• ×

08:19 مساءً , الجمعة 9 ديسمبر 2016

قائمة

بريطانيا والاتحاد الأوروبي: حجج البقاء أكثر اقناعا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بينما يحتدم الجدل داخل بريطانيا حول بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي أم مغادرته، تؤكد الدراسات الميدانية أن المواطنين الأوروبيين يجمعون على ضرورة بقائها داخل الاتحاد بل وتدعيمه، وهذا ما يشير إلى أن دعاية المحافظين البريطانيين لضرورة ترك الاتحاد لا تتحسس مجالها الخارجي ولا تقيم وزنا لما ستخسره بريطانيا اقتصاديا وإقليميا إذا كانت نتائج الاستفتاء المنتظر تناصر الخروج.
العرب [نُشر في 21/06/2016، العدد: 10313، ص(6)]

احتمال الخروج قد يدمر علاقات ومصالح قوية
لندن - ربما ستكون سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ دورات كرة القدم القارية، تتحقق مصادفة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وخروجها في نفس الوقت من بطولة أوروبا محققة خروجين أوروبيين.
وزعمت صحيفة ذي تليغراف البريطانية إن أحلام المنتخب الإنجليزي في الفوز باليورو 2016 مهددة بالتلاشي، بعدما تبين أن ممثلي فرنسا وألمانيا في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على استعداد لتقديم عريضة قانونية لإقصاء إنكلترا من اليورو في حال صوتت بريطانيا لصالح قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي، طُرح هذا الاحتمال بعيد أعمال العنف والشغب بين جمهور روسيا وجمهور بريطانيا بمناسبة المباراة التي جمعت الفريقين في مدينة مرسيليا منذ أيام، فكان العنف المتبادل بين الجماهير تعبيرا رمزيا عن تمزق حاد بين الدول في ما يتعلق بالهوية الأوروبية المشتركة.

ولئن كانت الجماهير قد عبرت عن تشنج ظرفي طالما عرف عن متابعي مباريات كرة القدم، إلا أن الأمر قد عكس في القاع صراع الرؤوس الكبار لتلك الدول. إذ لم يخف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون خشيته من “شماتة” فلاديمير بوتين في صورة خروج بريطانيا من الاتحاد قائلا “ربما سترتسم على وجه بوتين تعبيرات الشماتة إزاء احتمالات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”، كما كان الأمر نفسه بالنسبة إلى رئيس الوزراء البلجيكي السابق جاي فيرهوفشتات.

ربما تكون تصريحات كاميرون في ما يتعلق ببوتين تدخل في باب الدعاية واستغلال الأحداث الكروية وتحويلها إلى مادة للخطاب السياسي للتحريض على بقاء بريطانيا في الاتحاد، وذلك بربط خطر الخروج منه بتهديد خارجي أو شماتة روسية، لكن مسألة الاستفتاء حول البقاء من عدمه أدت إلى انقسام في الرأي العام البريطاني الداخلي بين مؤيد ومعارض، كما يعكس هذا النقاش خوفا أوروبيا من قفزة نحو المجهول رغم أن استطلاعات الرأي، إلى الآن، تؤكد أن غالبية مواطني الاتحاد الأوروبي يعارضون خروج بريطانيا من الاتحاد.


جغرافيا الانتخابات

معيار المصالح هو المحدد الرئيسي في الجدل حول البقاء داخل الاتحاد أو الخروج منه، لكن من الواضح أن حجج مؤيدي الخروج هشة نوعا ما مقارنة بنظيرتها المعارضة، إذ تنتمي مصالح مؤيدي الخروج إلى حقب اقتصادية كلاسيكية لا تتماشى اليوم مع طبيعة العصر ونمط التطور وآليات التعاطي الاقتصادي المشترك بين الدول. فالريف البريطاني مؤيد للخروج بحكم طبيعة تعاطيه الفلاحية أما المدن الكبرى فهي معارضة للخروج بحكم مصالحها المالية والتجارية مع باقي دول أوروبا.

ويشكل الريف الإنكليزي أو “الحزام الأخضر” بمساحاته الخضراء التي تطوق المدن الكبرى المعقل الأساسي لمؤيدي الخروج. وفي هذه المناطق يعيش السكان الذين يشعرون بأنهم أكثر عرضة للتهديد من الهجرة لأنهم سيفقدون من أراضيهم، بالإضافة إلى ما سيترتب على قدومهم من أعباء على الخدمات العامة.


ديفيد كاميرون: ربما سترتسم على وجه بوتين تعبيرات الشماتة إزاء احتمالات خروج بريطانيا
وحذر كريس غيرلينغ، رئيس مجلس العموم الذي يعتبر من كبار مؤيدي الخروج، من أن “الهجرة بأعداد كبيرة سترغمنا على البناء في قسم كبير من الحزام الأخضر لتلبية الطلب على المساكن”. لكن هذا السبب يعتبر غير كاف باعتبار أن بريطانيا ليست حديثة العهد في الاتحاد الأوروبي. ولذلك يركز معارضو البقاء على معاداة المهاجرين والترويج لخطاب قومي يميل إلى خطاب عرفته أوروبا في أربعينات القرن الماضي وهو الخطاب الفاشي أو النازي.

وأشار باتي “هناك تأييد أكبر للخروج في قلب إنكلترا خصوصا المناطق الوسطى حول المدن الصناعية القديمة في الشمال والسواحل الجنوبية والشرقية للبلاد”. وأضاف جونستون أن “الأشخاص ذوي المداخيل المحدودة هم الذين يشعرون بأنهم الأكثر عرضة للتهديد من الهجرة”.

أما عن الجزء المتعلق ببقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي فهو الجزء الأهم من المنظومة الاقتصادية والاجتماعية البريطانية باعتبار احتوائه على التركيز السكاني الأهم في البلاد وتضمنه النشاطات الاقتصادية والسياسية الحيوية للمملكة.

فالعاصمة البريطانية لندن التي يبلغ عدد سكانها 8.6 مليون نسمة تعتبر بحسب كل الاستطلاعات مؤيدة لبقاء البلاد في أوروبا بنسب تقارب الـ60 بالمئة، وبفضل حي الأعمال “ذي سيتي” الذي يؤيد بغالبيته الاتحاد الأوروبي، تملك بريطانيا أحد أكبر المراكز المالية في العالم، كما أنها مدينة متنوعة ولد 37 بالمئة من سكانها في الخارج.

وأوضح رون جونستون، المتخصص البريطاني في جغرافيا الانتخابات، أن “الأماكن الأكثر تأييدا للاتحاد الأوروبي في بريطانيا هي الأكثر تنوعا والتي سكانها معتادون على التبادل مع أوروبا وهم أفضل تعليما وأكثر تقبلا للعولمة بشكل عام”.

وما ينطبق على لندن، ينطبق أيضا بشكل أقل على المدن الإنكليزية الكبرى الأخرى. وقال معهد “يوغوف” في دراسة إن “المدن الجامعية ذات السكان الشباب مثل ليفربول ومانشستر ويورك وبريستول تعتبر من المدن الأكثر تأييدا لأوروبا”.

أما إسكتلندا، فتعتبر الأكثر تأييدا لأوروبا بالمقارنة مع المقاطعات الأربع التي تشكل المملكة المتحدة. وأظهر استطلاع أجراه معهد إيبوس موري مؤخرا أن 64 بالمئة يؤيديون البقاء مقابل 36 بالمئة يفضلون الخروج.

مواقف المؤيدين والمعارضين في الاستفتاء
☚ الهجرة
*يعتقد أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي بضرورة استعادة السيطرة على حدود البلاد للحد من الهجرة من أجل خفض نفقات الرعاية الاجتماعية، وتنشيط الخدمات العامة والاحتفاظ بالوظائف للبريطانيين. وشهدت البلاد في العام 2015 وصول 336 ألف شخص، بينهم 180 ألفا من الاتحاد الأوروبي.

* يقول أنصار البقاء في التكتل الأوروبي إن المهاجرين يساهمون أكثر في الضرائب من دون تكلفة خزينة الدولة، كونهم من الشبان. وبالتالي، فإن مساهمة المهاجرين من الاتحاد الأوروبي أعلى بنسبة 34 بالمئة مما يتلقون، وفقا لدراسة أجراها عام 2013 مركز أبحاث وتحليل الهجرة.

☚ الاقتصاد والتجارة

* يعتبر المؤيدون أن من شأن خروج الاتحاد الأوروبي السماح للمملكة المتحدة باسترداد مساهمتها في ميزانية الاتحاد الأوروبي بحوالي 8.5 مليار جنيه سنويا. كما أنه سيسمح بزيادة الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 من 0.6 بالمئة إلى 1.6 بالمئة، وفقا للتوقعات الأكثر تفاؤلا لمعهد الأبحاث أوبن يوروب. وبإمكان بريطانيا الاحتفاظ بعلاقات تجارية مع الاتحاد الأوروبي من خلال اتفاق تبادل حر على غرار سويسرا أو النروج.

* يقول المعارضون إن الاتحاد الأوروبي هو الشريك الاقتصادي الأول للمملكة المتحدة، وشكل 45 بالمئة من الصادرات البريطانية و53 بالمئة من الواردات عام 2014. ووفقا لحسابات المركز الأوروبي للإصلاح، فإن انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي أدى إلى زيادة صادراتها بنسبة 55 بالمئة. وبحسب أوبن يوروب، يمكن أن يؤدي خروج بريطانيا إلى خسارة الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 بين 0.8 بالمئة و2.2 بالمئة.

ومن دون إتاحة الوصول إلى السوق المشتركة، فإن المملكة المتحدة ستفقد بعضا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي مصدرها، بنسبة 48 بالمئة، الاتحاد الأوروبي (496 مليار جنيه العام 2014) لصالح دول التكتل.

وللحفاظ على إمكانية الوصول إلى السوق المشتركة بنفس الشروط كما سويسرا أو النروج، يجب على المملكة المتحدة المساهمة في تمويل برامج أوروبية.

☚ النظم والقواعد

* يقول أنصار الخروج إن بروكسل تفرض الكثير من النظم والقواعد وما يتركه ذلك من كلفة على الاقتصاد. وتفيد دراسة أجراها مركز أوبن يوروب بأن كلفة مئة من النظم والقواعد الأكثر تقييدا ترتفع إلى 33.3 مليار جنيه سنويا.

* يعتبر المؤيدون أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الرئيسي لها، فينبغي على المملكة المتحدة أن تواصل احترام النظم الأوروبية دون أن تكون لديها قدرة على إقرارها.

☚ السيادة

* يقول أنصار الخروج إن المملكة المتحدة ستحتفظ بنفوذها كونها قوة نووية ومن دول حلف شمال الأطلسي ومن القوى الكبرى في مجلس الأمن الدولي.

* يتوقع المؤيدون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى فقدان نفوذ المملكة المتحدة في العالم ويزيد من احتمالات استفتاء جديد حول استقلال إسكتلندا التي تؤيد بشدة البقاء في الاتحاد الأوروبي.

وأشار جونستون إلى أن “إسكتلندا تقيم منذ زمن علاقات وثيقة مع أوروبا خصوصا فرنسا”، مضيفا أن “أدنبرة، وليست لندن، التي كانت في صلب قرن التنوير البريطاني، وجامعات أدنبرة وسانت أندروز وغلاسكو أقدم من غالبية الجامعات البريطانية وبالتالي فهي أكثر تنوعا”.

ويستند الحزب الوطني الإسكتلندي “إس إن بي” إلى هذا التيار المؤيد لأوروبا في حججه للمطالبة باستقلال البلاد. وأضاف جونستون أن تأييد أوروبا فرصة للبعض “من أجل التخلص من الإنكليز”.

وأيرلندا الشمالية مؤيدة أيضا بغالبيتها لأوروبا. وأكد تشارلز باتي، أستاذ الجغرافيا في جامعة شيفيلد، أن “وضع ويلز مثير للاهتمام فهو ليس أكثر تأييدا للخروج من إنكلترا، لكن بالتأكيد أكثر ميلا لهذا الخيار من إسكتلندا وأيرلندا الشمالية”.

ثمة إجماع في بروكسل على أن بريطانيا ستواجه مستقبلا صعبا وربما تضطر لإجراء محادثات مرة أخرى، في فترات متقدمة، للحصول على بعض الامتيازات التجارية مقابل تنازلات مثل حرية الهجرة من داخل الاتحاد وتقديم مساهمات في ميزانيته، وهي أمور يريد الناخبون الساعون للخروج من الاتحاد أن تنتهي لكن دبلوماسيين يتوخون الحذر ولا يستبعدون أي تحولات مفاجئة.

وقد تبدو قوانين الاتحاد الأوروبي واضحة، غير أن زعماء الاتحاد ومنهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يبغضون خروج بريطانيا وربما يسعون لإبقائها بطريقة أو بأخرى أيا كانت نتيجة الاستفتاء. وقال دبلوماسي أوروبي “هل ستغلق ميركل الباب حقا؟ ربما يبدو الأمر قاطعا في بروكسل، لكن لا تستبعد أي شيء في السياسة”.

وأمام هذا الحذر والغموض الذي يكتنف مستقبل ما بعد الاستفتاء، فإن النظرة إلى بريطانيا أوروبيا لن تكون ذاتها قبل الاستفتاء وبعده مهما كانت نتيجته. وإذا قررت بريطانيا البقاء في الاتحاد فإن البعض ولا سيما في فرنسا لا يخفي خشيته من أن تقود بريطانيا حملة جديدة لتحرير أسواق الاتحاد والحد من القواعد التنظيمية.

ويرى بعض المسؤولين البريطانيين تفويضا بذلك بعد الفوز في الاستفتاء رغم أن آخرين يتشككون في استعداد كاميرون للمجازفة بتعميق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وسط خلافات بين المحافظين، هذا إذا ظل باقيا على الساحة.

والعنصر المجهول في هذا السياق هو العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد خروج المملكة. فالكثير من زعماء الاتحاد الذين يخشون من الناخبين المتشككين في بلادهم عازمون على ألا تحصل بريطانيا على امتيازات للتجارة ودخول أسواق المال إذا كانت تريد الاستمرار في إبعاد عمال الاتحاد الأوروبي ورفض المساهمة في ميزانية الاتحاد.


الأوروبيون ضد الخروج

أعرب معظم مواطني الاتحاد الأوروبي عن رغبتهم في بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي وأكد ما يقارب النصف من الذين استطلعت آراؤهم أنهم يخشون هذا الخروج. وبحسب دراسة بعنوان “إبقوا” نشرتها مؤسسة “بيرتلسمان” الألمانية الإثنين، فقد دعا 54 بالمئة من الذين شملهم الاستطلاع إلى بقاء بريطانيا في الاتحاد.

وذكر القائمون على الدراسة أن اللافت للانتباه هو أن 25 بالمئة من الذين شملهم الاستطلاع لم يحددوا موقفهم تجاه بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد.

وقال رئيس مجلس إدارة “بيرتسلمان”، آرت دي جيوس، إنه “حتى إذا كان اهتمام الكثير من المواطنين بمجريات حياتهم اليومية أكبر من الاهتمام باستفتاء بريطانيا فإن خروجا محتملا لبريطانيا من الاتحاد سيكون خسارة لكافة الأوروبيين”.

وأظهر الاستطلاع أن 45 بالمئة من مواطني الاتحاد يخشون من أن يؤدي خروج محتمل لبريطانيا إلى تدهور أوضاع الاتحاد بوجه عام، كما توقعت نفس النسبة حدوث ضعف اقتصادي في الاتحاد جراء ذلك، بينما توقع 26 بالمئة من المستطلعين أن يفقد الاتحاد قوته من دون البريطانيين.
بواسطة : admin
 0  0  347