• ×

08:21 مساءً , الأربعاء 21 فبراير 2018

قائمة

سحابة الكلمات الدلالية

كيف يفهم الشعب السوداني محاكمة «رئيسه»؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 كيف يفهم الشعب السوداني محاكمة «رئيسه»؟

محجوب حسين
October 4, 2015

■ ينظر كثير من السودانيين إلى صك الاتهام الجنائي الصادر من المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية ضد الرئيس السوداني عام 2009، في جرائم تتعلق بالإبادة وضد الإنسانية، على أنه انتصار لقيم العدالة الإنسانية، في طبوغرافيا سودانية مليئة بالتجاوزات وانعدام شروط البقاء الإنساني.
طبوغرافيا انعدمت فيها كل القيم الإنسانية المتعارف أو المتفق عليها. مقابل هذا، ترى عُصبة « الشر» السودانية الحاكمة، أن الأمر لا يعدو كونه «مؤامرة» دولية ضد توجههم الإسلاموي، (ليس الإسلامي، كتوجه حضاري، نهضوي قيمي) عناصره الماثلة هي، الحرب، القتل المجاني، الفساد بأنواعه المادية والمعنوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكل ما حرمته السماء. ضمن ما تقدم وفي جانب خاص، قد يكون موقف قوى» الخير» من السودانيين يندرج ضمن سياق البحث عن عدالة جنائية دولية ضد الجرائم التي تم ارتكابها ضد الشعب السوداني بمختلف إنتماءاته السياسية وحواضنه الاجتماعية، حيث لم تسلم أي بقعة سودانية من هذه الجرائم، وإن جاز لنا توصيفها على ضوء فروع القانون المختلفة، فهي «جرائم إسلاموية» محضة، على قياس الجرائم الجنائية والدعاوى المدنية والأحوال الشخصية، تحتاج لاجتهادات قانونية قصد تقنين جزاءاتها.
أما الجانب العام وبنظرة كلية، وبدون شخصنة لهذا الاتهام الجنائي الدولي واستحقاقات تنفيذ مقتضيات التطبيق، نجدها أوسع من حيث الدلالة والرمزية، لأنها تتعدى دائرة العقوبة المنصوص عليها في القانون، متى ما ثبتت الادعاءات محل الاتهام، لتنسحب إلى رمزية الاتهام نفسه والمحاكمة لرأس الحكم السوداني وأعوانه محل الاتهام من الولاة والوزراء وزعماء الميليشيات العاملة بالوكالة مقابل فوائد مالية، هذه الرمزية، تتمثل في محاكمة كاملة لمنظومة القيم الأخلاقية والفكرية والاجتماعية والسياسية للأيديولوجية التي يستند إليها الحكم في تعاطيه مع الشأن العام، وتدبير شؤؤنه المختلفة، في الوقت ذاته هي محاكمة دولية لما عرف بالمشروع «الحضاري» وأسس تركيبه ومن يعتقد في صلاحيته، باعتباره مشروعا متعارضا مع القيم الإنسانية والروحية، وفق حقائق التجربة السودانية المعاشة والمرصودة من كل المراقبين للشأن السوداني.
هذا الاتهام الجنائي في فلسفته العميقة هو حق القصاص من فكر ينتج الإجرام ومخلفاته وعلى مستويات مختلفة، حيث يتعدى الظواهر المادية إلى القضاء حتى على روح الإنسان. إلى ذلك يشير هذا الاتهام الجنائي متى ثبتُ قانونا وفق إجراءات المسطرة الجنائية، بمثول المتهم الفار أو القبض عليه، إلى محاكمة دولية لعقل الانحراف السلطوي في السودان ومرتكزات قيمه الأخلاقية تجاه الشعب السوداني لأكثر من نصف قرن، والانحراف هنا إجرامي يستند إلى خلفيات اجتماعية وثقافية بالضرورة، فالأمر لم يأت من فراغ بقدر ما أن هناك مخزونا تراثيا يستند إليه من حيث الدوافع والترتيب وإعلان التنفيذ. هذه المحاكمة متى ما وقعت، سوف تشكل الفاصل الأهم والاساس في التاريخ السياسي السوداني، وقد تكون المحطة المهمة للسودانيين في تجاوز عقدهم التاريخية والثقافية والاجتماعية، إلى إفساح المجال لعقلانية جديدة في التعايش، وفق صياغة إجرائية عبر آليات واضحة لمفاهيم، التعدد والوحدة والقومية والوطنية والمواطنة، لصياغة مشروع وطني سوداني حقيقي قائم على حقيقة موضوعية لا طوباوية، وهذا لن يتم إلا بعد القطيعة مع كل تابوات العقل المنحرف، إن جاء على شكل أيديولوجية سياسية أو طائفية أو عرقية أو جهوية أو طبقية.
في هذا السياق نعلم أن النقطة المركزية، واسطة العقد في إمكانية إيجاد حل للأزمة السودانية عبر التسوية السياسية، كما أشرنا في مقال سابق، التي تفضي إلى تحول وانتقال كامل للسلطة في السودان، وفق أي صيغة من البضائع السياسية المعروضة راهنا، إقليمية ودولية، لا يمكن أن تقع بمعزل عن تسوية سياسية /قانونية دولية لوضع الرئيس السوداني. ومع أهمية القانون الجنائي الدولي ومنطوق نصوصه ودلالاته في الاعتبار، مقرونا بالقانون المنشئ للمحكمة الدولية، إلا أن شبكة السياسية الدولية يمكن لها، كما في مواقف دولية عديدة، من تطويع القانون لخدمة السياسة أو المصالح الدولية كوجهين لعملة واحدة، في التقرير تجاه أي شأن قررت المضي في خطته. وهذا يعني إن إنجاز المجتمع الدولي والإقليمي لحل قضايا الأمن والسلام عبر التسوية السياسية، من باب المؤكد سوف تناور على التسوية الجنائية كذلك لمركز الحكم، وهذا ما قد يفقد معسكر الخير من السودانيين أمل محاكمة أخلاقية وفكرية لمشروع استثنائي وقع في سيرورة التاريخ السوداني بإعوجاجاته. لذا يميل السودانيون إلى إنجاز مشروع «الثورة»، الذي يقضي على كل سياقات البنى التحتية والفوقية الإجرامية لفائدة تغيير بنيوي في السودان، مع هزيمة للإسلام الحركي ومؤسساته وراوفده، فضلا عن إنجاز القطيعة النهائية عبر تقديم رموزه للعدالة الدولية، في مشهد تشهد فيه الإنسانية بأن الشعب تمكن من محاكمة عقل وأدولوجة عصبيتها، الانحراف في القيم والأخلاق باسم المقدس..
وفي هذا، أعتقد أن شعوب « الصيف الإسلاموي»، عليها الاستفادة من تجربة الحكم في السودان، إن كانت هناك من مشتركات، وهذا ما ينكره العديد من حركات الإسلام الحركي في العالم العربي، هم بدورهم أيضا يتساءلون كما تساءل من قبل الأديب الطيب صالح، رحمه الله، في مقالته « من أين أتي هؤلاء؟!»، ولكن رغم نكران هذا لذاك والتبرؤ منه، يبقي المحك والفيصل في الوصول إلى كرسي الحكم وحينئذ يبدأ عقل اللهاث في المصادرة والاحتكار، والمشترك فيه وما بينهم في كرسي الإمامة أو الشيخ أو الخليفة، أن لا دين لهم غير ما يعتقدون.

٭ كاتب سوداني مقيم في لندن

محجوب حسين
بواسطة : admin
 0  0  1308