• ×

03:46 صباحًا , الثلاثاء 30 مايو 2017

قائمة

عن حكاية علي محمود!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 عبدالله مكاوي
بسم الله الرحمن الرحيم
عن حكاية علي محمود!!
يبدو أن رهان الإسلامويين علي الذاكرة الشعبية المثقوبة ليس له حدود، وذلك حين لا يكون هنالك تعمد لإستبدالها بذاكرة مشوهة( تُعرَّف بإعادة صياغة الإنسان السوداني الجاهل/الضال!) حتي تستجيب لترهات الإسلامويين او تتعايش مع شطحاتهم الخيالية/الهروبية وممارساتهم المنحرفة/الإرهابية! أو أقلاه تترك لهم المساحة ليرتعوا فيها بتصريحاتهم/أقوالهم الغريبة وأفعالهم المفارقة وتنصلاتهم الجبانة. وذلك من أجل إتاحة الفرصة لهم، المرة تلو الأخري، لتدبر أمر الدولة وإدارة شأنها من دون مضايقات، وبما يتوافق مع مزاجهم المضطرب ومصالحهم المطلقة! وبغض النظر عن تركة الكوارث، التي طالت حاضر المواطنين ومستقبل الوطن. وكأن السلطة حق حصري لسلالة السادة النبلاء من الإسلامويين، والشعب ومؤسسات الدولة، بيادق يتم تحريكها علي رقعة الوطن، عند كل خطة إستراتيجية وهمية، يتم الإعلان عنها مع قهوة الصباح. وكتأكيد لهذه الوضعية العبثية او الإقطاعية، التي تحكم الشأن الداخلي وتتحكم في علاقاته. نجد إندفاع موجة الحِكمة العائدة، بعد الإقالة من المنصب او الإزاحة لمنصب أقل جاذبية! ضمن صراع المناصب والنفوذ، الذي يحكم المجموعة الحاكمة، أي كأولوية قصوي ودراما مفتوحة علي اللانهاية. خصوصا في ظل غياب مشروع حقيقي لإدارة الدولة، او عدم توافر برامج تنمية عملية وطموحة. بمعني آخر، السلطة التي تعمل في الفراغ (دون رقابة!) او الخالية من الأعباء والمسؤوليات، تأكُل بعضها البعض، او تتصارع ضد بعضها علي التوافه! في صراع تُغذيه الشكوك وإنعدام الثقة البيني. والحال هكذا، نجد أن مصدر الإستخفاف والتعالي السلطوي او الإزدراء الوزاري(الوزيري) للمجتمع. هو العجز عن الإعتراف الصريح بالأخطاء! والذي يجسده في حده الأدني الإعتذار الواضح والمصحوب بالندم، وفي حده الأقصي قبول المحاسبة علي هذه الأخطاء. الشئ الذي يمنع تكرارها او يسمح بمعالجتها، او أقلاه يحد من التمادي فيها دون ردع. أليس هذا من البداهة التي تمثل أول موجبات وأصول المسؤولية؟ والتي في غيابها تصبح المناصب مجرد مورد لجلب الغنائم، ومدخل لتحصيل الإمتيازات المجانية! وهو ما يستتبعه شقاء الشعب وخراب العمران وضياع البلاد. وللأسف سيادة هذا المنهج الأخير، هو عين ما يرتبط بالنظم غير الشرعية، فوق أنه يشرعن للفساد والإنحطاط! أي تضخم السلطة وترف الحكام، في مقابل فقر الشعب وتفكك المجتمع! وتاليا دخول البلاد مرحلة الدولة الفاشلة بأمتياز. أي الدولة التي يحكمها مزيج المزاج والإرهاب، وينخرها الفساد، ويحفظ إستقرارها الخوف والهواجس والإضطرار! وهي الدولة المُعادية بطبعها لمصالح عموم السكان، إن لم تحزفهم من المشهد السلطوي والخدمي والإنساني نهائيا. وهل تبقت هنالك مساحة او مكان او فضاء فيها، لا تشغله السلطة وأعوانها المُطيعين؟! وعموما، النُظم الإنقلابية كالإنقاذ، لا تنقُصها الشرعية او تُكرس للإستبداد فقط! ولكن الأسوأ من ذلك، أنها تفتقد حساسية الإصغاء للمختلف وشجاعة النقد الذاتي! وتاليا يغيب عن وعيها حقيقة ذاتها، ناهيك عن حقائق الواقع او الآخرين. أي بقدر ما تدخُل هذه النظم في غيبوبة وعي بالذات، بقدر ما تُغيِّب الواقع والآخر عن حقيقية المشهد! وذلك من خلال صُنع مشهدها الخاص، والذي يستجيب بدوره لكل رغبات السلطة الحالمة وأمنياتها الخائبة، وصولا لتحويل الفشل السياسي الماثل وتوابعه، والكوارث الإنسانية المُعاشة ومآسيها، الي إنجازات خارقة وإنبعاث حضاري من الرماد!! لكل ذلك يستحيل في حقها، تنمية الوطن او خدمة المواطنين! إن لم تَلحَق بمنظومتها وأفرادها، أضرر فادحة في ختام اللُعبة العبثية. مع التذكير بأن الغيبوبة الوعيوية او الغفلة الإستبدادية، هي قصور لا يؤهل لإدارة دولة، أو تحمُّل أعباء وظيفية مهما قل شأنها! ولكنها في نفس الوقت، لا تعفي من تحمل مسؤولية الأخطاء والفساد، وما يستتبعهما من محاسبة عسيرة وعقوبة صارمة، حتي يعتدل حال الدولة و تستقيم أحوال الشعب.
وبالعودة للدكتور علي محمود وإعترافاته (تبريراته) العجيبة، من صنف الإعتراف الأقبح من الخطأ، نشير للنقاط التالية:
أولا، (إعترف السيد علي محمود بخطأ إستغلال عائدات البترول، وذلك من خلال الإشادة بالمرحوم الدكتور عبدالوهاب عثمان وزير المالية الأسبق، وكان قد نصح بعدم تضمين عائدات النفط في الميزانية العامة للدولة، حتي لا تدخل في مصروفات إستهلاكية، وأوصي بتخصيصها للإنتاج الذي يدعم موارد الدولة وينميها، إلا أن المدرسة الثانية غلبت، (حسب وصفه!) وأدخلت عائدات البترول في الميزانية العامة، فساهمت في رفاه المواطنين، لكنها لم تسهم في رفع مقدرات الدولة الإنتاجية. وعاب السيد محمود(رعته الإنقاذ!) علي هذه السياسة أنها عودت الناس أنماط حياة لم يعودوا قادرين علي التراجع عنها مهما تغيرت ظروف البلاد!) تعمدت أن أسرد الإستشهاد بهذه الكيفية، حتي يتسني لنا تناولها هذه الفقرة من إطرافها او (حتي تكتمل الصورة!) التي يبدو أن ليس هنالك فرصة لإكتمالها في الداخل، الذي يُصر علي فرض صورته المُشرقة إعلاميا؟!
في البداية أن يأتي السيد الوزير ليحدثنا عن البترول وسوء توزيعه، بعد ذهاب البترول وعوائده بأربع سنوات! فهذه محنة لا تنسجم إلا مع جماعة مأزومة وإستعلائية، تبيح لنفسها كل الأقوال وكل الأفعال، متي ما تشاء وكيف ما تشاء! وبغض النظر عن الأضرار المترتبة علي هذه المسالك الخاطئة، أو تحمل جزء ولو يسير من تبعاتها وكوارثها. أما حكاية أن أموال البترول وظفت في النواحي الإستهلاكية للدولة، لدرجة تغير أنماط حياة المواطنين. فهذا من نوع الإعتراف، الذي يحجب الحقائق ولا يظهرها! والسبب، أن القاصي والداني و(اللسة في رحم السكوت!) يعلم أن أموال البترول لم تصب في خدمة المواطنين، سواء كإستهلاك او إنتاج! ولكنها صبت بصورة حصرية في قنوات، تتغيَّأ حماية النظام وترف الدستوريين ومنفعة الموالين! وتسرب جزء مهول منها الي الخارج، في حرز بنوكه وإستثماراته! لصالح الأقوياء الأمناء وأفراد عائلاتهم في السلطة. ودونك ميزانية الحكومة المعلنة (التي تخفي أكثر مما تعلن!) طوال فترة وجود البترول، ونسب توزيعاتها وطبيعة إهتماماتها. بمعني آخر، لا يمكن خداع الناس، بحجة عدم توظيفها في مشاريع إنتاجية، كما يعلم الجميع وتعكسه حالة الدولة المنهارة! وكأنه نطق بالحكمة المفقودة او أظهر بطولة فريدة من نوعها! والأسوأ أنه يقدم تفسير متهافت لطبيعة الصرف، بإلقاء اللائمة علي حياة الإستهلاك! لتنسل الحكومة من سوءة الهدر والنهب المالي، الذي وسم سلوكها طوال هذه الفترة. كما أن الصرف الحكومي في ظل وجود البترول او عدمه، لم تتغير وجهته او تتبدل طريقته، وبما فيها الفترة التي تولي فيها السيد علي محمود وزارة المالية؟! وهي وجهة تمتين ركائز السلطة الإنقاذوية، سواء بالإرهاب الأمني او الإغراء المادي والمنصبي! علي حساب تنمية عمران الدولة وتلبية حاجات المجتمع. وعلي العموم، هذه النزعة السلطوية الإحتكارية، ليست بدعة خاصة بالإنقاذ او ورد راتب لود محمود، ولكنها طبيعة ملازمة لكل النظم غير الشرعية، التي تحركها غرائز البقاء. بمعني، سكناتها وحركاتها دفاعية حمائية، بسبب الخوف وفقدان الثقة! وليست هجومية تنموية، كإنعكاس لرقابة المجتمع ورغبة مكوناته، وتمتعها بكامل حقوقها، وبما فيها حق منح الشرعية وسحبها. أما الأردأ من ذلك، أن عدم الشرعية يحول المجموعة الحاكمة، ليس لحماية مصالحها وسلطتها فقط، ولكنه يحول سلوكها الي نوع من اللصوصية العلنية! أي نهب ما خف وزنه (بترول ذهب) وسهُل تسييله الي أموال نقدية، كبيع أصول وممتلكات الدولة العامة! بدلا عن تنميتها وتطويرها، وهذا ناهيك عن واجب إقامة مشاريع جديدة، تصب في صالح خير المجتمع، أي ما يبرر حكمه، كحال النظم الشرعية. بمعني آخر، وبما أن التنمية الحقيقية صعبة ومعقدة، وتحتاج للتخطيط والعمل والتضحية، ويدخل فيها عامل الزمن بشكل حاسم. كما تحتاج إدارتها للمواهب والكفاءات، وقبل ذلك، عقيدة إيمان صحيحة بالوطن ونظرة صحية او سليمة للمواطنين. لذا فهي تتعارض مبدئيا مع النظم الإنقلابية، التي تتشكل من خليط الأوهام والعقد والإستعجال (التهور!)، ودعم وسند فاقدي الأهلية المعرفية والمواهب الإدارية والقيادية، والجوانب القيمية والوطنية. والنتيجة، يضيق مفهوم التنمية وتأثيرها، لتتمحور حول السلطة والملتفين حولها حصريا. والسؤال الذي يفرض نفسه أمام السيد علي محمود، لماذا لا يُعطي المجتمع حق تحديد الأولويات والخيارات التي تلاءمه، سواء أكانت إستهلاكية او إنتاجية؟ علي أن يتحمَّل نتيجة إختياره؟ لأن الخطأ في الإختيار نفسه، تجربة تورِّث التعلم وعدم التكرار، إضافة الي أنها تكسب الإختيار نضوجه، عبر التحلي بروح المسؤولية في الإختيار.
أما مصدر الغرابة الآخر، فيتمثل في نظرة المرحوم الثاقبة، التي تتضمن فصل عائدات النفط، بعيدا عن الميزانية العامة للدولة (لا يُعلم تحت إشراف من، ومن يراقبها او آلية تكيُّفها الشرعي) حتي لا تدخل في مصروفاتها الإستهلاكية. في الحقيقة هذا الإعتراف الذي يدعي الحرص علي الموارد العامة، ويتوخي الأمانة في سرد الوقائع التاريخية، لحفظ حقوق أصحابها. هو أكبر تناقض وعبث يمكن أن يحكم شُلة أُنس، ناهيك عن مسؤولية إدارة دولة، ومسؤولون يتحكمون في مصائر شعب! وسبب التناقض الصارخ، أن يطالب وزير المالية بفصل عائدات البترول، بعيدا عن وزارته؟! علما بأنه الوصي والمسؤول الشرعي عن هذه الأموال، وهي مسؤولية لا تنبع من الناحية القانونية والشرعية فقط، ولكنها تدخل في هيكلية او تصميم او وظيفة وزارة المالية، كأحد مكونات السلطة الحاكمة. أليس طرح فكرة كهذه، حتي لو لم تكن من وزير المالية؟! او كان صاحبها يستهدف بحق المصلحة العامة ( نشك أن يوجد بين الإسلامويين)؟! هي السبب في نمو سرطان التجنيب علي جسم الدولة، كنتوء خارج سيطرة وزارة المالية! إن لم يكن هو ما أضعف سلطتها ووظيفتها وصورتها، كوزارة لا تملك حق التصرف وتعمل علي الهامش او بالإشارة! بل ألم يشكل هذا المسلك أكبر مدخل للفساد المحمي، بكل أنواعه وشروره وتحلله. بل لا نشك أن هذه النظرية الحديثة (التجنيب)، للتحكم في مال الدولة، هي السبب الأساس في دخول حتي صغار الموظفين، من الذين لا ينتمون للإسلامويين المفسدين بالفطرة، دائرة الفساد او الإنغماس في بيئة الفساد الشاملة! وذلك بسبب سهولة الإنفلات من رقابة وإشراف وزارة المالية، إضافة الي إزدراء اللوائح والقفز علي القوانين، الضابطة لصرف وإيردات أموال الدولة. فطالما وزارة المالية لدف التجنيب ضاربة (مطالبة) فلا نستغرب أن تلتصق شيمة الرقص(السرقة) علي معظم موظفي الدولة (ويا لها من دولة، لا تربطها بحقيقة الدولة، إلا الرسم والمظاهر الشكلية، لأنه لا دولة حقيقية من غير دساتير دولة حقيقية ورجال دولة حقيقيون!). المهم، إذا كان كل ذلك نظرة ثاقبة او بعد نظر، ولو كانت مقاصده تنموية دعائية! فما هو إنعدام النظر إذن؟ وما ضر العمي وضيق الأفق؟ فالصحيح أن تدخُل/تُضمن أموال البترول وغيره من الموارد ميزانية الدولة، والأصح منه أن تخضع تلك الأموال او الميزانية لسلطة وزارة المالية حصرا، أما الأكثر صحة من كل ذلك، أن تندرج خطط وموارد وزارة المالية (الميزانية) ضمن خطة إقتصادية متكاملة، تراعي الأولويات وحاجات المجتمع، وأفضل السبل لزيادة الموارد، والمحافظة علي الموجود منها من الضياع او التبديد. ومؤكد والحال هكذا، أن نصيب الأمن والدفاع والشرطة والمناصب الدستورية المتناسلة دون توقف او ضرورة، ليست هي أهم الأولويات! إن لم تكن هي السبب الأساس في خلق حالة عدم الإستقرار، التي تدعي المحافظة عليها! بسبب إستيلائها علي كل موارد التنمية وهي غير منتجة أساسا! فوق أن أفضل مدخل لخلق الإستقرار والمحافظة عليه، هو الإنفاق بسخاء علي مشاريع التنمية والخدمات العامة، وليس العكس كما هو واقع. ولكن من يؤمن بنظرية التجنيب ويعتقد أنها أفضل مدخل للتنمية، لا محالة أنه أكثر أقتناع بأن الأنفاق علي الدفاع، هو أفضل سبيل للإستقرار. وفي كلٍ، لا علاج لهذه الأوضاع المآساوية والتي تزداد مَساوِئ يوما بعد يوم، إلا بإقتلاع هذه العقائد والأفكار والمسالك الفاسدة من الوسط السياسي، وإرسال أصحابها الي مصحة الإعتزال بالحسني، او الي المعتقل في حالة المعاندة والمكابرة و(الكجار).
أما حكاية، الإشارة الي هنالك جهة، فرضت علي وزير المالية وجهة نظرها المخالفة، فهذا لا يبرئ وزير المالية من المسؤولية، فمن وأجبه أن يتمسك بوجهة نظره، طالما إعتقد في سلامتها وصوابيتها، او يستقيل من منصبه، حفظا لكرامته وتكريما لأمانة المنصب وروح المسؤولية، او أقلاه لا يشارك في الخطأ (من وجهة نظره بالطبع) وهو يعلم مترتبات هذا الخطأ، علي مصلحة الدولة ومصالح الشعب. ولكنها في الحقيقة حيلة لإلغاء المسؤولية علي كائن هلامي او خفي، لا يعلم أحد ملامحه او كنهه! وتاليا يتحول الي مصدر لكل الأخطاء والفساد والشرور! بمعني، إلغاء عبء الأخطاء التي تطال كل الجماعة الإسلاموية والعسكرية بمختلف تكويناتها ودرجاتها، علي جهة شبحية! وهي ما يلاءم مخيلة كل الإنقلابويين ومناصريهم، بحكم المشتركات من شاكلة العمل في الخفاء والشرور المؤامراتية التي تستهدفهم، والأرواح الشريرة التي تتلبس أعداءهم! والأهم من ذلك، أن لا وجود لها، إلا لمن يطلبها ويرغب فيها! أما المقصد من كل هذه المعزوفة الشبحية الجنائزية البائسة، فهو تقييد كل جرائم الفساد والأخطاء في حق الوطن والمواطين ضد مجهول!! وهو بالطبع أقصر وأسهل طريق لتلميع الذات الملوثة بالآثام، وخروجها من بطن الخراب والجرائم والهزائم كما ولدتها أمها. أليست هي مغلوبة علي أمرها؟؟
ثانيا، حكاية رفاه المواطنين التي يتكلم عنه السيد الوزير بكل ثقة، لإعتبارها من المسلمات، فقط لجريها علي لسانه الذي لا ينطق إلا حِكما! هي في الحقيقة لا تثير العجب فقط، ولكنها ترقي لدرجة الفرية بإطمئنان! فما المقصود بكلمة الرفاه النشاز، في ظل تخلِ الدولة عن مسؤوليات العلاج والتعليم والتنمية وحق العمل..الخ، من مسؤوليات وحقوق لمعظم المواطنين! لذلك، فإما الوزير يتحدث عن مجتمع آخر لا يعرفه، ولا نحن كذلك نعرفه! لأن المجتمع السوداني الذي نعرفه، يعاني المسغبة والمرض والعطالة والإكتئاب، وذلك منذ حلول إنقلاب الإنقاذ الكارثي، ومصادرته حق الحياة الكريمة لمعظم المواطنين. او أن معياره للرفاه هو مجرد بقاء الإنسان علي قيد الحياة، وهذا بدوره يفتقده الكثيرون، إما بسبب الحروب العدمية التي تشنها الحكومة عليهم، او بسبب أمراض الفقر والجوع والنفايات، وعدم القدرة علي دفع فواتير العلاج الباهظة. او قد يكون المقصود بالرفاه الإسلامويين تحديدا، بعد أن إستباحوا الدولة ومواردها وأجهزتها من دون رحمة او خجل. وقد نتفق معه في تحوُّل المجتمع تجاه نوع من الحياة الإستهلاكية، ولكن السبب في ذلك، ليس منحه أموال البترول لينفقها علي الرفاه، كما يود أن يوهمنا السيد الوزير! ولكن السبب الأساس، هو غياب التنمية والمشاريع والحوافز والضمانات الإنتاجية، هذا من ناحية، أما من الناحية المقابلة، فهي تقع علي عاتق الإسلامويين حصريا، وذلك بتحويِّلهم السياسة الي مجرد إمتيازات مادية وإجتماعية، بالقدر الذي يحتقرون فيه العمل والعمال وبذل الجهد والوظيفة( كم منهم هجر وظيفته ومهنته الي غير رجعة، متوجها صوب الوزارة او السفارة او البرلمان او السوق او التفرغ السياسي!) بعد أن إستمرأوا إحتكار التجارة والمناصب الدستورية والقيادة المتعددة (المؤسسات والمنظمات!) والمكاسب المجانية، علي ظهر الإقتصاد السوداني المنهك! والتي يجسدها تحالف القوانين والمؤسسات الهشة والمخترقة، من جهة! والموظفون الفاسدون (تطبيق قانون أنفع وإستنفع) والراسمالية الإسلاموية الطفيلية غير المنتجة، من الجهة المقابلة! والتي لا يُعرف لأموالها مصدر او لعوائد إستثماراتها إنتاج ملموس وظاهر. بل لماذا نذهب بعيدا، ألم يمتلك سيادته كعادة الإسلامويين، من العمارات والسيارات والأزواج، مثني وثلاث ورباع؟ ألم يعالج إبنه في الخارج علي نفقة الدولة؟ بل ألا يتنافس الإسلامويون في عدد العقارات والمزارع والأرصدة الخارجية..الخ من متاع وزينة الحياة الدنيا؟ ألا يقيم الإسلامويون مناسباتهم الإجتماعية بطريقة بذخية أسطورية، بما فيها مناسبة الوفاة؟! ألم يُنشئ بعض الإسلامويين وإضافة الي قصورهم المنيفة في العاصمة، مبانٍ ترفية في مسقط رأسهم، لا لشئ إلا للإنتقام من الماضي وفقره ووسطه الإجتماعي! في حين تعاني نفس المنطقة، من الأسقام وفقدان إمكانات العلاج، وإستشراء الفقر والعطالة، وإدمان شبابها الكحول والمخدرات للهروب من الواقع المظلم الظالم..الخ؟! أليست كل هذه مظاهر للحياة الإستهلاكية (المظهرية)، بل هي تشكل نسختها الأكثر بذخ وطبقية وخطورة! فأنتم من سننتم سنة الحياة الإستهلاكية المظهرية، في محاكاة سلبية لمجتمعات ظروفها مختلفة وتطلعاتها مغايرة! وتاليا عودتم المجتمع ( المدمن علي العادات بطبعه!) علي ممارسات دخيلة فوق إمكاناته وممكنات دولته الفقيرة، في هذه المرحلة من التطور. وهي عادات إجتماعية ترفية، عمادها الفساد والأموال السهلة، وتتقصد الإعلان عن ذاتها كحقيقة وكوهم(البوبار)! بمعني، قيمة الإنسان ووضعه الإجتماعي، أصبحت تقاس بحجم ممتلكاته المادية وكيفية الإعلان عنها، وبغض النظر عن مصدرها او طبيعة توظيفها. فماذا يسمي كل هذا، إن لم يكن حياة إستهلاكية مظهرية؟ أحلال علي الحكومة والحكام الحياة الإستهلاكية الترفية، حرام علي المواطنين الغلابة تجريب/مجاراة العادة الإستهلاكية؟ (المضرة من وجهة نظري، ليس بسبب موقف الحكومة والحكام/رجال الأعمال المؤيد لها، ولكن لتسليعها الإنسان كما يقال، وحرمانه من بعده الإنساني او القيمي، كما أنها هي ما يناسب الإسلامويون كقوم عقيدتهم السمسمرة، ومنهجهم كيفية جني الأرباح السهلة ومراكمتها بكل الطرق والوسائل!). أليس المواطنون (الرعايا!) علي دين حكامهم (ملوكهم!)، إذا صلحوا صلحت رعيتهم، وبنفس القدر إذا عاشوا حياة إستهلاكية إتبعهم شعبهم؟ والعكس صحيح. لذلك، إذا كان السيد علي محمود صادق في أدعاءاته او دعوته التقشفية ومساعية الإنتاجية، ويريد عن حق أوبة المجتمع لبساطة عيشه وبما يتلاءم ومرحلة تنميته وظروفه المادية المتعسرة، وتاليا توظيف المتاح من النفقات في مشاريع منتجة، بدلا من صرفها علي عادات إستهلاكية غير منتجة! فالمحك الحقيقي، أن يبدأ من فوره وبنفسه، بإسترجاع ما نهبه من مال يفوق إمكانات وظيفته! وأن يُكيِّف حياته في حدود مرتبه. وقبل ذلك، أن يضع نفسه في محك إختيار المجتمع بكل حرية، إختاره كممثل له او لفظه كشخص غير مقنع او مقبول؟! وعموما، تراجع الحكومة عن الصرف البذخي في الفارغة والمليانة، وإقلاع الوزراء عن سياسة إستباحة الوزارات والقوانين واللوائح، والتعفف عن إمتلاك أموال وأرض ونساء الوطن! هو البداية الجادة لرجوع المجتمع لحقيقية أوضاعه، ليُكيِّف سلوكه عليها، وينطلق منها الي أوضاع أفضل. دون قفز علي المراحل وإنكار لتعقيدات الواقع وقلة فرصه وممكناته من دون بذل الجهد والعمل والصبر. وهذا حتي لا نتفاجأ يوما، حتي بعد ذهاب هذه الطغمة الإنقاذوية الي مزبلة التاريخ، أن الحكام الجدد أتوا لإستعادة سيرة الإنقاذ في البذخ والترف، بحجة ظروف المنصب ومكانة الدستوريين..الخ، من مداخل راحة الحكام وبؤس المواطنين، وتاليا إستعادة حمل المواطن صخرة سيزيف، من المعاناة والنكبات والمحن. وكل هذا دون أن نغفل نظرة الإستعلاء ونبرة الإستخفاف، التي تستكثر علي المواطن رفاهه المزعوم. لكل ذلك، فيا حبيبنا الوزير علي محمود، رد عليك تحليلاتك وإجتهاداتك وإعترافاتك. أما تحذيراتك للنظام فهي تخصكما معا، وليس للشعب مصلحة فيها، إن لم تصبه كالعادة في مقتل! فأنت كغيرك من عصبة السلطة، جزء أصيل من مأساة هذا الوطن ونكبة هذه الأمة. وما حديثك أعلاه إلا تدليس، فوق أنه نقص مسؤولية وقلة مروءة، وأنت تُحمِّل الضحية (المواطن الفقير المعدم) مسؤولية ممارساتكم الترفية وأخطاءكم الفعلية وفسادكم غير الموصوف.
ثالثا، أبدي السيد علي محمود إعتراضه علي إنشاء سد الشريك وكجبار ودال. لأن الأفضل تحويل قروضهما لإنشاء ترع وبنيات أساسية للزراعة في السدود القائمة..الخ. من يسمع هذا الكلام، يشعر وكأن قائله ليس جزء من منظومة، لم تبرع في شئ بقدر براعتها، في إرتجال المشاريع والقرارات المصيرية والمتاجرة بالشعارات، وغياب فقه الأولويات عن شريعتها، لمصلحة فقه الضرورة، والتبريرات الجزافية الفاصلة لعنق الحقيقية عن جسدها. ولكن لمأذا الإعتراض الآن من علي سطح الصحف والقنوات التلفزيونية؟ وأين كانت هذه الحكمة والشجاعة، والسلطة تتصدي بقوة السلاح، لأبناء تلك المناطق من المعترضين علي غمر أراضيهم وضياع تاريخهم وذكرياتهم وتراثهم ومستقبل أجيالهم الي الأبد؟ ومن دون عوائد حقيقية تعوض حجم هذه التضحية، او دراسة جدوي موضوعية تبين أولوية تلك المشاريع المفروضة من طرف السلطة. بل هذه المشاريع وغيرها من المقترحات، لا تشكل أكثر من وسيلة لبقاء وحدة السدود ( كجسم غريب وعاطل ومطلق اليد!) مُسيطرة علي المشهد التنموي، وتاليا مستجلبة للقروض ومتصرفة فيها، وبما يلبي مشاريع ومصالح الدائرة الضيقة من تركيبة السلطة، أي خاصة الخاصة!! والحال كذلك، يفترض أن يوجه النقد الحقيقي، لهذه الإدارة وتكوينها وسلطاتها ووجودها الشاذ، كقبلة للفساد يحج إليها كل مرضيّ عنه! وليس علي خططها ومشاريعها، علي طريقة دفن الراس في المصالح الخاصة، او الخوف من عواقب إزعاج الإبنة المدللة للنظام. أما حديثك عن التحوُّل لإنشاء ترع والإهتمام بالزراعة..الخ! ففي المبتدأ، يصعب قبول حديث تجهيِّل وتعامي كهذا منك؟ وأنت جزء من هذه الجماعة التي أقامت سد مروي، وتاليا تعلم أنه أقيم خصيصا لغرض إنتاج الكهرباء (راجع كتابات الدكتور محمد جلال هاشم عن سد مروي). والدليل، أين الترع الموعودة حتي الآن؟ لماذا لم يواكب إنشاءها قيام السد؟ بل يجب أن يسبق إنشاءها قيام السد، إذا كانت غاية الزراعة حاضرة في التخطيط، قبل الشروع في تنفيذه. أما إذا كان نقص التمويل هو الحجة، فالجهات التي منحت الأموال لقيام السد، مؤكد أن تكلفة الترع بالنسبة لها مسألة هامشية. او يمكن الصبر علي التنفيذ، حتي يتم توفير كل الإعتمادات المالية، بما فيها تكلفة إنشاء الترع. فلماذا العجلة إذا كانت هذه الحجة صحيحة أساسا؟! علما بأن الأرض الخصبة موجودة علي ضفتي النهر، وتكلفة الري، المتوقع لها أن تكون منخفضة (ري إنسيابي)، إضافة الي أن أهل الشمالية متمرسون بالزراعة وفنونها، وعشقهم للأرض ليس له حدود. ناهيك عن المردود الإقتصادي والتنموي، الذي كان يمكن أن يعود علي المنطقة وأهلها والبلاد كافة، إذا ما أقيمت مشاريع زراعية ومزارع حيوانية، وصناعات تحويلية مرتبطة بهما، وبمشاركة الأهالي وكل أبناء السودان، مؤكد أنها مكاسب يصعب وصفها. فيما يمكن تشبيهه بمشروع الجزيرة (المغدور) وأثره علي الجزيرة وأهلها والوطن ككل. بل الأكثر مرارة من ذلك، أن مواطني أمري الذين أُقتلعوا من جذورهم وهُجروا من بيئاتهم الأصلية علي شاطئ النيل، الي بيئات جافة! أصبح العطش يحاصرهم اليوم، ويتربص بوأد محاصيلهم الزراعية، وتحويل أرضهم المستصلحة بالمشقة والتكلفة الباهظة الي بور! أي في تلك الصحاري التي إخرجوا إليها، كقوم موسي او السيدة هاجر الي وادٍ غير ذي زرعٍ او ترعٍ. وما زال سراب القنوات يُمضغ (يُلاك) علي ألسنة السادة المسؤولين! بل هنالك أقاويل تتحدث عن، أن تصميم السد لا يسمح بقيام قنوات أساسا ( كبر حجم البوابات) وذلك بالتواطؤ مع المصريين حتي يأمنوا إعتراضاتهم ومضايقاتهم (قارن هذه الميوعة الإنقاذوية، مع موقف الحكومة الإثيويبة وصلابته، فيما يخص سدها وبما يتناسب مع مصالحها! ومصدر الصلابة ليس قلة الإستبداد ولكن قلة الفساد! لأن الفساد يُذهب بالإحترام، وفقدان الإحترام بدوره ينهش في هيبة أي نظام او جماعة، وتاليا يهزم مواقفها او ردة فعلها تجاه أي قضية او حدث خارجي تحديدا، وصولا لتفتيتها وذرها للرياح! ولا نحتاج للتذكير بقضية حلايب والفشقة..الخ من أطراف البلاد المتناقصة، بسبب الضعف والخوار الإنقاذوي المديد!). بمعني آخر، حتي بعد ذهاب هذا النظام الإجرامي غير مأسوف عليه، ستعاني السلطات القادمة وأهل المنطقة من عقبات وكوارث يصعب تلافيها! أي الإنقاذ لا تمارس السلطة كنظام محترم، ولكنها تنفث أحقاد تجاه الوطن وإستعلاء ضد المواطنين، كعدوٍ متآمر.
أما الحديث عن التوسع الزراعي والإكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات لرفع ميزان المدفوعات. فهو حديث لا يمكن أن يصدر من عضو جماعة او سلطة، حطمت أكبر مشروع زراعي في أفريقيا، وفككت مقومات إعادته علي هيئته الأولي او أحسن! وهي تهجم علي بنيته التحتية بيعا برخص التراب للأتباع والأغراب، وتتبع فيه سياسة إعسار وتطفيش للمزارعين والزراعة! وهي تستهدفه بإرشادات المنظمات والبنوك الخارجية، أو الوسيط لأصحاب الإحتكارات الدولية، أي ليكتمل ملف الحصار الإحتكاري والسمسري والمضاربي الداخلي مع الخارجي، علي جثة المشروع (المقتول عمدا) إستعدادا لتشريِّد مواطني الجزيرة! وهل هنالك جزيرة او أهل جزيرة، من غير مشروع الجزيرة المزدهر، والمملوك لأهل الجزيرة وكل الوطن؟! أي البديل لمشروع الجزيرة ونشاطه، هو الفقر والمحل والمرض والديون والإعسار والسجون. وعموما، لم يُعرف عن الإسلامويين كتنظيم ينشط وسط الطلاب حصرا، او العسكر كتكوين مغلق علي ذاته! أي إهتمام بالمزارعين او العمال، او التقرب من همومهم ومشاكلهم! او كانت لهم مشاركات إنتاجية او نشاطات إرشادية او مجهودات توعوية، تتغلغل في أوساطهم وتهدف للإرتقاء بهم وبمنتجاتهم. فكل حصيلة الإسلامويين والعسكر السياسية والسلطوية، لا تتعدي صورة باهتة لخلطة سياسية بالدين تتقصد المتاجرة وبالعنف تتقصد الإرهاب! فوق تسميمها للبيئة السياسية وتعنيفها للوظيفة السلطوية وترهيبها للمجتمع المدني، وتوهم إمتلاك الدين والإنضباط والجدية حصرا. وكأننا أصبحنا من جانب الإسلامويين في مجتمع مكة، وقد أُلزمنا خانة الكفار ورفقة أبي جهل، كأقصي حظوظنا من دعوتهم الملفقة، او القائمة علي الإفك والتزوير وقول الزور! مع ملاحظة أن الجزيرة العربية وثقافتها، ليس لها علاقة لا بالعمل والعمال ولا بالزارعة والمزارعين، لأن طبيعتها جافة ونشاطاتها الإقتصادية رعوية او تجارية، وعلاقاتها الإجتماعية تحكمها التراتيبية والطبائع القبلية، وهي البيئة التي تنزِّل عليها وخاطبها القرآن الكريم. الذي يحاول الإسلامويون النطق بإسمه، وتجييره لصالحهم، وإستدعاء ظروف وملابسات وبيئة نزوله! بالإدعاء أنهم المخاطبون لإيصال رسالته، متوسلين في ذلك إمتطاء ظهر النصوص الدينية، وممارسة التجارة (السياسة) كمهنة دينية رائجة (مباركة) وتقليد بعض ممارسات وعادات أصحاب ذاك العهد. والحال هكذا، لا مكان لمعاناة العمال او تحسين ظروف وبيئة العمل او الوعي بعلاقات الإنتاج وممارسات الإستغلال! بل الأسوأ أن هذه الأخيرة، تتحول الي شطارة، بوعي الربح والتجارة والإحتكار الذي لا يعرف غيره الإسلامويون! لأن الزكاة كافية لبسط العدالة، وأن الأرزاق بيد الله يوزعها كل صباح، ويبسط الرزق لمن يشاء! غصبا عن تركز الثروة في يد الإسلامويين او من بيدهم السلطة حصرا، وحرمان معظم قطاعات الشعب من قوت يومهم؟! أما علاقتنا بالعسكر فمكانتها او موضعها، خانة كتيبة يستهوي كبار الضباط التسلي بتعذيبها، بالأوامر المهينة للعقل قبل الحس والبدن من شاكلة (غير أقوال وقرارات البشير وعبدالرحيم..الخ، أهم أربع حاجات في الجيش ثلاث الإنضباط وحاجة كدة، نسيتها بحمد الله، كغيرها من لوثات او لغة العسكر التي أبتلينا بها في تلك الأيام، ولو أننا لم ننسَ مرراتها وإهانتها، والخوف من أن نساق مرغمين الي ساحات معارك، كنا كارهين لها وغير مؤمنين بعدالة قضيتها! وبالمناسبة أسوأ أيام عاشها البني آدم هي تلك الأيام التي قضيناها في المعسكرات الإلزامية القهرية، كسبيل وحيد لنيل خلو الطرف، الذي يؤهلك لنيل كينونتك وهويتك او إثبات شخصيتك، عند أي معاملة او خدمة من الدولة، وعلي رأسها نيل شهادة الجامعة او فرص العمل او الهجرة والمغادرة. والتي رُبطت جميعها كاثوليكيا بذاك الطريق الوعر، لغير أصحاب الحظوة بالطبع! ولو أنها خُففت لاحقا بسبب الإدمان علي جباية المال من جيوب المواطنين. وهي معسكرات تم حشرنا فيها كالأسري او السوام، وحرمنا فيها ليس من الطعام الجيد والراحة بحجة قانون التدريب فقط، ولكن حتي من إحترام عقولنا ومشاعرنا وميولنا تجاه الحركة الشعبية، في تلك الفترة او ظروف الخصومة والقتال غير المتكافئة او العادلة بالمرة! وقمة السخرية والتناقض او المأساة الملهاة، تمثلت في أننا أجبرنا علي شتم وسب القائد المرحوم جون قرنق او القائد ياسر عرمان او غيرهم، في الجلالات المصممة لهذه الأغراض النبذية، ونحن مسبقا نؤيد موقفهم، ونكن لهم كل الحب والتقدير). المهم، بالعودة للمشاريع الزراعية المحطمة، أين مشاريع النيل الأبيض للإعاشة التي درسناها في الجغرافية (أيام ما كان في جغرافية علي جري قول سعيد صالح في مسرحية العيال كبرت وبعد تعرضه للضرب وطشاش النظر) وغيرها من المصانع الصغيرة التي تستوعب عمال وعمالة أصيلة وماهرة ومنتجة، تستفيد من منتجات الأرض والمشاريع في كل مناطق القطر، لتفيد تلك المناطق وكل السودان. بل أين إستثماراتك الشخصية وإستثمارات جماعتك من الإسلامويين؟ لماذا لم توظف لتنمية القطاع الزراعي؟ بل حتي السيد أسامة داوود ورغم إستثماراته الشهيرة والمتنوعة، وفي داخل الوطن وصلته بجماعتكم، لم ينجُ من المضايقات! أما حديث الدكتور لا فض فوه، عن الإستفادة من التجارب! يجبرنا علي التساؤل هل يجدي الكلام عن الإستفادة من أخطاء سوء التصرف، في عوائد البترول، بعد ذهابها الي حال سبيلها؟ تحت بصر ورقابة ومشاركة السيد علي محمود وصحبه الأطهار الأتقياء! فأقصي ما يمكن أن يقدمه السيد علي محمود في هذا الجانب، هو المساعدة في كشف مسارات الأموال المظلمة، وتتبع إستثماراتها الخارجية، من أجل إعادتها الي حضن الوطن، لتسهم في التنمية من جديد. بدلا من القيام بدور الناصح الأمين، الذي لا يليق بمن تلطخت سمعته بالفساد! وتاليا بكاءه علي المال المسكوب في الإستهلاك كما يدعي، هو مجرد طلاء يغطي به، الإنغماس في الحياة الإستهلاكية الترفية بكل أشكالها وابعادها، لدرجة الحكم عليه بإطمئنان، بأنه لا يعرف غيرها، خصوصا بعد وصول جماعته الي الحكم وتسنمه كرسي الوزارة.
رابعا، حديثه عن إمتصاص الحكومة للصدمات الإقتصادية بعد إنفصال الجنوب، يمكن أن يصدق لو كانت هنالك مشاريع تنمية حقيقية وإنتاجية، توفر بدائل للعوائد البترولية الراحلة جنوبا. ولم يتجاوز الدولار عتبة العشرة جنيهات، بعد أن دخل طور الندرة، وأعاد الرواج لسوق العملة السوداء، المرتبط بدوره بالسمسرة والمضاربات، أي تآكل الإقتصادي الوطني من الداخل. ولم تصل الديون لأرقام فلكية، او كانت البلاد جاذبة للإستثمار الشفاف والحقيقي! ولم تبلغ الهجرات من السودان أرقام قياسية، ولكل فئات المجتمع بما فيها أخيرا (المعتمدين؟!). ولما غطي الفساد البلاد من أقصاها الي أدناها، ولم يستثنِ إلا القلة، التي لا تري إلا بالعدسة المجهرية! ولما تحكمت الأجهزة الأمنية والعسكرية في عصب الحياة السياسية! ولما ملأ المتسولون الأسواق والمساجد والتجمعات يسألون الناس إلحافا، إن لم يتحول التسول لمهنة يحترفها بعض الدجالين ومنظمات السلطة الخيرية! ولما غزت إعلانات الطلاق بسبب الإعسار، صفحات الصحف المحلية، كطوفان الجراد من كل مكان وو...الخ من الظواهر التي تؤكد أن الوضع الداخلي في حالة إنتكاسة حقيقية، ومقبل علي إنهيار وشيك لا يبقي ولا يذر. وعموما، يستحيل علي إقتصاد ريعي وغير منتج، وحكومة عاطلة ومتضخمة وعاجزة، أي وهي بهذا القدر من الهشاشة والسيولة، إمتصاص أي نوع من الصدمات، ناهيك عن ذهاب ثلثا ميزانيتها ومن دون إستعداد مسبق. والأكثر تأكيد من ذلك، أن حكومة تحطم مشاريع الدولة الإنتاجية والخدمية القائمة، هي حكومة عدوة لنفسها، قبل أن تكون عدوة للدولة وكارهة للشعب، كما هو واقع! أما النتيجة الحتمية لهذا الفشل الذريع في إدارة الدولة سياسيا وإقتصاديا وسلطويا..الخ، لا يمكن أن تسمي إمتصاص صدمات بحال من الأحوال، أي كجزء من إستراتيجية تشويه المعاني والمسميات والقيم العامة، لإخفاء الحالة الحقيقية البائسة! ولكن هي تحوُّل الدولة السودانية الي دولة مفلسة ومستدينة ومرهون مستقبلها للإعسار! أي حالها من حال من ورث أموال وممتلكات طائلة، ولكنه أضاع الأموال بسوء سلوكه وتصرفه، ومن ثم تخلص من الأرض والممتلكات لإشباع نزواته، وصولا لبيع الأبناء( وهذا وضع الجنود السودانيين، المرسلون الي اليمن! الذين تمت التضحية بهم، وزجهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فقط من أجل ملء خزائن الدولة/جيوب المسؤولين من أموال الخليج السائبة! التي بدلا من أن توظف في تنمية الدول العربية الفقيرة بشفافية، ووفق خطط تراعي ظروف كل دولة وتستهدف رفع الناتج الإقليمي العام، نجدها تُستغل لتحطيم تلك الدول الهشة ولإفناء شعوبها الكحيانة، عبر مساعدة وشراء الطغاة الذين يحتلون تلك الدول ويذلون شعوبها! ومصنع سكر كنانة يمثل خير برهان لإتباع السياسة الأولي، المتبعة جزئيا او غير متبعة بالمرة! كما أن حرب اليمن تمثل الحالة الثانية! والتي يمكن أن يُتذكر فيها دولة كالسودان هامشية، ترتفع قيمتها في الأزمات، كمورد للمواد الخام في الصراعات/الحروب، أي الجنود! أي وصل بنا الحال مع الإنقاذ الي تحويل الدولة السودانية الي دولة مرتزقة، تنتج وتصدر المرتزقة!).
أما عن حكاية الضغوطات الخارجية وعدم فقدان السيطرة علي الأوضاع. فمسألة الضغوطات الخارجية المكرورة من دون ملل او تجديد، هي من باب مغالطة الحقائق، وإرهاق شماعة الخارج، بتحميلها وزر كل الأخطاء والنواقص والعيوب! أما مفهوم السيطرة، فهو يبين حقيقة فهم السيد علي محمود وبقية الإسلامويين والعسكر للسياسة والحكم والإدارة! أي مفهوم قائم علي الغلبة والقوة والعنف والإرهاب، وتاليا تجريد المجتمع من كل سبل المقاومة والإنعتاق، حتي تسهل السيطرة عليه والتحكم به كيفما شاء! وفي حضور مفهوم كهذا في الحقل السياسي والسلطوي، فما الداعي لبذل التضحيات وطرد الإستعمار! بل يصبح الإستعمار مرحب به، مقارنة بتخلف أدوات سيطرة الإنقلابويين أعداء أنفسهم؟! وعموما، في ظل تمكن ذهنيات ووعي السيطرة من الجماعة الإسلاموية، بكل تفرعاتها المدنية والعسكرية! لا مجال لمساحة مشتركة معها، او مكان للحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، او فرصة لإزدهار تنمية او عمران دولة! بل لا مكان لوجود الشعب ذاته، إلا كمبرر لسيطرة الحكام، وأدوات تقوم بعمل، ما تعجز السلطات عن القيام به.
خامسا، بعد كل الإنجازات المذكورة أعلاه، من إمتصاص الصدمات ومقاومة الضغوطات والسيطرة وهلمجرا، إلا أنه يستدرك ويطالب بمراجعة عاجلة للسياسات الإقتصادية، لدعم الإنتاج وزيادة الصادرات وتقليل الواردات، حتي لا تستفحل الأوضاع حسب قوله، لأن المواطنين يمكن أن يصبروا علي غلاء المعيشة وإرتفاع الأسعار، ولكنهم لن يصبروا علي الندرة، ضاربا مثالا بغاز الطعام، وكل ذلك بسبب تغير نمط حياة السكان أيام الرفاه الإقتصادي. وبتناول ماذكر أعلاه، أولا، لا يمكن إحداث تغييرات جذرية، في بنية الإقتصاد (كإنتاج وتصدير..الخ) دون المرور بإحداث تغييرات أكثر جذرية، في بنية السياسة وتركيبة الطبقة الحاكمة! وهو ما لم يُشر إليه السيد علي محمود من قريب او بعيد؟ بمعني، سيادته يُقيم نوع من الفصل الإعتباطي ما بين السياسي والإقتصادي! وتاليا، يحمل الجانب الإقتصادي كل مسؤولية الفشل والعجز! والسبب في هذا المسلك المعوج والنقد الإنتقائي، هو الخوف من ذكر الحقائق البديهية، وهي أن المتسبب في هذه الأزمة الشاملة، بكل مكوناتها الإقتصادية السياسية..الخ هي سلطة الإنقاذ الحاكمة (وهو جزء أصيل منها) وقبلها الشروع في القيام بإنقلاب علي السلطة الشرعية، أي لإعتبار الحالة الإنقلابية هي المؤسس الفعلي للسلطة الإستبدادية وملحقاتها الملازمة من فساد وفشل وإرهاب..الخ. ومؤكد أن إشارة صريحة وواضحة كهذه، لا تدينه وتكلفه منصبه فقط! ولكنها تطال كل ما يستمتع به من إمتيازات آنية ومستقبلية (وخفية!). هي نفسها حصيلة صراع النفوذ علي المناصب داخل مراكز صنع القرار. بمعني آخر، وضعية السيد علي محمود من الهشاشة بمكان، أي كتابع وليس مستقل او مقرر في الشأن السلطوي، ومن ثم تمثل إشاراته للأخطار الإقتصادية، جزء من صراع الأتباع لإزاحة بعضهم البعض! أي كجزء من رسالة مقصود بها إقناع (مؤسسة) الرئاسة، بأن السيد علي محمود (قلبه) علي الحكومة وتماسكها، وهو يمثل قرون إستشعارها لتنبيهها للأخطار المحدقة، وتاليا هو يستحق الجوائز المنصبية والمكافآت المادية، أكثر من غيره! وهل يستوي الذين يحذرون، والذين هم في فسادهم وغفلتهم سادرون؟! وثانيا، في الحقيقة حكاية تحمل غلاء الأسعار نفسها تحتاج لوقفة. لأن ما يحدث، ليس تحمل من قبل المواطنين، لمسلسل غلاء الأسعار المتواصل دون نهاية، كما يشتهي السيد الوزير ونظامه أن يصوره. ولكنه خوف علي حياتهم، وعلي ما تبقي من مصالح هامشية بين أيديهم! من غدر السلطة وأساليبها العنفية الإرهابية (والتي لا تعرف غيرها) في الرد علي الإعتراض والرفض، او علي أقل مطالب فوق عادلة (مطالب أساسية تمس بقاء الإنسان علي قيد الحياة! كالحصول علي الماء النظيف مثلا). ويؤكد ما ذهبنا إليه، العنف المُفرِط الذي جوبه به كل من تجرأ وأعلن عن أبسط المطالب! وهذا فوق الحصانة التي يتمتع بها أصغر فرد أمن او عسكري! ودون الحديث، عن كثرة أجهزة الشرطة والأمن والجيش، وتشعبها وتغلغلها في كل أنشطة المجتمع، وإنتشارها في كل أركان الدولة. وكأن السودان تحول الي ثكنة عسكرية! فيما ينتظر المواطن دولة مدنية عصرية ومسؤولة، توفر له الكرامة والحقوق والتنمية والإنتماء! أي في اللحظة التي يتعامل فيها العالم بلغة الحوار والتفاهم، وتتبني دوله الحديثه، فنون التكنولوجيا وإنتاج وتبادل المعلومات والمعرفة والمصالح، وتقدس إحترام المواطنين. نجد الحكومة الإنقاذوعسكروية في الخرطوم، غارقة في التخلف ولغة وأساليب العصور الوسطي، وتاليا تواجه أبسط المطالب والحقوق الأساسية (التي نسيها العالم من شدة بداهتها وقِدم تجاوزها)، بلغة الكلاشينكوف والقنابل المسيلة للدموع والطائرات الحربية في الأطراف، وغيرها من مظاهر الإرهاب الطاغي ووسائل العنف البدائية، التي تسم الوعي (الفحولي) المسيطر علي الإنقلابويين! أما العناصر الأكثر مدنية في هذه المنظومة الهمجية، فيسم حديثها ومنطقها قدر غير يسير من اللزوجة والإلتواء، ودونكم نموذج الدكاترة علي محمود وعلي الحاج والترابي وأمين حسن عمر. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر الكلام
التنمية الحقيقية هي لغة مشتركة بين الشعب والسلطة، قاعدتها الشرعية والمشاركة والديمقراطية، وجوهرها الإستقرار. وهي لا تظهر في لغة أرقام باردة، تقذف بها السلطات في شكل تقارية إخبارية مطبوخة! ولكنها حالة من الطمأنينة والإستقرار والوفرة والقدرة علي الإنجاز والتطور الذاتي والعام، تحتضن وتدفع بالمواطن الفرد، وتظل وتحيط بالمجتمع العريض من كل إتجاه. ومؤكد تنمية كهذه لا تمت للنظم الإنقلابوية بصلة، ولو أنها تشكل تحدٍ جدي أمام النظم الديمقراطية الشرعية. ودمتم في رعاية الله.
بواسطة : admin
 0  0  6498