ملتوية، حتي يتمكنون من تبرير هرولتهم وتبيض مواقفهم! اوليس اللعبة الانتخابية في حد ذاتها عامل مشترك بينهما، وتاليا لهما مصلحة مشتركة في الدفاع عنها بكل الوسائل؟!
اما حكاية المشاركة تكسب المعارضة خبرة وتحرج حكومة الانقاذ (وكانها لها حياء) وتضعف فرص التزوير (موجه لمنظومة قائمة اساسا علي التحايل وتتغذي علي الشعارات الفارغة)؟ فهكذا روايات خيالية لا تسندها اي قدرات واقعية (ان وجدت ما الداعي اصلا، لمشاركة جماعة غير شرعية، عملية انتخابية؟) او توجد سابقة تسندها، سواء في الانتخابات السابقة، او في نظم مشابهة، بل واقل استبداد وجرائم، ولا يُطلب جل قادتها للمثول امام المحكمة الجنائية؟ بمعني آخر، السلطة لا تمثل للانقاذ وسيلة لاحتكار الامتيازات والمحافظة عليها فقط، ولكنها غاية في حد ذاتها (الاستعلاء جزء من تركيبتهم)، وآلية حماية من المحاسبة والقصاص! اي امتلاك السلطة مسالة وجودية وليست تفصيل عابر! وتاليا ليس هنالك اي فرصة ولو بنسبة صفر في المية (ولو ان ذلك لا يمنع التلاعب في النسب لكسب المصداقية التي تؤرق الكذبة) لفوز المعارضة؟! وعموما، هذا الطرح (كسب الخبرة) يذكرني بخيبات الكرة السودانية، عندما تفشل كعادتها في احراز نصر خارجي، فتدور مباشرة الاسطوانة الممجوجة، التي يعاد تكرارها دون ملل (من قبل محبي السفر وكنز النثريات) بان فائدة المشاركة كانت في الاحتكاك، وذلك غصبا عن تراجع النتائج في المشاركات التالية؟! والحال كذلك ليس بمستغرب، ان تعمد حكومة الانقاذ، وكما زرعت عناصرها في المجال الرياضي بغرض السيطرة علي نادي القمة خاصة، لقوة تاثيرهما! ان تفرغ بعض عناصرها للسيطرة علي العملية الانتخابية، لنشهد جمال والي آخر في جلباب الاصم، او تصبح الانتخابات كمهرجانات التسوق، في افساح المجال امام نهب واهدار المال العام، او كمدخل لغسيل الاموال، او غيرها من مداخل الفساد المباح! وتاليا تتحول الي آلية افقار للشعب المفقر، وانهاك للاقتصاد المنهك! وليست وسيلة اصلاح كما يحلم الواهمون! واخشي ما اخشاه ان يفيقوا علي حقيقة معاملة (توظيف) الانقاذ لهم ك(م ن) الشائع في ادبيات النظم الشمولية؟!
ثانيا، من الآراء المتداولة عن اهمية المشاركة، انه يمكن الانسحاب من العملية الانتخابية في اي مرحلة؟ وهذا لعمري افدح واضل سبيلا! والسبب انه يلغي مسؤولية المشاركة من الاساس، قبل ان يطعن في جدية المشاركين، ويصور المعارضة عن حق، علي انها لا تستند علي اي مرجعية، إلا ما يصب في مصلحتها! والحال كذلك، ما هو ضرر الانقاذ واتباعها؟ اليس مصيبتنا مع الانقاذ، في تلاعبها بالشعارات والمواقف، وعدم استنادها علي اي مرجعية وطنية، إلا مصالحها الخاصة، وكذلك غياب المحاسبة عن ساحة اعضاءها، وتحمل مسؤوليتها عن اعمالها. بل من الاكرم للمشاركين اذا قبلوا مبدأ المشاركة في الانتخابات بعلاتها، المعلومة للكافة، ان يحترموا خياراتهم التي آمنوا وبشروا بها، ويواصلوا في طريقهم حتي النهاية، وبما فيها تهنئة البشير علي فوزه وان تمَّ بنسبة 110%. لان في ذلك اتساق مع طرحها يجلب لها التقدير! بدلا عن التذبذب في المواقف (الذي يسبب الدوار للمتابعين) وكان الغرض من الانتخابات هو الفوز فقط؟! فمثل هذه المواقف الملتبسة والمسالك الملتوية والنظرة الضيقة للانتخابات، هي ما جعل المعارضة نفسها اقل جاذبية، وصرف الكثيرين عن الثقة فيها والانضمام اليها! اي علي اعتبار السياسة لعبة نخبة وتدوير للمصالح بينها، وذلك باستغفال الشعوب وشغلها بالشعارات الكبيرة، التي لا تعقبها إلا الاعمال الصغيرة والنتائج التافهة! وبكلمة محددة، المطلوب من المعارضة (ايًّ كان موقعها) ان تقدم نموذج جيد وبديل مقنع، اي ان تكون اكثر اتساق وليس اكثر براغماتية، وإلا من الافضل لها ان تلتحق بالانقاذ حتي من دون انتخابات، طالما الفوارق انمحت بينها.
وفي ذات السياق، كنت اتوقع من تحالف المحامين الديمقراطيين الذي خسر الانتخابات، ان يهنئ جناح المؤتمر الوطني الفائز، طالما ارتضي المشاركة في انتخابات النقابة رغم علمه بسوءاتها، ولم يلتزم او يتمسك بشروط ضبطها وعدالتها، كسبيل وحيد لخوضها! وليس العياط بعد الخسارة وكانها شئ غير متوقع، او التشكي من التزوير وكانه امر مستهجن، في هكذا انتخابات تجري، في ظل بيئة انقاذية استبدادية مُسيطر عليها بالكامل، والاسوأ من ذلك، ان ذات الفصيل من النقابة والذي يتصف بالوعي النوعي، خاض نفس التجارب، بل وبذات السيناريو؟! واهمية الاعتراف بفوز ممثل المؤتمر الوطني وتهنئته، لا يعني احترام العملية الانتخابية بعلاتها، ولكنه يعني المبدئية والالتزام بالخيار والمنشط الانتخابي، حتي وان كان مصيره الخسران، اي المشاركة من اجل تثبيت مبدأ وليس تحقيق نتيجة مستحيلة (فهذه مبلوعة نوعا ما! ولكن فقط، مع توافر حسن النية غير المشروط). والسبب ان المشاركة نفسها تمت بصورة طوعية، ولم تكره الانقاذ احد علي المشاركة في انتخاباتها التي تتحكم فيها بالكامل! والخلاصة، من لا يسعي لتهيئة بيئة انتخابية حقيقية، لتصبح اكثر شفافية ومصداقية وعكس لتوازن القوي المشاركة بعدالة، لا يحق له البكاء علي النتائج! وهذا هو الحد الفاصل بين المشاركة والمقاطعة، وإلا اختلت (نواميس) القيم والمعايير، واصبح كل فرد او تيار مرجع ذاته، وهي مرجعية محصلتها النهائية، هي مصالحه الضيقة، التي بالقطع لا يمكن لها ان تتقاطع مع المصلحة العامة في كل الاوقات. والحال كذلك، المقاطعة نفسها موقف، وان كان من منطلق العجز في تغيير البيئة الانتخابية، إلا انه اكثر اتساق مع القناعة الانتخابية ذاتها. اي بوصفها ممارسة طوعية اساسها حرية الاختيار، ولذا هي تأنف حتي من شبهة الاستبداد، الذي يمكن ان يحشر انفه في حق ممارستها، ناهيك عن تحكمه السافر في كل مفاصلها. في هذا الاطار، لابد من التذكير مرة اخري، ان الانتخابت ليست غاية في حد ذاتها، ولكنها جزء من منظومة كاملة، تستهدف اعادة تاسيس الدولة السودانية علي اسس حديثة، ترد للمواطن كرامته وللوطن قيمته، بعد ان تضع اقدامهما علي طريق التحرر والرفاه، والانضمام للاسرة الدولية من موقع المصالح المتبادلة والندية. وهذا ما لن تنجزه إلا انتخابات تستند علي دستور محايد وتوافقات وطنية، تشترك في تنظيمها كل الفاعليات الوطنية دون تمييز او محابة لاي عنصر من مكوناتها او طرف من اطرافها! وليست انتخابات مصممة (موجهة) من قبل نظام قمعي، بغرض تجميل صورته، شانها شان صناعة المكياج، الذي ينتهي مفعوله بانتهاء الحفل! والحال هذه، ليس مصادفة ان تصبح مثل هذه النوعية الانتخابية الاخيرة (صالونات التجميل) فرصة ذهبية للمطبلاتية والعطالة والمطففين (المصففين) ان يشتهروا ويثروا وترتفع اسهمهم ومكانتهم مجانا؟!
في جانب آخر ذي صلة بنظرية المقاطعة في المراحل الاخيرة، تعيد لنا هذه الدعوة للممارسة البراغماتية (تهتم بالمكاسب وليس المواقف) نفس الموقف الذي وقفه السيد ياسر عرمان، والذي لسخرية القدر يدعو للمشاركة في الانتخابات مرة اخري؟! فالسيد ياسر عرمان وابان مشاركته في انتخابات 2010 وظروفها افضل من انتخابات 2020 وبما لا يقاس، انسحب في ظروف غامضة، ودون ان يقدم اعتذار ولا نقول استقالة (يبدو انها عصية علي تربية سياسية سودانية، تتعاطي السياسة كمهنة وليس كخدمة!) او حتي تبرير لانسحابه يحترم جموع مناصريه، والذين لفتهم الحيرة وقتها، ليصبحوا نهم لتفسير شاع حينها، ان الامر كله صفقة بين الحركة الشعبية والانقاذ، تسيطر فيها الاولي علي الجنوب والثانية علي الشمال! بمعني كل التضحيات وشعارات الوحدة ومطالب دولة المواطنة، ضاعت هباءً منثورا، وهذا ناهيك عن ضياع اكبر فرصة لتقويم الحال المائل، الذي شبعنا تنديدا بكوارثه. فهل بعد هذا يحق لعرمان شخصيا، ان يحدثنا عن المشاركة في انتخابات، لهي بكل المقاييس اكثر بؤسا وتزويرا للارادة العامة! وما هي الضمانات بعد ان يصرف الجمهور جهده ووقته واهتماماته لمدة عامين، بعد ان يتخلي عن كل طموحاته في ازاحة سلطة الانقاذ الفاسدة، ان لا يُفاجأ ان عرمان او غيره من المرشحين، قد اعلن انسحابه بليل! وبالطبع، دون مشاورة قاعدته، او تبرير انسحابه، او تقديم اعتذاره؟! مع العلم ان حجة التزوير والسيطرة علي اجهزة الاعلام ولجان الانتخاب..الخ، هي حجج باطلة سلفا، لعلمهم بها حتي قبل مشاركتهم؟! بل ايراد مثل هذه التبريرات، لهو طعن في كفاءة المشاركين، بل وصدقيتهم ذاتها؟! لان الجهل او التجاهل لهذه الابجديات، لهو سذاجة لا تليق بمن ينهض لمواجهة الانقاذ المدججة بالسلطة والمحترفة للمكر، ناهيك ان يكون مؤهل لادارة دولة لهي اصعب وبما لا يقاس! وعموما، مثل هذه المسالك هي ما يجعل المعارضة بصفة عامة، اكثر عزلة وتغريد خارج السرب.
وثالثا، هنالك تساؤل يدور حول، ما هي الفائدة المرجوة من عدم المشاركة، غير انها تترك المجال لفوز الانقاذ بكل سهولة؟ وهذه نوعية من الاسئلة المحيرة في طرحها او (المغببة اذا جاز التعبير) فهي تفترض سلفا ان هنالك احتمال للفوز ولو بنسبة 1%؟! هل يعقل ان من يعلم شيئا عن منظومة الانقاذ، وماذا تعني لها السلطة، ان يحلم بمجرد حدوث هذه النسبة المنعدمة، ناهيك ان يقوم بتصديقها؟! ولكن هذا لا يمنع ان نعيد عليهم السؤال بصيغة اخري، ومن واقع التجربة الانقاذية! ما هي الاستفادة المتحصلة من الاشتراك الذي تم في حوار الوثبة، (ولا نقول الانتخابات السابقة) مع العلم ان الانتخابات مدار الاهتمام لا تختلف في شئ عن ذات سيناريو هذا الحوار؟! هل حدث تغير في سلوك الانقاذ بعد الحوار؟ هل تقدمت خطوات الديمقراطية او المشاركة او اعادة توازن السلطات، او حل اي واحدة من مشاكل الوطن، باي كيفية او درجة؟ّ ام العكس هو الصحيح، بعد ان زادت الازمات السياسية استحكاما والحلول الاقتصادية استعصاءا، بسبب غشاوة الحوار التي القت بظلالها عليها، او اكسبت الاخطاء والفشل والفساد شماعة او منحتها منفذ، بعد ان فرقت دمها علي مكونات حكومة الحوار الوطني؟! واذا كان كل ذلك حدث، لمجرد حوار لا يمس سلطة الانقاذ وامتيازاتها بالشئ الكثير، فماذا نتوقع من انتخابات تتقصد المساس بجوهر السلطة الانقاذية (وإلا لا معني لها)! فهل والحال هذه، يسمح نظام الانقاذ باي مخاطرة تستهدف وجوده حصريا؟ حتي يجوز السؤال، عن ترك المساحة وسهولة الفوز وغيرها من تعبيرات السذاجة والتفاؤل الكاذب (المُبرِهن علي الارهاق غير الخلاق). المهم، اذا صدرت هذه التساؤلات عن قناعة، وليس محبة في الجدل او احباط من بقاء الاحوال علي حالها! فعندها نبشر الانقاذ بطول سلامة، اذا كان هذا كل رصيد دعاة المشاركة في الانتخابات؟!
رابعا، هنالك تصور يري ان المشاركة في الانتخابات، ستوقف معاناة المناطق الطرفية من الحروبات، والتي يستغلها ابناء المركز في اضعاف الحكومة المركزية؟ اعتقد ان مثل هذه النظرة العنصرية المعكوسة والقاصرة، والتي تنسب كل الاخطاء للمركز (بعد ان تحوله الي كتلة واحدة صماء ومتفقة علي الايزاء بالهامش!) تحرف النظر والاهتمام والجهود عن المعضلة الحقيقية، والمتمثلة في وجود منظومة الانقاذ الكارثية، والتي تكوينيا ومصلحيا ضد الجميع، قبل ان تستثمر في التلاعب بالتناقضات الداخلية بين بقية المكونات (كل ما هو غير انقاذي)! وهذا بدوره يستدعي اتحاد الجميع ضدها، كمخرج وحيد لحل كل التناقضات الداخلية بصورة سلمية، ولا يحتاج التذكير ان معضلة الانقاذ هي ما يعيق اعادة ترتيب الدولة السودانية، بالدرجة التي تتساوي فيها الجهات والاعراق والديانات، وتتوزع فيها الثروات والسلطات بعدالة.
وإذا كان الهامش عاني تاريخيا في الدولة السودانية القديمة والعتيقة، فالمؤكد ان للمركز هامشه ايضا! بل الاكثر صحة، ان المركز هو حالة ثقافية ونفسية، تسيطر علي النخب المتعلمة والطبقة العسكرية، وتاليا هو عابر للجهات والاعراق والطبقات! وعلي ضوء هذا التفسير، يصبح الهامش الحقيقي، من هم خارج هذه الدائرة، بغض عن النظر عن اصولهم او مناطقهم! وبما ان المركز (المركزوية حالة تمحور حول الذات، او منطلق الفعل وردات الفعل تدور او تتغذي علي المصالح الخاصة حصريا، قبل ان يدفعها الغرور لفرض مرجعيتها او معاييرها وقيمها علي الهامش) بهذا الوصف، فهو يمثل اس البلاء (انتاج البلاوي) الذي سلم المواطنين للشقاء، وقذف بالدولة السودانية الي المجهول! والاسوأ ان من بين شقوقه وترسباته تم افراز منظومة الانقاذ النازية، اي بوصفها اكثر تجلياته تطرفا وعدمية. ولكن بالعودة لمفهوم المركز بمعناه الضيق، الذي لا يخلو من اتهام مبطن لابناءه، نجد ان ذات المركز هو من دفع اكلاف اغلي ثورتين ديمقراطيتين في تاريخ الوطن اكتوبر 64 وابريل 85، وان جزء كبير من ابناءه بذلوا جل حياتهم من اجل رؤية الدولة السوادنية وشعبها يرفلون في ثوب الديمقراطية والرفاه، هذا ليس دفاعا عن المركز (ولكن كراهة التعميم المضلل والظالم) والذي يسيئ اليه الدفاع، لان حاجته اكثر (للتهميش لصالح الهامش، حتي الوصول لمرحلة المساواة او التوازان العادل ومن ثم ازاحة المصطلحين من الوجود). اي المطلوب مقاربة جديدة اكثر عقلانية وعدالة وحداثة، ولحسن الحظ هي نفسها لا تحتاج لاختراع، بسبب توافر نماذجها في تجارب عديدة ومشابهة لظروف بلادنا. المهم، حرف القضية وادخالها في هذا النفق المفتوح علي التوهان، فيه قصر نظر وترسبات عنصرية ليس في مستطاعها (لاحتواءها علي طاقة سلبية ونزعة هدم/انتقام) في اي زمان ومكان، تحرير الشعوب او بناء دولة عصرية تستوعب الجميع! والحال هذه، فهي عندما لا تقدم خدمة جليلة للانقاذ، فانها في افضل الاحوال تقود للانفصال، وفي اسوأها تؤدي للحروب الاهلية العدمية. والسؤال المعكوس او الموجه لهذا التيار، كم من الانتخابات قامت او اجرتها حكومة الانقاذ، ولكن احوال الاطراف لم تتغير، وهذا ان لم تكن ازدادت سوءا! والحال هكذا، من يضمن ان الانتخابات القادمة (ان لم يسبقها طوفان كل مقوماته متوافرة) والتي لا تحتاج لذكاء لمعرفة نتيجتها (كما يحدث في المسابقات التلفونية الفضائية باسئلتها الساذجة وجوائزها المغرية المسيلة للاتصالات) ان تستمر علي ذات المنوال! اي من يمنعها من زيادة وتيرة حربها علي الاطراف، اذا كان ذلك يخدم قضية بقاءها في السلطة، خاصة وهي تتلفح بغطاء الشرعية الانتخابية المختوم بدمغ المشاركين؟!
خامسا، ماذا عن ضعف المعارضة وانعدام البدائل؟ إذا صح مثل هذا التساؤل، ما هو موقف الديمقراطي الاصيل في هكذا اوضاع؟ بمعني، هل انعدام البديل (المثالي) مبرر للقبول بكل البدائل، بما فيها ما يناقض ويشكك في اصالة الموقف الديمقراطي نفسه؟ وهو ما يعني بشكل او آخر، الاستجابة لشروط السلطة المستبدة، وبما فيها التصديق او التعامل مع فرية الديمقراطية والانتخابات وهامش الحريات..الخ من دعوات او شعارات، حق يراد به باطل، قبل ان تناقض طبيعتها وتتلاعب بمدلولاتها ووظيفتها! اي تجعلها تعبر عن كل شئ إلا حقيقتها، او بصريح العبارة تكتب نهايتها بيدها! واذا تركنا هذا جانبا لانه يتعلق بالسلطة وحساباتها. ماذا نعني بالمعارضة، اي ما هو مفهومها او وظيفتها، اليس هي انتاج البدائل، وبما فيها تجاوز ما هو موجود، طالما فشل في انجاز المطلوب! اي الفعل المعارض بطبعه مزدوج الطبيعة، اي يعمل علي اصلاح الذات (الداخل) والعمل علي اصلاح الخارج (الدولة)! إذا صح ذلك، يصبح ضعف الاحزاب والحركات وفشلها، هو مسؤولية كل المعارضين بغض النظر عن مسافتهم منها! وتاليا من باب اولي، الضغط تجاه تقوية الجبهة المعارضة، بتحريرها من عيوبها وتخليصها من نواقصها، حتي يستوي عودها وتتاهل عمليا ليس لمواجهة الانقاذ، ولكن بامتلاك الاستعداد والقابلية لبناء الوطن! اما الهروب من هذا الاستحقاق، والالتحاق بدعوات استبدادية مخادعة (معلوم خبثها وطواياها)، لن تنتج حل حقيقي باي حال من الاحوال، فهي وبتوفر حسن الظن في اصحابها، التفاف علي الحل او تاجيله لاجل غير مسمي، وبغض النظر عن اكلاف ذلك علي المدي البعيد! اي هو استجابة لمشاعر يأس، اكثر من كونه مقاربة عقلانية تروم الخروج من جب الازمة المستحكمة والمستطيلة؟! وهذا بدوره ما يضعف حتي المعافرات الصعبة والاحتمالات العسيرة، في انجاز حل حقيقي وجذري، ولكنه وحده الكفيل بقطع دابر المراوحة، بين وعود النظم الاستبدادية الفارغة، وهرولة المعارضة المرهقة للقبول بكل التنازلات! وهو طريق قدره الوحيد المرور علي جثة الانقاذ، رفعت الاقلام وجفت الصحف. وبكلمة مختصرة، عدم دفع استحقاقات الحلول الجذرية، يعني استنزاف كل الطاقات والتضحيات والتطلعات المستحقة، في سبيل القبول بالفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع! والسؤال، هل الفشل في مرحلة او عدد من المراحل، يعني التسليم ورمي كل الاسلحة؟ او يعني تحول الحق الي باطل، والباطل الي حق، او الصاح الي خطأ والخطأ الي صاح؟! وهل يجوز تبرير كل هذه التحولات الدراماتيكية، بحجة ان السياسة فن الممكن، وكانها مخترع حديث وليس سابقة علي الانقاذ نفسها، وتحتمل تفاسير لا حصر لها، وتاليا المسؤولية تقع علي عاتق المفسرين/المستغلين؟! اما الاسوأ من كل ذلك، فهو تجميل وجه الاستبداد الكالح مجانا، وتصوير ذلك الموقف، وكانه الموقف الصحيح، والمناسب في الوقت المناسب، وهذا عندما لا يضمر احيانا، وكان اصحابه هم الاكثر ليبرالية وانفتاح ومرونة وفهم لمجريات الامور، مقارنة بالمقاطعين بالطبع، والذين بالتاكيد يصبحون وكانهم اكثر تزمت ومحافظة وسلفية! ويا لها من محنة تضاف الي محن الاستاذ شوقي بدري، عندما ينطبق هذا الوصف، علي من يرون واقع الاشياء كما هي، مهما كانت صادمة، دون خداع للنفس او التعلق باوهام كاذبة! اي كانهم (رافضة آخر زمان الانقاذ الداعشي) والحال هذه، لا نستغرب في وارد الايام، ان يعاملوا بكثير من العنف الصحفي! ويا لها من خاتمة تعيسة اذا ما وصلنا لهذا الدرك، والانقاذ تشاهد وتفرك يديها فرحا وشماتة، علي هذا المنقلب؟!
سادسا، ماذا تستفيد الحكومة من الانتخابات، او كيف تتضرر المعارضة منها؟ وهنا نصل لنقطة تحرير الخلاف. في البداية لا اعتقد ان هنالك خلاف حول ان منظومة الانقاذ، مجردة من السياسة والوطنية والقيم الايجابية! وهي في محصلتها النهائية تشكيل عصابي، استمرأ انتهاك حقوق المواطنين، وحرمة كيان الدولة، بعد ان صادرهما بالكامل، لصالح اشباع رغبات اعضاءه المريضة! والحال كذلك، كل ما يخدم هذه المنظومة، هو بالقطع ضد المعارضة وقبلها مصالح المواطنين! وعليه، ليس هنالك منطقة وسط او نقاط تقاطع من اي شكل او نوع بينهما! وإلا اصبح لا محل لا لوجود قيم او معايير او مصلحة عامة من الاساس. واي محاولة للالتفاف علي هذه الحقيقة الساطعة، او محاولة تجميلها بوهم حدوث تغير ولو طفيف، في جوهر نطام الانقاذ الاستبدادي! ما هي إلا محاولة يائسة لانكار واقع ظالم وجائر، ينذر بالخطر علي حاضر المواطنين ومستقبل الوطن! وهذا غير انها ليس بمستطاعها ان تكون بديل عمل وطني، لبديل يعتقد السادة (المشاركون) انه غير موجود ولا سبيل لايجاده! وكان الحياة توقفت او ممكنات ومحاولات الشعوب لتحرير نفسها، كتب عليها الفناء، والاصح حكموا عليها بالاعدام. والاسئلة التي تفرض نفسها والحال هذه، الا يعتبر هذا الاحتمال (المشاركة في الانتخابات نفسها) كان يوما ما واحد من المستحيلات في مخيلة اصحابه المهرولين نحوه الآن، ولكنه تحقق؟ وإذا افترضنا ان هذا البديل (الوهمي) لم يطرح اصلا، او تم حذفه من قبل اصحابه (منظومة الانقاذ) لعدم حاجتهم له، فما هو بديل المهرولين عندها؟ واذا كان هنالك امكانية لحشد الجميع خلف المشاركة، فلماذا لا يتم حشدها لمناصرة قضايا اكثر الحاحا ونفعا؟ ولماذا تتم مصادرة حق المقاطعين في التفكير في بدائل جديدة، او تجويد بدائل قديمة لم يحسنوا استخدامها؟ وما هي ضمانات هذه الخطوة التي يقدمون عليها، حتي يصورنها وكانها الخلاص الموعود؟ وايضا، الم يحترزوا او يتعظوا ممن شارك الانقاذ سلطتها، وكيف وصل بهم الحال لان يكونوا اسوأ من الانقاذيين انفسهم (راجع نموذج احمد بلال وغيره)؟! ثم الا تقطع المشاركة الطريق، علي نقد البشير او التشكيك في شرعية النظام، مهما كانت درجة الجرائم والتلاعب والفساد المرتكب، بحجة صك الشرعية الانتخابية في ايديهم، وقبلها امتلاك السلطة المطلقة؟ وكيف يمكن المطالبة بالقصاص والمحاسبة علي الانتهاكات السابقة في حق الضحايا والوطن، طالما نال اصحابها جائزة الشرعية الانتخابية؟ مع العلم انها انتخابات لا تملك اي انياب او قدرة علي تغيير بيئة القضاء والبرلمان..الخ، حتي لا يتنطع علينا اصحاب المشاركة، بالقول انهم قادرون علي منع حدوث ذلك بالضغط الدستوري؟ اما الاكثر احراج، اذا ما افترضنا جدلا، انه وخلال هذه الفترة الطويلة والصعبة والمليئة بكل الاحتمالات (اكثر من عامين حتي نصل للعام 2020) حدثت انتفاضة ونجحت، او قمعتها الحكومة بعنف كما حدث في (هبة سبتمبر المباركة) ما موقف المهرولين حينها؟ اهو الصمت ام اللوم للمحتجين ام التنديد بالنظام وخسارة المشاركة؟ وكيف يمكن تجميد مشاعر الناس كل هذه الفترة، وهم يواجهون استفزازات وفساد وجرائم النظام يوميا؟!
وبالعودة الي الفائدة العائدة علي الانقاذ، نجدها تتمثل في الانتقال من الحالة العصابية الاجرامية التي تعكس حقيقتها، الي وضعية الشرعية الانتخابية المزيفة لحقيقتها، بل والمكرمة لتاريخها الدموي النهبي، قبل ان تعود عليها بمكاسب لا حصر لها، اقلاها تجاهل جرائمها السابقة، والتستر علي تجاوزاتها اللاحقة؟ وكله بفرية الشرعية الانتخابية؟! وهذا لعمري قمة التغبيش للوعي والتزوير للاردة، الذي يقع فيه المهرولون للمشاركة؟ ولذا نجدهم يجهدون انفسهم، لتسويق هذه التجارة البائرة او السلع الفاسدة، بمبررات وحجج لا حصر لها، وعلي راسها الاتكاء علي معاناة المواطنين وفشل المعارضين. وخلاصة هذه الجزئية، ان الانتخابات حل لازمة النظام، وليس حل لمشاكل المواطنين والبلاد بصفة عامة. وبما ان النظام هو اساس المصائب والمؤسس لكل الصعوبات الاقتصادية والاختناقات السياسية، فتاليا حل ازمة النظام تعني، تكريس للصعوبات وتفجير للازمات وتفاقم للمشاكل بمتوالية هندسية! وبكلمة واحدة انغلاق سبل الحل نهائيا، والعكس صحيح. وعليه، الانتخابات ليست بديل ولكنه تعطيل.
واخيرا، الخوف كل الخوف، من نجاح الحكومة في شق صف المعارضة، عبر تسويق هذه الفرية الانتخابية، وتاليا زيادتها (المعارضة) شقاق علي شقاق، لا يفيد في محصلته النهائية إلا سلطة الانقاذ الكارثية، التي تجيد الاستثمار في هكذا اجواء صراعية، كما سبق ذكره؟!
ومن جانب آخر، الانشغال بهذه القضايا المزيفة والمفتعلة، يصرف الجمهور عن الاستفادة من اسوأ مراحل الانقاذ، والمتمثلة في حصارها (زنقتها) في زواية ازمتها الاقتصادية المستحكمة، مع انعدام الحلول امامها بعد وصولها الي طريق مسدود، وقبلها استنفادها كل الفرص المتاحة، سواء ببيع ممتلكات الدولة وهدر مواردها، او برد دول الخليج طلباتها (تسولاتها) المتكررة للمال، او بسقوط ورقة الحصار، وانكشاف سوءة الاقتصاد في العراء؟! كما انها لن تقوي علي محاربة الفساد، بوصفه احد اركان الايمان في الانقاذ! وزاد الطين بلة، وضع ميزانية (كشملة كنيش ورائحتها كلها زيت سمك) بطريقة غير فنية، وليس لها صلة بالواقع، وليس مصادفة ان تضع عبء الفشل كله علي الفقراء، لتحول الحياة الي جحيم لا يطاق! اي في دولة طاردة بكل المقاييس، بسبب انعدام فرص الحياة اللائقة، يُفرض علي المفقرين والمعدمين تمويل اجهزة الدولة المترفة؟! وعموما، مع هذه الميزانية الهلامية التي تحاكي نفخة المشروع الحضاري الكاذبة، لا سبيل امام السلطة الانقاذية الفاشية إلا التهور والجنون، وهو ما سيعجل بنهايتها القريبة، او اقلاه بداية النهاية! وهذه ليست من باب الامنيات الطيبة، بل العكس هذا ما يحمل مخاطر تتناسب مع شكل النهاية ووسائلها، وطريقة تعامل الفاعلين السياسيين في المعارضة معها! ولكن ما نقصده، وبحسابات بسيطة نجد، من ناحية اقتصادية لا سبيل لبلوغ العام 2020 بهكذا قدرات اقتصادية متهالكة وطاقات سياسية مستنفدة، إلا في حالة وجود نجدة خارجية، مشكوك فيها، بسبب تذبذب مواقف النظام وانعدام مصداقيته! بمعني، النظام فقد قدرة السيطرة علي الاقتصاد، وهذا من اكبر ابواب عدم الاستقرار، الذي تباهي به الانظمة المستبدة، وتستعيض به عن الشرعية. ومن ناحية اخري، ازدياد الضغط الداخلي والخارجي والفشل علي كل الاصعدة، سيزيد من تناقضات النظام الداخلية، وزيادة صراعات مراكز القوي وجماعات المصالح، وقد يؤدي هذا في اي لحظة الي ظهور تغييرات مفاجئة، تحاول انقاذ ما يمكن انقاذه، بعد تغيير جلد النظام وادخال تعديلات تحاول ارضاء الداخل الغاضب والخارج المتحفز! وعموما، هذا النموذج الاخير في حال حدوثه، لن يخدم لا قضية الديمقراطية ولا المشاركة ولا اعادة بناء الدولة! لانه ببساطة قد يعبر عن (زيمبابوي تو).
آخر الكلام
بما ان الوصول لانتخابات 2020 مشكوك فيه، بسبب هكذا اوضاع هشة موصوفة اعلاه، فمن باب اولي الالتقاء علي كلمة سواء، والالتفات لما يمكن انجازه في هذه الظروف، وما هي افضل المكاسب التي يمكن الحصول عليها والاستثمار فيها، من اجل عودة الدولة للمواطن والسلطة الي رشدها والتآلف الي المجتمع! وهنا هنا فقط تكمن القضية ومدار الجهد ودائرة الجدال. ملحوظة: هذه المادة كان مخطط لها الظهور قبل اسبوع، ولكن وعكة صحية حالت دون ذلك، ويبدو ان سوء الحظ لا يلازم الوطن فقط، ولكن كل ما يتعلق به. وهل هنالك سوء حظ اكبر من وطن، وهبه الله كل اسباب العملقة، لتتسلط عليه حفنة مارقة تعيث فيه تحطيما وفساد؟! ولا حول ولا قوة الا بالله. ودمتم في رعايته.
بواسطة : admin
 0  0  271